نتيجة الأزمات المتتالية يتزايد شراء المواد التموينية والقهوة بالغرام والأوقية وحسب الحاجة، عكس ما قبل الحرب- تعبيرية
نتيجة الأزمات المتتالية يتزايد شراء المواد التموينية والقهوة بالغرام والأوقية وحسب الحاجة، عكس ما قبل الحرب- تعبيرية

غيرت الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار من العادات الاستهلاكية والغذائية للسوريين في مناطق النظام، وانتقل الحال من التموين لشهر كامل أو لسنة كاملة، إلى الشراء بالغرامات والأوقية. 

وأصبح من المألوف أن يطلب الناس من البائع كأس واحد من السكر أو الأرز، أو ملعقتي زيت وملعقة واحدة من القهوة، بدل الشراء بالمكاييل والأوزان المعروفة.

أسعد الناطور صاحب إحدى البقالات في منطقة الميدان بالعاصمة دمشق، يقول لـ"ارفع صوتك": "كنت أرفض البيع بالتجزئة لكيلو الرز والسكر، أو الزيت، ولكن بعد كثرة أعداد الزبائن التي تطلب الشراء بالأوقية ونصف الأوقية أو بالمعلقة الواحدة، قبلت على مضض، وبدأ البائعون الآخرون يستجيبون لطلبات الناس للشراء بهذه الكميات".

ويضيف: "في البداية كان المشتري يطلب بخجل وبصوت خافت كمية قليلة من الحبوب أو بضعة ملاعق من الزيت لتجهيز الطبخة، أما الآن بات الأمر اعتياديا".

 

ملعقة واحدة تكفي!

أحمد صاحب مطحنة في سوق البزورية، يقول لـ"ارفع صوتك"، إنه اعتاد على شراء الناس للبهارات بكميات قليلة، ولكن هذه الأيام، تتصدر القهوة المشهد.

"أبيع الكيلو الواحد من القهوة أحيانا لـ20 مشتر، فهناك الكثير ممن يشترون ملعقة واحدة أو 50 غراما، أي كمية تكفي لغلوة واحدة، بعد أن كانوا يشترون بالكيلو".

وعن الأسعار يبين أحمد أن كيلو البن أصبح يفوق قدرة الكثيرين، إذ يبدأ من 45 ألف ليرة سورية للقهوة البرازيلية ويزيد عن 50 ألف ليرة للقهوة الكولومبية، وهو نصف راتب الكثير من السوريين، أما البن الهندي فسعره 30 ألفا، وترتفع الأسعار في حال رغبة الزبون بإضافة الهيل، إذ يتراوح سعره بين 50 و70 ألف ليرة حسب نوع الحبة.

ونظرا لكثرة الطلب على الكميات الصغيرة، يعمد البائع أحمد لتقسيم الكيلو الواحد من البن إلى أكياس صغيرة تحوي 50 و100 غرام تسهيلا للشراء.

زيد صاحب بقالة في منطقة التضامن بدمشق، يقول لـ"ارفع صوتك": "باتت مألوفة رؤية الناس تشتري الخضار والفواكه بالحبة، وتطلب الأرز والحمص والعدس بالأوقية أيضا، والشيء نفسه بالنسبة للألبان والأجبان والزيت".

ويتابع: "يُطلب منا أحيانا مقدار كأس شاي أو بضع ملاعق من الزيت تكفي لطبخة واحدة.. قلّ الشراء بانخفاض القدرة الشرائية للمواطنين، فهم يبحثون دائما عن الأهم والأساسي، ويتقشفون في كل شيء، وأصحبنا كتجار نخاف من شراء البضائع السريعة التلف لأن الإقبال على الشراء ضعيف والطلب بكميات قليلة".

 

ولّى زمن الكيلو

ومن دير قانون في ريف دمشق، تقول سلمى (50 عاماً): "لم نكن نشغل بالنا بتأمين الطعام والشراب، ولدينا غرفة مؤونة فيها عشرات الكيلوغرامات من الأرز والعدس والحمص والسكر، أما القهوة فكانت مشروبنا اليومي، وكنا نشتري شهريا ثلاثة كيلوغرامات، وكذلك اللحوم والخضار والفواكه".

"لكن منذ فترة طويلة استغنينا عن اللحوم الحمراء والبيضاء بأنواعها، واليوم نستغني عن القهوة، ونشتري الأساسيات من البقوليات والحبوب للطبخ بالأوقية دائما، فكل شيء يرتفع ثمنه إلا الرواتب تبقى على حالها، لذا علينا أن نتدبر أمورنا بالموجود... بانتظار الفرج"، تضيف سلمى.

ومن حي ساروجة الدمشقي أيضاً، تقول سمر دالاتي (30 عاماً): "بعد أن كان أسهل شيء تقدمه للضيف فنجان قهوة، أصبح الآن بعيد المنال، فالكيلو الواحد يفوق نصف الراتب، ومعظمه سيء الطعم، إذ يعمد بعض الباعة إلى خلط القهوة بالخبز المطحون أو قشر الهال".

وتشتري سمر يومياً ملعقتي قهوة تكفي لها ولزوجها، ومن الأجبان والألبان أوقية فقط وحبتي بندورة، وتتعمد التأخر في تحضير الغداء ليصبح الغداء والعشاء وجبة واحدة. 

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "كنا نتعجب من عادات الأوروبيين الاستهلاكية، ونستغرب شرائهم بالحبة، وها نحن اليوم مجبرون على هذا، وأعتقد أن بداية هذه العادة عند الأوروبيين مردها سنوات الحرب والأزمات الاقتصادية حتى أصبحت انتقلت بالتوارث".

وتتوقع سمر أن يعتاد الناس على هذا النمط من الشراء، وأن تنتقل كذلك للأجيال اللاحقة "التي رأتنا نتقشف في كل شي"، وفق تعبيرها.

 

"هندسة ديمغرافية للقيم"

يقول الخبير الاقتصادي يونس كريم تعليقاً على ما سبق: "نظرا لسوء الأوضاع المعيشية في سوريا حاليا، فإن قدرة المواطنين على تحمل الوضع الحالي تستوجب إعادة ترتيب الأولويات والتكيف، وهذه أهم نقطة برأيي".

أما النقطة الثانية لمواجهة غلاء الأسعار حاليا فهي "العمل بورديتين (مناوبتين) أو ثلاثة، وخروج الأطفال والنساء للعمل خارج المنزل، واعتماد كل فرد من أفراد الأسرة على ذاته لتأمين الطعام والشراب".

لكن ذلك، وفق ما يبين كريم لـ"ارفع صوتك" أدى إلى "فقدان الروابط المجتمعية وإعادة تغيير الديموغرافية البشرية، ابتداء من العلاقات التي أصبحت أقرب إلى أن تحكمها المصالح المشتركة، أكثر من العائلة والقيم المجتمعية التي كانت سائدة قبل عام 2010".

وما يحكم العلاقات اليوم "مقدار التناغم والقدرة على الاستمرار"، حسب كريم.

ويتابع: "النقطة الثالثة، هي اعتماد الكثير من السوريين على المساعدات، سواء من خلال الجمعيات المحلية والأهلية والدينية أو من المنظمات الدولية، أو حتى التوظيف لدى مجموعات عسكرية لتأمين بعض المستلزمات، وهذا ما يقود إلى الفساد بالمنظومة الأخلاقية".

وبناء على التغييرات الحاصلة، يقول كريم: "نحن نتجه إلى وضع مشابه لما حصل في العراق قبل عام 2003، إذ كان هناك انقسام مجتمعي بين فئتين، طبقة غنية جدا وطبقة فقيرة جدا، لا تستطيع حتى مغادرة البلاد، مما أدى بها للنزوح نحو الفساد الأخلاقي والمجتمعي، بالإضافة لضعف البنية المجتمعية في قطاعي التعليم والصحة".

"بالتالي لا يمكن أن يتم التعويل على هذا المجتمع فيما بعد من خلال العملية السلمية، فتردّي الوضع المعيشي يؤثر على الأطفال والتعليم والعلاقات المجتمعية ويؤدي إلى الفساد الأخلاقي"، يقول كريم.

ويلفت إلى طرق أخرى من أجل التكيف والبقاء بين السوريين، مثل "قيام الأسر السورية ببيع ما تملكه للاستمرار"، وهذا يؤدي إلى خلق قيم مجتمعية جديدة، فـ"يصبح الطفل الصغير كما الكبير يعمل ليأكل، والأولوية للبقاء والعيش، والتعليم من الماضي، وتغدو الجريمة أمرا طبيعيا، وهذا ما نراه حاليا من انتشار الجريمة والمخدرات" وفق توصيفه.

وعلى الرغم من ذلك، يقول كريم "لا يمكن التوقع بشكل كامل ما سيصل إليه المواطن السوري من هذه الهندسة الديمغرافية".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.