لقطة من فيديو تحقيق الغارديان
لقطة من فيديو تحقيق الغارديان

نقلا عن موقع الحرة

"يقتادون كالماشية معصوبي الأعين ومكبلي الأيدي. يطلب منهم الركض فقط نحو حفرة مجهّزة. ثوانٍ قليلة وتخترق رؤوسهم وأجسادهم رصاصات من بندقية. يُسكب فوقهم الوقود ويحرقون ويختفي أثرهم، وكأن شيئا لم يكن". 

كان من بينهم رجل مسن، بحسب ما اطلع موقع "الحرة" على تسجيل مصور للمجزرة مدته سبع دقائق. تعثر قبل أن يسقط في حفرة التصفية، وبينما صرخ "يا باي آخ يا باي"، أطلقوا الرصاص على رأسه وفي قلبه وبدأوا يضحكون. 

6 أشخاص آخرين كانوا يلبسون ثيابا رثّة، اقتادوهم فردا فردا. ركلوا البعض بأرجلهم إلى الحفرة وأطلقوا الرصاص على الرأس ليتأكدوا من تصفيتهم، فيما دفعوا بآخرين وأنهوا حياتهم وهم يهوون، قبل أن يسقطوا فوق جثث أقرانهم.

في الجانب الآخر لم يكن هناك أية تعابير على وجوه الجناة. "لم يرف لهم جفن" كما يردد السوريون محليا. وبدوا وكأن أمامهم مهمة يجب إنجازها في أقرب وقت، أو بالأصح حفرة يجب إغلاقها بالجثث "من أجل عيون المعلم والبدلة الزيتية الي م يلبسها".

هي تفاصيل مختصرة لتحقيق نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، الأربعاء، وكشفت فيه عن جريمة حرب نفذها عنصر في مخابرات النظام السوري يدعى "أمجد يوسف"، قبل ثماني سنوات (في 2013)، حيث حي التضامن الدمشقي في محيط العاصمة.

ورغم أن هذه المجزرة ليست الأولى من نوعها في سوريا التي يرتكبها عناصر في قوات النظام السوري، إلا أن الآلية التي كُشفت فيها فتحت جروح سوريين، من أبناء العاصمة ومحيطها وباقي المحافظات السورية، ومن هم في الشتات وبلدان اللجوء.

ووثق التحقيق الذي أعده الباحثان أنصار شحّود وأوغور أوميت أونجور، العاملين في "مركز الهولوكوست والإبادة الجماعية" في جامعة أمستردام الجريمة بالفيديو وباسم مرتكبها وصورته، ليذهب بعيدا وعلى مدى سنوات ليلتقي فيه افتراضيا وجها لوجه، ويسحب جزءا من تفاصيل "اليوم الأسود"، بلسانه وباعترافاته. 

"المجزرة تفصيل صغير لمليون سوري بريء"، "شخص واحد كأمجد يوسف يستطيع أن يقتل بدم بارد 47 مدنيا. لنا أن نتخيل كم من أمجد يوسف في الجيش والمخابرات السورية على مدى 10 سنوات"، "لقد سبق الأسد ونظامه داعش وكل المتطرفين في حجم الإجرام". هكذا كانت غالبية تعليقات لسوريين مناهضين لنظام الأسد، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الساعات الماضية.

وفي الوقت الذي أكد الكثيرون منهم على أن ما حصل في التضامن نقطة بسيطة في "بحر إجرام كبير للنظام السوري"، تساءل آخرون: "كم مجزرة ارتكبت في سوريا ولم تلتقط لها الصور أو صورت؟ ولم تسرّب أو تخرج للعلن؟!".

 

"رحلة البحث بالوجوه" 

في مقابل هول ما أورده تحقيق "مجزرة التضامن" كان هناك مشهدٌ "يصعب وصف جزئياته القاسية"، وهو ما يشير إليه حديث شهود من سكان وناشطين من أبناء جنوب دمشق وحي التضامن لموقع "الحرة".

تعود "دعاء" وهي صحفية سورية مقيمة في غازي عنتاب بالذاكرة إلى الوراء، عندما تقرأ أي خبر أو تقرير يتعلق بـ"مجزرة التضامن". وهي التي فقدت عددا من أقاربها على الحواجز الأمنية هناك، بين عامي 2013 و2014. 

وتقول: "أتساءل هل ارتكبوا المجزرة في هذا الشارع أم في الشارع الآخر؟".

في عام 2013 اعتقل عم دعاء على حاجز مخيم اليرموك الأمني والتابع لميليشيات النظام السوري.

وبعد ذلك التوقيت تبلغوا بأنه تمت تصفيته ميدانيا، مضيفةً: "لم نحصل على خبر أكيد، لكن بعد تسريب صور قيصر تعرفنا على وجهه".

"مجزرة التضامن ليست الأولى التي تحصل في الحي، بل كان هناك الكثير من المجازر على شاكلتها"، وخاصة في بدايات الثورة السورية، وانتقال الحراك السلمي إلى مسلح، مع بدء تشكل فصائل "الجيش الحر"، وانتشار ميليشيات لقوات الأسد في المنطقة.

وتتابع دعاء: "هناك الكثير من الأشخاص جلسنا أمس الأربعاء نتحزّر على تاريخ اعتقالهم لنعرف إن كانوا بهالمجزرة أم لا. المؤسف أكثر أن هناك أناس تريد أن تقطع الشك باليقين، كي يعرفوا مصير أبنائهم وأهلهم".

ولم تكن حادثة إعدام عم الصحفية السورية الوحيدة التي تتعرض لها عائلتها، ففي تاريخ "مجزرة التضامن" أيضا فقدت ابنة عمة دعاء زوجها. 

وبعد انتشار تحقيق الغارديان الأربعاء، تشير: "أرسلو لي عائلته وقالوا: غالبا مات في هذه المجزرة. يريدون أن يتأكدوا فقط!".

وتوضح: "كثير من الناس من جنوب دمشق من أهلنا وأقاربنا اختفوا قسريا في هذه المنطقة - أي المربع بين حاجز مخيم اليرموك والزاهرة والتضامن ودف الشوك – حتى الآن لا توجد أي أخبار عنهم. هل هم ميتين أم على قيد الحياة؟".

 

"صدمة من جديد" 

لا تختلف قصة الصحفية دعاء عن كاترين أحمد وهي إعلامية فلسطينية - سورية من أبناء مخيم اليرموك جنوبي دمشق، وتقيم حاليا في الشمال السوري الخاضع لسيطرة فصائل المعارضة. 

في ذات الفترة التي وثق تحقيق الغارديان حصول "مجزرة التضامن" فقدت عائلة كاترين زوجة عمها إلى جانب 9 سيدات أخريات، عندما كنّ يشترين الخبز ويستعددن للانتقال إلى مخيم اليرموك، الذي كان حينها تحت سيطرة "الجيش السوري الحر" والفصائل الفلسطينية المعارضة. 

تقول أحمد لموقع "الحرة": "زوجة عمي كان لديها 4 أطفال"، وإنه على مدى 6 أشهر متواصلة "لم تفض محاولاتنا لأي شيء من أجل الكشف عن مصيرها"، رغم أن العائلة دفعت مبالغ كبيرة لضابط و"شبيحة ضمن الأفرع الأمنية". 

"المحاولات للبحث عنها كانت مستمرة، لكن الجواب من كل الأفرع الأمنية: ليس لدينا أحد بهذا الاسم".

وبقي شعور اليأس سائدا لأشهر، إلى أن وصل "خبر كالصدمة"، ليعلم زوج المفقودة أنها "اعتقلت واقتيدت لمنازل أشبه بمعتقلات مؤقتة في التضامن. تمت تصفيتها وحرقها، على يد أحد الشبيحة انتقاما لقريبه".

وكانت عائلة كاترين في تلك الفترة محاصرة في مخيم اليرموك، ولم يكن لديهم شبكة إنترنت أو كهرباء، كي يعرفوا ما الذي حصل. 

اليوم تشير أحمد: "عندما شاهدت فيديو التحقيق عشنا الصدمة من جديد، وكأن ما يحصل هو لأول مرة. حاولت أن أتخيل كيف يمكن أن يكون مصيرهن، لكن لم أتوقع للحظة أن يكون بهذه القساوة".

وإلى جانب زوجة عمها فقدت كاترين أبناء عمتها الاثنين، واللذان اعتقلا على حاجز أمني في جنوب دمشق يعرف بـ"حاجز علي الوحش"، حيث تم "قتلهما وإحراقها بطريقة مشابهة لمجزرة التضامن التي كشف عنها حديثا".

وتضيف أحمد: "نصف عائلتنا تم اعتقالها. منهم من خرج وآخرين وصلنا خبر استشهادهم. قسم ثالث لا نعرف عنهم أي شيء". 

 

"مختفين بالمئات" 

يقع حي التضامن خارج البوابة الجنوبية لمدينة دمشق القديمة، على أطراف حي الميدان الدمشقي، وإلى الجنوب الغربي من حي باب شرقي الذي يعتبر قلب الحياة الليلية الصاخبة لمدينة دمشق.

ومع انطلاق التظاهرات في مختلف أحياء دمشق في ربيع العام 2011، شهد الحي احتجاجاتٍ سلمية، ليرد النظام السوري على ذلك عبر إنشاء "مجموعات الشبيحة"، وهي ميليشيات قامت بقمع الاحتجاجات بطريقة شديدة العنف. 

ويرتدي عناصر هذه الميليشيات عادةً ملابس مدنية، ويتم اختيارهم عشوائيا من بين فئة الشباب ذوي الخلفيات الأقلوية، بحسب النسخة العربية من تحقيق "الغارديان" الذي نشرته صحيفة "الجمهورية". 

وجاء في التحقيق أن النظام أضفى الطابع الرسمي على مجموعات الشبيحة من خلال إدراجها تحت ما سمي "قوات الدفاع الوطني" في شتاء العام 2012، حين مُنحت صلاحية إقامة نقاط التفتيش لتقوم باعتقال واحتجاز الأشخاص، دون حسيب أو رقيب مع الإمكانية التامة للإفلات من العقاب، بالإضافة إلى صلاحياتهم السابقة باستخدام السلاح وقتل المتظاهرين.

محمود زغموت عضو مجموعة العمل من أجل فلسطينيين سوريا تحدث لموقع "الحرة" عن فقدان أثر الكثير من العائلات ومئات المدنيين في الفترة الممتدة من أواخر عام 2012 حتى أواخر عام 2013. 

ويضيف الناشط الحقوقي: "الاعتقالات كانت تتم على حاجز البركة الذي يسيطر عليه  شبيحة نسرين المحسوبين على طائفة النظام السوري".

وكانت تتم أيضا على "حاجز جامع البشير الخاضع لسيطرة اللجان الشعبية والأمن العسكري 227 وفرع فلسطين إضافة إلى مجموعات فتح الانتفاضة وحركة فلسطين حرة والجبهة الشعبية- القيادة العامة".

ويوضح زغموت: "موضوع الاعتقال تعسفي كان يُستخدم كنوع من العقاب الجماعي ضد سكان المنطقة لأنهم خرجوا عن سيطرة النظام السوري. غالبيتهم أبرياء من نساء وكبار في السن وأحيانا أطفال".

ويشير الناشط: "لدينا عائلات فلسطيينية اختفت بشكل كامل، مثل عائلة عمايري والتي اختطف أبنائها على يد مجموعات شارع نسرين بحيّ التضامن، يوم 16-06-2013".

بدوره يضيف مطر اسماعيل الذي عاصر أحداث كثيرة في جنوب دمشق أن "شبيحة شارع نسرين اشتهروا في قمع المظاهرات ثم في حملهم السلاح باكرا وتشكيل ميليشيات ارتكبت مئات المجازر بحق المدنيين".

وأخذت هذه المجاميع المسلحة "طابعا طائفيا كونها تشكّلت في الغالب من أبناء طائفة واحدة، وكان من بينهم المجرم أمجد اليوسف الضابط -أو صف الضابط- في فرع المنطقة 227 التابع لشعبة الأمن العسكري".

وفي الفترة التي ارتكبت فيها "مجزرة التضامن" كان اسماعيل موجودا في الحي، لكن في المناطق الخاضعة لسيطرة فصائل المعارضة. 

ويضيف لـ"الحرة": "كان شبيحة نسرين ينتقمون من المدنيين القلّة الذين تشبّثوا بمنازلهم نتيجة الفقر وقلة الحيلة، عبر عمليات تصفية ممنهجة وإعدام بدم بارد، خاصة عند خسارتهم لنقطة عسكرية أو سقوط قتيل في صفوفهم خلال الاشتباكات المسلحة".

مواضيع ذات صلة:

تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة
تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة

تضيف عملية قتل أبو عبد الرحمن المكي على يد "القيادة المركزية الأميركية" اسما جديدا على قائمة القادة الذين خسرهم تنظيم "حراس الدين" في سوريا، وبينما يعتبر ما وقع قبل يومين ليس بالجديد، تسلط الحادثة، بتوقيتها وحيثياتها، الضوء على حالة لها تفسيران، وفق ما يتحدث خبراء في شؤون الجماعات المتشددة لموقع "الحرة".

ويعتبر المكي من القادة البارزين في "حراس الدين"، وكان يشغل قبل مقتله منصب عضو مجلس شورى التنظيم، كما جاء في بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في 24 أغسطس الحالي.

وتم تنفيذ عملية قتله بضربة جوية أميركية استهدفته أثناء مروره على إحدى طرقات محافظة إدلب، بذات الطريقة التي أسفرت خلال السنوات الماضية عن مقتل عدد من قادة "حراس الدين"، وآخرهم المسؤولان العسكريان: "أبو حمزة اليمني"، و"أبو البراء التونسي".

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، أن مقتل "المكّي" يعطي مؤشرا على وجود خشية أميركية من "إعادة بناء تنظيم القاعدة في سوريا"، رغم أن تنظيم "حراس الدين" بات في أضعف حالاته.

وبدوره يقول الباحث السوري في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي، إن التنظيم، وهو فرع "القاعدة" بسوريا، لم يعد لديه أي قوة أو حضور، بعد الإعلان عن تصفية "المكّي".

ويضيف عرابي لموقع "الحرة" أن "قادة الحراس المتبقين إما معتقلين في سجون هيئة تحرير الشام" أو متوارين عن الأنظار، كما حال القائد العام للتنظيم "فارق السوري"، الذي يعرف بأسماء عدة بينها "أبو همام الشامي"، وسامي العريدي، الرجل الثاني، الذي يشغل منصب الشرعي العام.

ما هو "حراس الدين"؟

تأسس تنظيم "حراس الدين"، في أواخر فبراير 2018، وقبل ذلك كانت فصيلا ضمن "هيئة تحرير الشام".

و"تحرير الشام" تهيمن عليها قوة مركزية كانت تعرف في السابق باسم "جبهة النصرة" التي كانت الجناح الرسمي لتنظيم القاعدة حتى عام 2016.

وبعد أن أعلن زعيمها، أبو محمد الجولاني فك ارتباطها عن القاعدة في يوليو 2016، انفصلت جماعة "حراس الدين" عنها.

وفيما بعد انضمت الجماعة لتشكيل سمي بـ"غرفة عمليات وحرض المؤمنين"، لكن الأمر لم يدم طويلا، إذ بدأت "تحرير الشام" سلسلة حملات أمنية واعتقالات بحق قادة وعناصر فيها، في تطورات قرأها باحثون على أنها تندرج في سياق "حب السيطرة والاستحواذ على النفوذ الكامل" في شمال غربي سوريا.

وكان "المكّي" من بين المعتقلين الذين احتجزتهم "تحرير الشام" في سجونها في 2020، وبعد دعوات عدة، أطلقها قادة متشددون، أفرجت عنه بشكل غير معلن في 2022.

ومنذ تلك الفترة لم يعرف عن تحركاته أي شيء كحال بقية أفراد "حراس الدين".

وبينما بقي اسمه في إطار تلك الحالة (الغياب عن المشهد)، عاد ليتردد في تقرير "القيادة المركزية الأميركية"، وعندما أعلن رسميا عن مقتله، قبل يومين.

ماذا بقي لـ"الحراس" في سوريا؟

لم تكن الضربات الأميركية المتواترة التي قضت على قادة بارزين في "حراس الدين" الوحيدة التي شكّلت عامل ضعف كبير بالنسبة للتنظيم ككل، بل كان في مقابلها حملة واسعة على الأرض قادتها "تحرير الشام" منذ عام 2020.

وتصنف الولايات المتحدة "تحرير الشام" منظمة إرهابية، وتنضم إليها دول كثيرة.

وكانت قد عرضت لأكثر من مرة مكافآت مالية لتقديم معلومات عن قائدها "أبو محمد الجولاني" وقائد "الحراس"، أبو همام الشامي.

وعلى مدى السنوات الماضية اعتقلت "تحرير الشام" عددا كبيرا من قادة "حراس الدين"، وذهبت بجزء من الحملة التي أطلقتها باتجاه مداهمة المواقع التي يتحصنون فيها مع الأفراد والخلايا النائمة.

ولا يزال الكثير من القادة في السجون، ومن أبرزهم كما ذكرهم الباحثون في حديثهم لموقع "الحرة"، "أبو بصير الديري"، وخلاد الجوفي، و"أبو مصعب التركي"، و"أبو عبد الله السوري"، وهو ابن أبو فراس السوري أحد أبرز رجالات "القاعدة".

ومن ناحية أخرى يشير الباحث السوري، عرابي عرابي إلى أن القائد العام "أبو همام الشامي"، والرجل الثاني وهو الشرعي "سامي العريدي" لا يعرف أين مكانهم في الوقت الحالي.

ويرجح عرابي أن يكونا قد خرجا من سوريا إلى وجهة محتملة مثل "اليمن أو الصومال أو أفغانستان".

وعدا عن ذلك، لا يعتقد الباحث السوري أن لـ"حراس الدين" حضورا كبيرا في الوقت الحالي بسوريا، ويوضح أن التنظيم "يفتقد للمجموعات المهيكلة التي يمكن أن تنفذ عمليات كبيرة على الأرض".

وفي حين لا يستبعد الباحث أن يكون هناك العديد من "الأفراد المتعاطفين" مع "حراس الدين" يؤكد أنه نشاطهم المرتبط "بأمر من قيادات معينة وبخطط واضحة"، يبدو أنه بات غير موجودا.

"ظل لما كان عليه"

وفي غضون ذلك يشرح الباحث أبو هنية أن "حراس الدين" شهد حالة من الإضعاف الكبير بعد الإعلان عن تشكيله في 2018، وارتبط ذلك بسببين، الأول هو الضربات الأميركية من الجو، والثاني هو الحملة التي بدأتها "تحرير الشام" ضده.

ويوضح أنه، وبعد مقتل "المكّي"، يتبين أنه لم يعد هناك أي هيكل تنظيمي واضح للتنظيم المرتبط بـ"القاعدة".

ومع ذلك، يقول أبو هنية في المقابل إن "حراس الدين" "لم ينكفئ وما زال موجودا على الأرض، وتثار المخاوف من استغلاله للظروف الحاصلة الآن من أجل إعادة البناء".

وتحمل العملية التي نفذتها القيادة المركزية الأميركية قبل يومين "دلالات ومؤشرات" عن وجود خشية، وقد لا تنفصل أهدافها عن التحركات واسعة النطاق التي رأيناها على صعيد تنظيم "القاعدة"، كما يضيف أبو هنية.

ويشير الباحث إلى أنه، وفيما يتعلق بالفرع السوري، يمكن القول إن "حراس الدين" لا يزال له قيادات "مثل أبو همام الشامي وسامي العريدي"، لكنهم "في حالة كمون وكالظل لما كانوا عليه سابقا".

ويزعم التنظيم (حراس الدين) أنه شن حوالي 200 هجوم منذ إنشائه. ووقعت هذه الهجمات في مجموعة متنوعة من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، بما فيها محافظة حلب وحماة وإدلب واللاذقية، وذلك بحسب بيان سابق أصدره قبل 3 أعوام.

وفي الحادي عشر من سبتمبر 2021 نشر تنظيم "القاعدة" كلمة لزعيمه السابق أيمن الظواهري تحدث خلالها عن تطورات كثيرة "سياسية وعسكرية"، كان اللافت بينها تلك الخاصة بسوريا.

وأشاد الظواهري، الذي خَلفه سيف العدل، بهجوم استهدف موقعا للقوات الروسية في منطقة تل السمن بريف الرقة، مطلع 2021، وأضاف حينها أن "إنهاك العدو واجب المرحلة"، متحدثا عن "عمليات استنزاف خلف الخطوط".

"فقد ثلاثة أرباع قوته"

ويعتقد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، أن "حراس الدين" بات ينتهج استراتيجية تقوم على "الحفاظ على بقية القيادات".

لكنه يواجه حملة مضادة من الجو وعلى الأرض، مما أسفر عن مقتل العديد من قادته، آخرهم أبو عبد الرحمن المكي.

ويقول فرغلي لموقع "الحرة": "التنظيم في أضعف حالاته لكنه موجود ولديه إصدارات وبيانات وقنوات إعلامية ويحاول أن يظل موجودا، لكن بعيدا عن الصدام المباشر".

ويضيف أن التقديرات تذهب باتجاه أن "حراس الدين" فقد ثلاثة أرباع قوته بشكل تقريبي، لكنه ما زال موجودا ولم ينته تماما.

ومن جانبه يلفت الباحث أبو هنية إلى "وجود مخاوف دائمة من إعادة بناء القاعدة، لاسيما أن نشاط التنظيم بات أمنيا بامتياز".

ويوضح أنه ومع الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة "قد يجد مساحة استغلال"، وهو ما ينطبق مع التحذيرات الأخيرة التي أعرب عنها مسؤولون أميركيون بشأن الحالة التي بات عليها تنظيم "داعش" في سوريا.

ويؤكد أبو هنية أن "حلم تنظيم القاعدة، منذ تأسيسه على يد بن لادن، كان يذهب باتجاه تأسيس فرع لبلاد الشام".

ويعتقد أن "سيف العدل الموجود في إيران لا يزال يرى أولوية في ذلك"، معتبرا أن "القاعدة لن تتخلى عن وجود حراس الدين وقد يكون هناك نوع من محاولة إحياء التنظيم في مثل هذه الظروف".