صورة أرشيفية لعم الرئيس السوري بشار الأسد، رفعت الأسد- أسوشيتد برس
صورة أرشيفية لعم الرئيس السوري بشار الأسد، رفعت الأسد- أسوشيتد برس

لم يلقَ الحكم القضائي الفرنسي الذي صدر بحق "رفعت الأسد" اهتماما كبيرا لدى السوريين، قياسا بـ"الاسم المستهدف"، بل على العكس أفضى عن مشاعر "خيبة"، وحتى أن كثيرين منهم اعتبروه "بلا قيمة"، كونه صدر بعد قرابة عام من هروبه إلى سوريا، مفلتا من "العقاب"، الذي لم ينال منه طوال عقود إقامته في الخارج، وخاصة في باريس.

"رفعت" هو عم رأس النظام السوري، بشار الأسد، والاسم الذي تعرفه الأجيال السورية القديمة والحديثة في سوريا، على أنه "جزار حماة" وقائد "سرايا الدفاع"، "وناهب أموال المصرف المركزي السوري"، قبل أن ينفيه شقيقه "حافظ" إلى فرنسا، في ثمانينات القرن الماضي، عقب خلافهما على السلطة.

ومنذ نفيه إلى الخارج جمع "الأسد" ثروة وأسس "إمبراطورية عقارية" أثارت الكثير من الشكوك، ما جعله يواجه سلسلة من التحقيقات بـ"الأموال غير المشروعة"، لتتطور فيما إلى عمليات مصادرة أصول، أولا في فرنسا، ومن ثم في إسبانيا والمملكة المتحدة.

وبينما استمرت هذه التحقيقات ووصلت إلى مراحل متقدمة ضده، بعد عام 2021 عاد "رفعت" إلى سوريا التي كانت "محرمة عليه"، وذلك بشكل مفاجئ ومريب، ودون أي مقدمات وتفاصيل.

وفي خبر مقتضب نشرته صحيفة "الوطن" شبه الرسمية، في الثامن من أكتوبر 2021، قالت إن "الرئيس بشار الأسد سمح لعمه رفعت بالعودة إلى سوريا". 

وأضافت الصحيفة أنه "ومنعا لسجنه في فرنسا بعد صدور حكم قضائي ومصادرة ممتلكاته، ترفع الرئيس الأسد عما فعله وقاله رفعت الأسد، وسمح له بالعودة إلى البلاد مثله مثل أي مواطن سوري آخر، ولن يكون له أي دور سياسي أو اجتماعي".

 

ما قيمة الحكم؟ 

ولطالما كان "رفعت الأسد" خارج دائرة الضوء الإعلامية، طوال عقود، رغم أن اسمه كان بخلاف ذلك.

وبعد وصوله إلى سوريا لم تخرج له سوى بعض الصور مع ابنه المقيم هناك، وبعض أحفاده، فيما لم تعرف مكان إقامته وماذا يفعل، خاصة أن ابن أخيه "ترفع عن عودته، بشرط أن لا يكون له أي دور سياسي أو اجتماعي".

وقد يكون قد وصله الحكم القضائي النهائي الذي صدر بحقه، بالسجن لمدة أربع سنوات، بتهمة "غسل الأموال واختلاس الأموال العامة"، لكنه يدرك بأن يد العقاب لن تطاله. فهو بات في "سوريا الأسد" وليس في باريس.

وقالت منظمة "شيربا" الفرنسية، التي تدافع عن حقوق ضحايا الجرائم الاقتصادية، والمسؤولة عن مقاضاة رفعت الأسد، في بيان الأربعاء "إن هذا القرار التاريخي (حكم رفعت)، هو تذكير بأهمية التنفيذ الملموس لآلية إعادة الأصول الناتجة عن الفساد، التي اعتمدتها فرنسا مؤخرا". 

وستصادَر أصول أموال رفعت الأسد الموجودة في فرنسا، وأضاف البيان أنه بعد سنوات طويلة من التحقيق والشكوى التي قدمتها منظمة "شيربا"، عام 2013، حُكم على رفعت الأسد، في 17 من يونيو 2020، بالسجن لمدة أربع سنوات، ومصادرة أصوله الموجودة في فرنسا، والتي تقدّر بـ90 مليون يورو.

وبعد أن أكدت محكمة النقض هذا القرار، ستصادر نهائيا الأصول التي احتفظ بها "رفعت" في فرنسا، والتي تم الاستيلاء عليها في أثناء الإجراء. وبالتالي، يجب إعادة قرابة 90 مليون يورو إلى الشعب السوري، وفق ما نص عليه القانون المعتمد في يوليو 2021، والذي أنشأ آلية رائدة لإعادة الأصول الناتجة عن الفساد في فرنسا.

المحامي السوري ومدير موقع "فرانس بالعربي"، زيد العظم يجادل بأن للحكم النهائي "أهمية"، ويقول لموقع "الحرة": "هروبه إلى سوريا أكبر عقوبة. الآن هو في إقامة جبرية والطريقة التي وصل فيها إلى البلاد مذلة. صحيفة الوطن أشارت إلى أنه سيجرّد من دوره الاجتماعي".

وكان لمسارات الحكم القضائي الأخيرة الدور الأكبر في القرار الذي اتخذه "رفعت" بالعودة مضطرا إلى البلاد، بعد كل هذه السنين. "لو لم يكن رفعت على يقين أن القضاء يعمل بشكل جدّي لحبسه لما هرب". 

ويضيف العظم: "بعد الحكم الذي صدر سيتحدث الجميع في باريس أن عم بشار الأسد مدان. هذه رمزية كبيرة يجب أن نتلقفها. القضاء عرّى هذه المنظومة، ورفعت جزء منها، سواء حافظ الأب أو بشار الابن".

وعلى مدى 40 عاما مضت "لم ترفع أي دعوى قضائية ضد رفعت، بعيدا عن الشكاوى"، حتى عام 2013، عندما وصل للقضاء الفرنسي "دعوى للتحرك". 

ويرى المحامي العظم أن غياب أي جهة سورية عن المشهد كان سببا في تأخر الحكم الصادر بـ"رفعت"، وخاصة "أبناء الجيل القديم"، مشيرا: "قسم من هؤلاء تحالفوا معه. وأسسوا عملا سياسيا مشتركا. أتعجب من الذين تحالفوا معه سابقا وينتقدون الآن الحكم الصادر!".

 من جهته، اعتبر المحامي والقانوني السوري، أنور البني أن "قيمة الحكم مهمة في إرسال رسالة للمجرمين أنه لا إفلات من العقاب. سيكون هناك مذكّرة توقيف معممة دولية بشأن رفعت، مثل جميل الحسن وعلي مملوك". 

ويقول البني لموقع "الحرة": "بغض النظر أن هروبه انتكاسة، لكن ذلك لا يعني أنه لم يحصل أي شيء. هناك ملف يتحرك ضده في سويسرا بارتكاب جرائم حرب".

ويتابع: "قد تُفتح محاكمة علنية حتى لو كان غير موجودا (في سويسرا)، لإدانته وإدانة أخيه المجرم الأكبر، وكل الطغمة الإجرامية"، وفق تعبير البني.

 

"عدالة بغير أوانها"

وكان هروب رفعت من فرنسا إلى سوريا قد أثار جدلا واسعا، بشأن كيفية انتقاله والسماح له بذلك، ودور السلطات الفرنسية أيضا، لاسيما مع وجود تحقيقات مفتوحة ضده.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من جانب السلطات الفرنسية حتى الآن.

لكن المحامي زيد العظم المقيم في باريس تحدث عن "تواطئ من بعض عناصر وزارة الداخلية، وأن القضاء لا يتحمل ذلك". ويقول: "يجب أن نقدّر أن هناك موظفين من اليمين المتطرف، مثل مارين لوبان داخل أجهزة الدولة".

"مارين لوبان تجاهر بدفاعها عن النظام السوري. هي وحزبها لديهم موظفين في الدولة، وبالتالي يمكن لأحد منهم أن يتواطأ ويهرّب رفعت". 

ويضيف العظم: "يجب عدم تحميل المسؤولية على القضاء. الأخير لو لم يكن جديا لما هرب رفعت الأسد قبل حوالي العام. هل يوجد شخص يترك فرنسا ويجلس تحت سلطة بشار وتحت الإقامة الجبرية؟!". 

وبوجهة نظر مغايرة اعتبر المحامي والقانوني السوري، غزوان قرنفل أن "العدالة تفقد قيمتها عندما تأتي بغير أوانها، ومتأخرة على الموعد، الذي يفترض أن تكون فيه". 

ولا يرى قرنفل في حديثه لموقع "الحرة" أن الحكم النهائي بحق "رفعت الأسد" يخص الحالة السورية، و"سلوكه الإجرامي اتجاه المجتمع السوري في الثمانينيات وما بعد..".

ويقول: "المحاكمة ضده في سياق مختلف، وتتعلق بموقف مستجد للسلطات الفرنسية اتجاه الأسد، ما أدى لفتح ملفات معروفة وقديمة، من جهة غسيل الأموال والتهرب من الضرائب". 

"الحكم لا يقدم ولا يأخر شيء في قضية العدالة والإنصاف لضحايا الميليشيات التي أنشأها رفعت الأسد، كسرايا الدفاع وما ارتكبته من جرائم في سجن تدمر وحماة، وغيرهما".

ويضيف المحامي السوري متسائلا: "على أي أساس تفتح فرنسا ملفات مالية تخصها بالذات، بينما بقيت صامتة منذ الثمانينيات حتى الآن عن جرائم مصنفة على أنها ضد الإنسانية، في تدمر وحماة وغيرها من المناطق السورية".

يعتبر قرنفل أن "العدالة الانتقائية ليست عدالة، وأن الحكم المتأخر لا قيمة له. فات الأوان كثيرا على إرادة المحاسبة بشأن ملف جرائم رفعت الأسد". 

ويتابع: "لو كانت فرنسا جادة بمحاسبة رفعت حتى بخصوص التهرب الضريبي لماذا سمحت له بالمغادرة؟ أو غضت الطرف عن انتقاله إلى سوريا؟ ما حصل عبث وضحك على السوريين"، حسب تعبيره.

وكذلك الأمر بالنسبة للأكاديمي والسياسي المعارض، الدكتور يحيى العريضي، إذ وبينما يقول إن "الحكم ضد رفعت متأخر تماما"، يضيف أن "فرنسا قصّرت، ولا أعتقد أنها جاهلة بما فعله وكان يفعله هذا الرجل".

"الأكثر إزعاجا هو أن رفعت كان "يسوح" بارتياح في أوروبا (فرنسا، إسبانيا، المملكة المتحدة) ودول أخرى، ويمنح وسام أو تقدير معين بوقت من الأوقات!". 

يضيف العريضي لموقع "الحرة": "هذا ما يدفع الإنسان السوري لأن يسأل ألف سؤال حول هذه القوة الخارجية التي لها تأثير في السياسات العالمية، وبقوانينها المتعلقة بحقوق الإنسان".

وكان "رفعت" قد حصل على وسام "جوقة الشرف" في فرنسا عام 1986 عن "الخدمات التي أداها"، وهو مهدد بدعوى قضائية في إسبانيا، بسبب الاشتباه "بمكاسب غير مشروعة" تتعلق بنحو 500 عقار.

كما تلاحقه العدالة في سويسرا على جرائم حرب ارتُكبت في الثمانينات.

وعلى اعتبار أن "الحكم القضائي لا قيمة له عمليا"، إلا أن العريضي يرى فيه من جانب آخر أنه "يشير إلى أن من ارتكب جريمة، حتى لو مر الزمن سيبقى حتى الأنظار ويسجل عليه هذا الأمر".

ويضيف: "ليتمتع رفعت بملايينه لكن هناك نقطة سوداء وضعت إلى جانب اسمه، وهو الذي ينتمي إلى منظومة استبدادية بالأساس".

 

ما مصير ملايين اليوروهات؟ 

 وقد كان لافتا في الحكم القضائي النهائي ضد رفعت أن الأموال التي كسبها بطريقة غير مشروعة، والتي تقدر بقرابة 90 مليون دولار ستتم "إعادتها إلى الشعب السوري".

وقالت مديرة منظمة "شيربا" الفرنسية، ساندرا كوسارت، الأربعاء، إن "هذه الملحمة القانونية، التي أدت إلى إدانة تاريخية لأحد أفراد عائلة الأسد، يجب ألا تخفي القضية الأساسية: ضمان إعادة الأصول المسروقة إلى السكان المنهوبين".

وشددت على ضرورة تركيز جهود الحكومة الفرنسية على تنفيذ آلية رد الأصول الناتجة عن الفساد التي تم تبنيها في تموز 2021، لضمان ردها "في أقرب مكان ممكن من السكان"، على النحو المنصوص عليه في القانون.

كما يجب عليها أن تتبع نهجا يضمن تعويضا، يمكن تكييفه مع السياق السياسي والإنساني للبلد، من أجل ضمان عدم عودة الأصول إلى دوائر الفساد، حسب كوسارت.

وكانت فرنسا قد قطعت علاقاتها مع النظام السوري عام 2012، وقررت إغلاق سفارتها في دمشق في العام نفسه، نتيجة رد النظام السوري القمعي على المتظاهرين السلميين، الذين خرجوا ضده.

وحتى الآن لا تعترف باريس بالنظام، وكذلك الأمر بالنسبة لحكومته، الأمر الذي يطرح تساؤلات عن المسار الذي قد يتخذه القضاء، بشأن ملايين اليوروهات المصادرة من رفعت.

ويوضح المحامي، أنور البني أن "قسم من المبلغ (9 مليون) سيعود للخزينة الفرنسية، بسبب التهريب الضريبي. المبلغ المتبقي نحن تحدثنا أنه سيبقي إلى حين تشكيل حكومة تمثل السوريين، سواء بالحل السياسي أو غيره".

ويقول البني: "يمكن أن نطالب بالأموال عندما يكون هناك حكومة شرعية وتحصل على اعتراف دولي وقتا"، مضيفا: "هناك أيضا 800 مليون في إسبانيا، ويخت تقدر قيمة الآثار عليه بملايين الدولارات، ضلا عن حسابات بشار وأفراد مجموعته".

بدوره اعتبر المحامي، زيد العظم أن قرار الحكم القضائي ضد رفعت، له شقين: الأول أن يتم وضع اسمه في الإنتربول، ومطالبة السلطات السورية بتسليمه، لكن احتمالية هذا الأمر "أقل من 1 بالمئة".

أما الشق الآخر فيتعلق بـ"الأموال التي صودرت. هي أموال محصية ومصادرة بشكل مسبق. رفعت الأسد لديه عقارات وأرصدة بنكية. الآن سيتم نقلها إلى خزينة الدولة، وقد تنقل إلى السوريين المتضررين"، لكن العظم يشير إلى "عبء في إثبات الأطراف المتضررة".

وهذه هي القضية الثانية التي تتعلق "بالمكاسب غير المشروعة" التي يتولاها القضاء الفرنسي بعد قضية تيودورين أوبيانغ، الإبن الأكبر لرئيس غينيا الاستوائية، الذي حكم عليه في يوليو 2021 بالسجن ثلاث سنوات، مع وقف التنفيذ وبغرامة بقيمة 30 مليون يورو.

وهناك تحقيقات أخرى جارية تستهدف خصوصا عائلة الرئيس اليمني السابق، علي عبد الله صالح، أو عائلة رئيس الغابون السابق، عمر بونغو اونديمبا، الذي وجه القضاء التهم إلى تسعة من أولاده في الربيع وفي شهر يوليو الماضي.

مواضيع ذات صلة:

حدد رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري 17 نوفمبر الجاري موعدًا للجلسة السادسة لانتخاب رئيس الجمهورية
صورة من الأرشيف لإحدى جلسات البرلمان اللبناني الذي أقر توصية بخصوص برنامج زمني لإعادة اللاجئين السوريين

حالة من القلق والذعر تسود اللاجئين السوريين في لبنان مخافة الترحيل مع تصاعد الخطاب المناهض لتواجدهم في البلاد، والإجراءات الرسمية المشددة ضدهم، وآخرها صدور التوصية النيابية المتعلقة بملف النازحين (اللاجئين السوريين) التي أجمعت، الأربعاء، على إعادتهم إلى بلادهم.

وشكلت الحوادث الميدانية الأخيرة ارتفاعاً في الخطاب المناهض للاجئين وفي الأصوات المنادية بترحيلهم من لبنان، بُعيد مقتل المسؤول في القوات اللبنانية باسكال سليمان، وما تلاه من ارتكاب بعض العمال السوريين جرائم قتل في عاليه والأشرفية.

يعتبر بعض اللبنانيين أن الوجود السوري أصبح عبئا كبيرا على الاقتصاد والأمن ويجب ترحيل السوريين، فيما يدعو آخرون إلى تنظيم وجودهم عبر وضع خطة حكومية لإعادة المخالفين منهم للأنظمة إلى سوريا، خاصة من يثبت أنه يتنقل بين البلدين دون أي مشكلات أمنية.

ويشدد قسم آخر على أهمية احترام حقوق الإنسان وعدم تعريض اللاجئين للخطر، وتنظيم عملية عودة آمنة وطوعية تراعي حقوقهم وكرامتهم بحسب القانون اللبناني والدولي.

 

فحوى التوصية النيابية

الأربعاء الماضي، أقرّ مجلس النواب اللبناني توصية لوضع برنامج زمني وتفصيلي لإعادة اللاجئين باستثناء الحالات الخاصة المحمية بالقوانين اللبنانية والالتزام بتطبيق القوانين النافذة التي تنظم عملية الدخول إلى لبنان والإقامة فيه، والخروج منه بقانون العمل اللبناني، والقوانين الضريبية والرسوم البلدية وغيرها.

وأكد البرلمان على "القيام بالإجراءات القانونية لتسليم السجناء من النازحين إلى السلطات السورية وفق القوانين والأصول المرعية"، داعياً "أجهزة الأمم المتحدة كافة والجهات المانحة اعتماد دفع الحوافز والمساعدات المالية والإنسانية للتشجيع على إعادة النازحين إلى بلدهم، ومن خلال الدولة اللبنانية أو بموافقتها، وعدم السماح باستغلال هذا الأمر للإيحاء بالموافقة على بقائهم في لبنان، وتشجيع هذه الجهات على تأمين مثل هذه التقديمات داخل سوريا".

كما طلب من مفوضية اللاجئين التنسيق مع مكتبها في سوريا لتسهيل عملية إعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم.

والثلاثاء أعلن الأمن العام اللبناني تنظيم إعادة طوعية لنحو 330 لاجئاً إلى سوريا عن طريق معبرين حدوديين في منطقة عرسال شرقي لبنان وبلدة القاع، فيما بدأت القوى الأمنية بإقفال نحو 500 مؤسسة غير مرخصة في مختلف المناطق اللبنانية.

في السياق نفسه، دعا الأمين العام لحزب الله اللبناني حسن نصر الله في كلمة متلفزة إلى "فتح البحر أمام اللاجئين السوريين للضغط على الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة للمساعدة في إعادة اللاجئين إلى سوريا وتقديم المساعدات لهم هناك" وفق تعبيره.

"نحن نختنق".. السوريون في لبنان محاصرون من كل الاتجاهات
"نعيش حالة من الخوف والقلق والتوتر، أولادي لا يجرؤون على النوم في المخيم، حالهم كحال باقي الشبان، يحملون بطانياتهم ليلا ويتوجهون إلى السهل غير مبالين بالأشواك التي تنخر أجسادهم والأفاعي والحيوانات التي يمكن أن تهاجمهم، فكل شيء أسهل لديهم من توقيف الجيش اللبناني لهم وتسليمهم للنظام السوري".. كلمات قالتها بحرقة اللاجئة السورية "أم أحمد".

الغالبية من دون إقامات

تفوق أعداد اللاجئين السوريين في لبنان  المليونين، مشكلين 44% من عدد السكان بحسب مصادر حكومية. وينقسمون إلى فئتين، فئة مسجلة لدى مفوضية شؤون اللاجئين وهم حوالي 800 ألف، والبقية غير مسجلين ضمن لوائح المنظمة الدولية.

يقول السوري أحمد. م (29 عاما) لـ"ارفع صوتك" إن السوريين يتخوفون من عمليات التوقيف "خاصة أن كثيراً منا دخل البلاد بطريقة غير شرعية، والغالبية لا تحمل إقامات عمل وغير مسجلين لدى المفوضية".

ويوضح أن هناك السلطات المحلية في بعض المناطق اللبناينة، أظهرت تشديدات حيال السوريين من ناحية الإقامة والأوراق الثبوتية والبيانات الشخصية وإثبات السكن، مهددة بترحيلهم إن لم يقوموا بتقديم بياناتهم.

"لكن الأمور طبيعية في مكان إقامتي (بشامون في جبل لبنان) ولم يُطلب منا شيء من البلدية حتى الآن" يتابع أحمد مستدركاً "لكن بعد مقررات مجلس النواب اليوم (الأربعاء) قد يختلف الأمر ويبدأ التشديد علينا أكثر".

ويشير إلى أن "زميله في السكن جندي منشق عن جيش النظام السوري، وهو يفضل الموت على العودة إلى سوريا، لأن ذلك يعني الاعتقال والتعذيب وربما قتله".

مريم (23 عاما)، لاجئة سورية من مدينة دوما في ريف دمشق، تقيم حالياً في عرمون، وتعمل لدى مشغل خياطة في ضواحي بيروت، تقول "أخشى على أطفالي من العودة إلى وطن لم يعد مكاناً للعيش أو يوفر الحياة الكريمة؛ فبيتنا مدمر وزوجي لو تمت إعادته سيُؤخذ للتجنيد الإجباري، وسيستغرق تسريحه سنوات طويلة".

 

"فوضى" في ملف اللاجئين

يقول السوري ضياء الذي طلب عدم ذكر اسمه الكامل، إنه "مخالف لقانون الإقامة في لبنان منذ تسع سنوات"، وقد افتتح محلاً لبيع الألبسة منذ عامين بشكل غير رسمي، لكن وبعد الحملة الجارية للتدقيق في أوراق اللاجئين، أغلق باب متجره منذ أيام، خشية أن يتم اعتقاله أو إغلاق المحل تماماً.

يوضح لـ"ارفع صوتك": "هناك تمييز كبير بين السوريين وباقي الجنسيات، فالمصري أو الأثيوبي في حال أراد الحصول على إذن عمل، يدفع 10 ملايين ليرة لبنانية، ويستخرجه خلال ساعة، لكن السوري مضطر لدفع 82 مليون ليرة في العام الواحد".

ويرى ضياء أن التعامل مع مسألة اللاجئين السوريين في لبنان يتسم بالفوضى، مردفاً "كان على الحكومة ضبطها منذ البداية، فمثلاً، هناك عدد كبير ممن يتم ترحيلهم قاموا بدفع 200 دولار وعادوا مجدداً إلى لبنان عن طريق التهريب".

وما يُحزنه هو " الضخ الإعلامي الواسع ضد السوريين باعتبارهم أخذوا أعمال اللبنانيين وأضرّوا بالاقتصاد"، واصفاً ذلك بأنه "ادعاءات ظالمة".

"نحن ندفع كل نقودنا في لبنان ونفيد الاقتصاد اللبناني، وهناك من يدعي أن كل لاجئ سوري يحصل على مئتي دولار، ولكن في الحقيقة من يحصل عليها هم 10% من السوريين، فأنا  لم أحصل إلا على مبلغ لا يتجاوز الخمسين دولارا للتدفئة في فصل الشتاء الماضي"، يُكمل ضياء.

ويعتبر أن معالجة أزمة اللجوء السوري تتم بشكل "خاطئ" مبيناً: "يغلقون (السلطات اللبنانية) المحال بشكل مباشر ويختمونها، دون توجيه إنذار أو إعطائنا مهلة شهر أو شهرين. على الأقل فليقوموا بتسوية وضعنا لنتمكن من السفر إلى دولة أخرى رغم صعوبة ذلك، فالسماسرة يطلبون إثباتاً أننا من الأقليات المسيحية أو الكردية أو الأيزيدية، ولكن هذا مستحيل، فمعظم السوريين هنا من المسلمين السنة".

كما يوجه اللاجئ السوري اللوم إلى "معظم المنظمات الدولية والنشطاء الحقوقيين، بسبب سكوتها عن الانتهاكات التي تجري اليوم" على حدّ تعبيره.

يروي ضياء "عند قدومي إلى لبنان عام 2015 ذهبت إلى مكتب مفوضية اللاجئين للحصول على مساعدة أو تأمين لجوئي لبلد آخر، فأجابني الموظف (لسنا مكتب سفريات. وعليك تغيير رقم  هاتفك، ولا تدع الأمن يعرف عنوانك، وهناك كثيرون مثلك)".

 

العنف لم ينته

في السياق نفسه، قالت الشبكة السورية لحقوق الإنسان في بيان مشترك مع منظمات أخرى، إن مساعدة الاتحاد الأوروبي لتمكين عمليات الإعادة إلى سوريا "قد تؤدي للعودة القسرية للاجئين، ما يجعل لبنان والاتحاد الأوروبي متواطئين في انتهاكات القانون الدولي العرفي بشأن عدم إعادة الأشخاص قسراً إلى دول يتعرضون فيها لخطر الاضطهاد".

وأكدت منظمات أممية أن الظروف في سوريا حالياً "لا تساعد على العودة الآمنة والكريمة".

من جهتها، قالت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء إن "مستويات كبيرة من العنف العشوائي لا تزال مستمرة في معظم مناطق سوريا، وخطر التعرض للاضطهاد لا يزال واسع النطاق".

وأصدرت لجنة التحقيق الدولية ومفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان تقارير أكدت أن سوريا "غير آمنة للعودة وأن العائدين مستهدفون تحديدا عند عودتهم".