عام 2017 لجأ الطبيب السوري فراس الغضبان من ريف دمشق إلى لبنان، هربا من الحرب، لكنه واجه "أياماً صعبة" في بلد اللجوء، حسب وصفه.
يوضح لـ"ارفع صوتك": "كان وضعي المادي سيئا، دون أوراق ثبوتية، وأوراق شرعية وإقامة أو شهادات، تعذبت كتيرا كي أجد عملا في مجالي ولم أفلح، واضطررت للعمل في بيع الخضار والفواكه، وبعدها افتتحت محلا صغيرا للخضار وتدبرت أموري حتى وجدت عملاً في مجالي، وأصبح لدي مردود مالي".
استغرق تأمين أوراقه الثبوتية والإقامة عاماً كاملا، وبعدها وجد على موقع إلكتروني لإحدى الجمعيات فرصة عمل لكنه تطوعي، بلا مقابل مادي.
يقول الغضبان: "تطوعت وقتها، وخلال مدة قصيرة استطعت الحصول على وظيفة لمدة ثلاثة أشهر، وخلال ذلك، تعرفت على أوضاع اللاجئين الصعبة وحاجاتهم الطبية والنقص الحاصل في المخيمات والحاجة الكبيرة للطبابة والعلاج".
المشروع توقف بعد ثلاثة أشهر وعاد الطبيب إلى عمله القديم في بقالة الخضار والفاكهة، لكن أوضاع اللاجئين طاردته، حتى خرج بفكرة العيادة المتنقلة.
عيادة متنقلة
حاجة اللاجئين السوريين الماسّة للعلاج، دفعت الطبيب فراس الغضبان، لإطلاق مبادرة العيادة المتنقلة، التي بدأت بخيمة في كل مخيم يزوره مدة ساعتين، يستقبل فيها المرضى ويشخّص لهم الأمراض ويقدم العلاج.
وتطوّرت المبادرة، لتصبح جمعية "Endless Medical Advantage- EMA"، التي ترعى أكثر من عيادة متنقلة، وتضم عدداً من الأطباء المتطوعين المقيمين في لبنان.
وتم تسجيل الجمعية في بريطانيا، بالإضافة لتوقيع عقود رسمية مع جمعيات موجودة في لبنان، وبدأت بالحصول على دعم، منذ عام تقريبا، يغطي تكاليف بعض العيادات.
وتزامن عمل العيادات المتنقلة بين المخيمات، مع ارتفاع كلفة الاستشارات الطبية، وغلاء الأدوية وارتفاع كلفة النقل.
وعن المقابل المادي يقول الغضبان: "الخدمات مجانية أو شبه مجانية، نأخذ مبلغا رمزيا وهو 3000 ليرة لبنانية (0.09 دولار) وفي المساء يكون مجموع المدخول اليومي حوالي 250 أو 300 ألف ليرة فقط".
"ولا نأخذ المال من الجميع فهناك أشخاص وضعهم المادي سيء جدا، كما يوجد أشخاص يأتون لأجل الاستفادة من الأدوية، وهؤلاء نأخذ منهم المال لأنهم غير محتاجين بشكل فعلي"، يتابع الغضبان.
أما الأموال التي يتم تحصيلها، فتحولها الجمعية للمحتاجين سواء بدعم إيجار منازلهم أو بتأمين السلال الغذائية.
والعيادات المتنقلة، لا تقصد المخيمات فقط، إنما تتجول في الأحياء الفقيرة داخل المدن، حيث يعيش لاجئون سوريون ومواطنون لبنانيون.
وقد يتم تحويل حالات مرضية إلى المستشفيات والجمعيات الطبية، إذا تعسّر تقديم العلاج المباشر لها في العيادات.
يبين الغضبان: "تملك الجمعية اليوم مركبتين، تحويان ثلاث عيادات أو أكثر بحسب أعداد الأطباء المتطوعين، كما تغطي 37 مخيماً، لكن العدد الفعلي هو أكبر، لأننا نتوقف في أحد المخيمات، لكن يوجد حوله مخيمات أخرى، يأتينا منها المرضى".
ويلفت إلى أنه تم اختيار المخيمات الأبعد عن المناطق السكنية، بالإضافة إلى المهمشة من قبل الجمعيات والموجودة ضمن أحياء سكنية مكتظة، أو ضمن مجمع مخيمات، بهدف الوصول لأكبر عدد الناس.
وتنطلق العيادات من التاسعة صباحًا حتى الخامسة مساء، معتمدة على عدد المرضى وعدد الاتصالات الواردة، ثم تتمركز في أحد المخيمات ويأتي إليها المرضى من المخيمات المجاورة أيضا، وهكذا تنتقل من مخيم إلى آخر، ومن حي إلى آخر.
ويشير الغضبان إلى وجود عيادات ثابتة يتطوع فيها بعض الأطباء يومين في الأسبوع، وتتواجد في منطقتين مختلفتين لتغطية الحالات التي لا تستطيع العيادات المتنقلة الوصول إليها.
"لا نسأل عن الجنسية"
خلال حديثه لـ"ارفع صوتك"، يقول الطبيب السوري فراس الغضبان، إن عيادات الجمعية تتابع "جميع الحالات المرضية، بالإضافة إلى الأمور الإسعافية من حروق وجروح، وهواتف الخدمة مفتوحة 24 يومياً، كما يتم توجيه الحالات الإسعافية للاختصاص الصحيح والمشفى المناسب أو إرشادها لجمعيات تعنى بها".
وبالنسبة للأمراض المزمنة، تتم متابعتها دون تقديم العلاج، إذ يتم تحويل المرضى لأخصائيين.
ويشير الغضبان إلى أن أكثر المشاكل الصحية التي تواجه اللاجئين والمجتمع المضيف القريب من المخيمات "الأمراض الموسمية بشكل عام في موسمي الصيف والشتاء، بالإضافة إلى الأمراض الجلدية والتهاب الأمعاء الذي يزداد في فصل الصيف، وكذلك الجرب والقمل، فمعظم المخيمات موجودة على ضفاف نهر الليطاني، ما يسبب العديد من المشاكل والأمراض غير الموجودة في المجتمعات الأبعد".
ويؤكد: "نسعى لزيادة نسبة التغطية، فهناك 375 مخيما للاجئين في لبنان، ونحن نغطي 37 منها فقط، بالإضافة للمزيد من الأحياء، خاصة خلال هذه الظروف الاقتصادية الصعبة".
ويتابع الغضبان: "تقدم عيادة EMA الرعاية الصحية الأولية بالإضافة إلى الأدوية للبنانيين والسوريين، خاصة أن المخيمات التي تغطيها خدمات العيادة تقع في المناطق الفقيرة التي يتواجد فيها لبنانيون وسوريون يعانون من أوضاع سيئة. خدماتنا تشمل الطرفين لا نسأل عن الجنسية وأي شخص يأتي إلى العيادة نرحب به".
ويقول إن نسبة اللبنانيين الذين يقصدون العيادات المتنقلة ارتفعت مؤخرا إلى حوالي 40%، بعد أن كانت 20% قبل انتشار فيروس كورونا وقبل الأزمة الاقتصادية وغلاء الأدوية الفاحش، على حد تعبيره.
العلاج الفيزيائي والأسنان
مؤخرا بدأت العيادات المتنقلة بتوسيع خدماتها لتشمل خدمة العلاج الفيزيائي الذي يعتبره الغضبان "مهما جدا" على الرغم من تهميشه.
"هناك الكثير من المرضى يحتاجونه ولا يستطيعون تأمين كلفة الاستشارة والعلاج والنقل، خاصة أصحاب الاحتياجات الخاصة والإعاقات الجسدية فهم بحاجة دائما للعلاج الفيزيائي، وهؤلاء لهم الأولوية لدينا، رغم أننا نستقبل حالات أخرى"، يوضح الغضبان.
ويشير إلى وجود "حاجة كبيرة جدا لعلاج الأسنان، ولكن حتى الآن لم يتم تأمين الدعم لهذا التخصص"، مردفاً "بالتالي، فإن المواعيد انتقائية، إذ نغطي حوالي 40%-50% من الحالات، ويتم استقبال المرضى بحسب قدرة العيادة الاستيعابية، وهناك بعض الرسوم مقابل الخدمات بهدف تغطية تكاليف العيادة دون تحقيق أي أرباح، أما القلع فهو شبه مجاني".
ويبين الغضبان: "نحاول تطوير هذا الشق من عملنا لأن الحاجة لعلاج الأسنان كبيرة جدا، كونه مكلف جدا في لبنان، ونلاحظ أن 50%-60% من مرضى عيادة الأسنان لبنانيون و40% سوريون".
وعلى المستوى الشخصي، يصف الغضبان تجربته بالقول: "الحمدالله استطعت أن آخذ فرصتي وأكون منتجا، وأن أغير شيئا في المجتمع، وأتمنى ذلك للجميع، فهناك الكثير من المبدعين والقادرين على العطاء لكن لم تسنح لهم الفرصة المناسبة بعد".
