الكثير من الفتيات تنازلن عن شراء الذهب مكتفيات بالمحبس (خاتم الزواج)- صورة تعبيرية
الكثير من الفتيات تنازلن عن شراء الذهب مكتفيات بالمحبس (خاتم الزواج)- صورة تعبيرية

اختلفت عادات الزواج وتقاليده في سوريا نتيجة تأثيرات الأزمة الاقتصادية وضعف الإمكانات المادية للعائلات، متسببة بعزوف الكثير من الشبان عن الارتباط، أو اختصار العديد من أساسيات حفلات الزواج، وتخفيض قيمة المهور التي يطلبها أهالي الفتيات. 

واختُصرت حفلات الزفاف التي كانت تمتد في بعض الأحيان أسبوعاً، بحفلة واحدة تنتهي خلال ساعات، أو بزواج دون احتفال. 

وعمدت بعض الفتيات إلى التنازل عن كثير من الأساسيات المرتبطة بتجهيزات المنزل أو العرس، كما تخلت الكثيرات عن الاستقلال في السكن لصالح العيش في بيت عائلة الزوج.

ولم يعد الذهب والملابس وتأثيث البيت من شروط العروس وأهلها، إذ تقلصت التكاليف لحدودها الدنيا، بشكل بات بعيدا عن تقاليد الزواج المعهودة في سوريا، قبل الأزمة.

ومؤخراً، أثار فيديو خطبة فتاتين من درعا جنوب سوريا، جدلاً بين المتابعين من البلاد وخارجها، بسبب بساطة المهر، الذي اقتصر على قول "الصلاة على النبي محمد".

صورة عن الفيديو. المقدّم هو المهر- فيسبوك

 

فستان وقالب حلوى

تستعد مها الأحمد من مدينة دوما في ريف دمشق لحفل زفافها الذي سيقام بداية شهر يوليو المقبل. 

تحضيرات مها بسيطة كما تقول لـ"ارفع صوتك"، تقتصر على فستان أبيض مستأجَر، ومصورة حفلات، وقالب حلوى. 

وتشير إلى أنها "استغنت عن الصالة ووليمة الغداء والضيافة الفاخرة والـ(دي جي)، وقامت صديقاتها بتجهيز مجموعة أغان ملائمة للعرس، كما سيقتصر الحضور على المقربين". 

توضح مها: "كان علينا التوفير في كل شي، إذ تغيرت العادات نتيجة الظروف. اكتفيت بمحبس (خاتم الخطوبة) من دون الطقم كما هو متعارف، واستغنيت عن ملبوس البدن (الملابس الجديدة)، وكان علي الاختيار بين إقامة عرس وزفة وصالة، وبين تجهيز بيت الزوجية من فرش وأثاث". 

"على الأقل أزف إلى منزلي، فالعديد ممن أعرفهن تزوجن في بيت العائلة ويسكنّ مع أهل وإخوة الزوج"، تتابع مها.

الشاب راتب من حي دمر الدمشقي، يستعد هو أيضاً للزواج بابنة عمه، وحدد موعد الزفاف في منتصف أغسطس المقبل.

يقول لـ"ارفع صوتك": "لولا تفهم أهل العروس ما كنا سنتزوج، وقام عمّي وهو والد العروس بمساعدتي في تكاليف تجهير منزل الزوجية الذي استأجرته، وتأثيثه بالأساسيات مناصفة بيننا". 

وعن الحفل المرتقب، يقول راتب إنه "لن يقيم أي احتفال، فلا قدرة على استئجار صالة لبضع ساعات توازي راتبه لعشرة أشهر".

"سيقام العرس في بيت العروس ويقتصر على المقربين وبعد انتقالها لبيتنا سنقيم عشاء صغيرا محصورا بالمقربين أيضا"، يبيّن راتب.

 

معازيم أقل

تتحدث أم محمد، وهي لاجئة سورية خمسينية تقيم في غازي عنتاب التركية، لـ"ارفع صوتك"، عن اختلاف الأعراس في سوريا بين الماضي القريب واليوم.

تقول "كان العرس في سوريا شيئا أساسيا، ويتم فيه دعوة عدد كبير جدا من الناس، وكانت العائلة تدعو كل معارفها تقريبا، والبعض يقيم وليمة يوم العرس يحضرها أكثر من 200 شخص، أما حفلة العرس التي ندعوها (المولد) فكانت تضم فرقة إنشاد ويأتي إليها عدد كبير من أهالي المدينة أي ما لا يقل عن 1000 شخص". 

وتتابع: "لكن اليوم اختفت هذه الأجواء بشكل عام، وأصبح العرس شيئا غير أساسي في سوريا، واكتفى بعض العائلات بتجمع خفيف لذوي العروسين"هل العائلتين المترابطتين".

"أما التي تزوّج ابنتها لمغترب، فتتم عقد القران دون حفلة نهائياً، ويكتفي العريس أو العروس بدعوة الأصدقاء المقربين على وجبة غداء فقط"، تتابع أم محمد.

وعن المهر توضح أنه كان سابقا "يتجاوز 6000 دولار للعائلات المتوسطة، لكن اليوم لا يتجاوز يتجاوز 2000 دولار وربما أقل، حيث اقتنعت العائلات بتخفيف المصاريف والاحتفالات، بسبب الأزمة الاقتصادية الخانقة".

وتستدرك أم محمد قولها "وفي نفس الوقت، توجدت عائلات استغلت الأوضاع بطلبها مهوراً خيالية لبناتها، يقرب المهر 20 ألف دولار، وهذا ليس مقتصراً على السوريين اللاجئين والمغتربين، إنما يوجد شيء مشابه داخل سوريا".

 

صالات شبه فارغة

يقول عامر وهو مدير أحد صالات الأفراح في دمشق، إن "الوضع سيء" بالنسبة للعاملين في قطاع تنظيم الأفراح.

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "الحجوزات كانت في الماضي كثيرة خلال الصيف، أما الآن فيفضل الكثير من السوريين الأعراس الصغيرة، وبالحد الأدنى من المتطلبات. ورغم ذلك يوجد تفاوت كبير بين الأعراس في دمشق، فإما أعراس فائقة التكاليف بعشرات ومئات آلاف الدولارات، أو بسيطة جدا تقتصر على المقربين".

ويضيف عامر، إن العادات والتقاليد "تغيّرت" ومظاهر البذخ في الأعراس "تعتمد على الحالة المادية لكل أسرة، فقد تكون الحفلة عائلية، أو في صالة تكاليفها قليلة دون ولائم الغداء والضيافة غالية الثمن أو باذخة جدا".

"وبشكل عام، غالبية حفلات الزفاف صارت تُقام في بيت العروس أو العريس، وفي حال كان المنزل ضيقاً وصغيراً يعمد البعض إلى إقامة الحفل في ساحة قرب المنزل، فضعف الإمكانات المادية يُبعدهم عن صالات الأفراح"، يتابع عامر. 

ويشير إلى أن بعض العرائس اللواتي يتزوجن أشخاصاً مقيمين خارج سوريا، يحجزن الصالة للنساء فقط، وترتدي العروس فستان الزفاف، بغياب العريس، وتأخذ بعض الصور للذكرى، بينما يتم تقديم مشروبات خفيفة وحلوى.

مواضيع ذات صلة:

بشار الأسد السعودية

حمل زلزال فبراير 2023 تطوراً لافتاً في الملف السوري حين تحول إيصال المساعدات الإنسانية إلى مناطق النظام السوري إلى نافذة لعدد من الدول العربية لإعادة العلاقات مع بشار الأسد ودعوته لحضور اجتماع القمة العربية في الرياض، بعد 12 عاماً على طرده من الجامعة العربية.

منذ ذاك الحين، عملت منظّمات وناشطون سوريون في الولايات المتحدة على الدفع باتجاه استصدار قانون لمناهضة التطبيع مع النظام  السوري باعتباره مسؤولا عن مقتل وتهجير ملايين السوريين خلال الحرب المستمرة منذ 2011.

الخطوة الأولى باتجاه هذا الهدف بدأت فعلياً مع إقرار مجلس النواب الأميركي مشروع "قانون مناهضة التطبيع مع نظام بشار الأسد" بأغلبيّة ساحقة من الأصوات بلغت 389 صوتاً مقابل اعتراض 32 نائباً، بينما لا تزال خطوتان أمام المشروع ليصبح نافذاً، أولاهما إقرار مجلس الشيوخ له، ثم توقيع الرئيس الأميركي.

يقول المُعارضون السوريون الذين يعوّلون على فعالية هذا القانون إنه يكمل مهمّة "قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين"، الذي بدأ سريان أولى حزمة من عقوباته في يونيو 2020.

ويعتقدون أنه كفيل بنسف جهود روسيا وإيران في إعادة إنتاج نظام بشار الأسد بعد 13 عاماً من الحرب، وبقاء هذا النظام في حالة عزلةٍ دولية تامّة إلى حين قبوله بحلّ سياسيّ عادل ودائم.

في المقابل، يميل آخرون إلى أن القانون الجديد لن يشكّل أي تطوّر سياسي للقضية السورية.

ويقول الدبلوماسي السوري السابق المقيم في الولايات المتحدة، بسام بربندي، لـ"ارفع صوتك"، إن أهمية هذا القانون الحقيقية "تكمن في أنه يُعيد الملف السوري إلى الواجهة أمام المجتمع الدولي بعد عدة سنوات من إهماله".

ويعتقد أن عواقبه ستكون "أكبر على المستوى الاقتصادي، إذ يعيق القانون تقديم الرشاوى السياسية للنظام السوري تحت اسم مساعدات إنسانية أو إنعاش مبكّر".

ويتابع: "العقوبات المُدرَجة تحت قانون قيصر غطّت معظم الجوانب الاقتصادية أصلاً منذ عام 2020، فالولايات المتحدة قادرة كدولة عظمى أن تمنع الدول أو الشركات أو المصارف التي تدعم الأسد من التعامل معه اقتصادياً أو سياسياً".

من جهته، يرى رئيس المنظمة السورية لحقوق الإنسان، مهند الحسيني، أن القانون "خطوة مهمة على طريق عزل النظام السوري ومنع إعادة تأهيله، لا سيما من الأنظمة العربية الراعية للثورات المضادّة".

لكن في الوقت نفسه، لا يثق الحسيني  إلى حد بعيد "بقدرة قوانين العقوبات الاقتصادية على تغيير الأنظمة التوليتارية المستبدة".

ويبين لـ"ارفع صوتك" أن "الولايات المتحدة فرضت -على سبيل المثال- عقوبات اقتصادية مشدّدة على كوبا لمدة تزيد على 70 سنة بينما كانت النتيجة هناك انتقال السلطة من فيديل كاسترو إلى شقيقه راؤول كاسترو"، في إشارة إلى عدم جدوى هذا القانون في تحقيق أهداف واشنطن بسوريا.

ويعتقد أن النظام السوري "بطبيعة الحال" لديه  آلياته وأساليبه لمواجهة أي عزلة سياسية أو عقوبات اقتصادية، ويتمثّل ذلك في "تجارة المخدرات وإغراق الأسواق وحواضن الدول المحيطة بالمواد السامة المخدرة كآلية ضغط عليهم من جهة، ولتمويل مشروعاته من جهة ثانية".

دول عربية ضده

باعتبار أن مشروع القانون لا يستهدف فقط النظام السوري من حيث المبدأ، إنما أيضاً الدول المُطبّعة معه، كان لافتاً في هذا المسار ما نقله مسؤول السياسات في التحالف الأميركي لأجل سوريا، محمد علاء غان الذي تحدث عن مساعٍ قادتها دول عربية لتعطيل القانون.

وقال غانم، بحسب "تلفزيون سوريا"، إن تلك الدول اتصلت بأعضاء الكونغرس الأميركي وطلبت منهم إيقاف مشروع القانون، مشيراً إلى أن وزير خارجية إحدى الدول العربية حضر اجتماعاً مع أعضاء في الكونغرس في واشنطن لمدة 60 دقيقة خصص ثلثها لإقناعهم بالطعن بمشروع القانون.

تعليقاً على ذلك، يقول المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ، معاذ مصطفى، إن الدول التي تحاول إيقاف مشروع القانون "ربما ليست مقتنعة تماماً بنظام بشار الأسد وليست مهتمة بالتطبيع معه، إنما يُفسّر الأمر بأن النظام السوري استطاع الضغط عليها  من خلال ملف تصدير الكبتاغون وتسليط سلاح الميليشيات الإيرانية المتحالفة معه".

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن أي اعتقاد من هذه الدول بإمكانية إعادة إنتاج النظام السوري "هو اعتقاد خاطئ تماماً" بعد كمية الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبها خلال 13 عاماً.

ويرى مصطفى أن الولايات المتحدة من خلال هذا القانون لم تقم فقط بإغلاق باب تطبيعها مع النظام السوري أو الاعتراف به، إنما ستقوم أيضاً "بمحاسبة الدول والشركات والأفراد التي تطبّع أو تتعامل معه  عبر العقوبات الاقتصادية.

"هذا القانون يعطي رسالة قوية وواضحة بأن بشار الأسد لن يكون موجوداً في مستقبل سوريا بشكل قطعي"، يؤكد مصطفى.