تزايد عدد مراكز التجميل في دمشق خلال العامين الماضيين، لما تحققه من أرباح خيالية
تزايد عدد مراكز التجميل في دمشق خلال العامين الماضيين لما تحققه من أرباح خيالية- تعبيرية

"جدول مواعيد ممتلئ وأقرب موعد بعد أربعة أشهر" تقول الثلاثينية منار حمزة من مدينة قدسيا في ريف دمشق، التي تعمل في أحد مراكز التجميل داخل العاصمة السورية.

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "عندما يشتهر أي مركز تجميلي، يتهافت الجميع عليه حتى يصبح من الصعب حجز موعد قريب، والزبائن ليسوا حصراً من الأثرياء، إذ يرغب الجميع بالتجميل بغض النظر عن ظروفه الاقتصادية".

من بين زبائن عيادات التجميل، ريما الفرا (28 عاماً) من حي الميدان الدمشقي، تقول "هذا أقل ما يمكننا تقديمه لأنفسنا لنبقى سعداء بوجه مشرق وشاب".

وتعمل براتب لا يتخطى 300 ألف ليرة سورية، وهو أقل من كلفة حقنة البوتوكس التي تلقتها الشهر الماضي.

تبيّن ريما لـ"ارفع صوتك": "اقتصدت في المصاريف والملابس لأشهر حتى جمعت المبلغ المطلوب، ولا أعتبر العناية بالبشرة والحقن وعمليات التجميل والشد من الكماليات، إنما الضروريات، وهي جواز سفرك في عملك وفي القبول المجتمعي، فحين تبدو علامات الكبر على المرأة وتظهر التجاعيد وتختفي الانحناءات، تفقد الكثير من الفرص".

من بلدة صحنايا في الغوطة الغربية، تقول المعلّمة في مدرسة خاصة، أمل يونس (40 عاما)، إنها حصلت على قرض، ستقوم بتسديده على 8 دفعات لتغطية تكاليف زيارة مركز تجميل، إذ قامت "بحقن الشفتين والخدين وإزالة بعض التجاعيد من الجبين".

"ازدادت ثقتي بنفسي، وتغيرت حياتي للأفضل" تضيف أمل لـ"ارفع صوتك".

وتحدثنا عن صديقتها التي باعت قطعتي ذهب لتحصل على عملية شد الجفنين وتصغير الأنف وشدّ الوجه، بالقول "تبدو جميلة جداً كأنها عادت 20 عاما إلى الوراء، وهذا ما شجعني على الاستدانة لغرض التجميل، ولو كان باستطاعتي سأفعل أكثر من ذلك، ولكن عليّ أن أسدد القرض أولاً وأبدأ مجدداً بجمع المبلغ أو أستدين لأقوم بتعديلات إضافية". 

 

"مركز في كل حي"

تزايد عدد مراكز التجميل في دمشق خلال العامين الماضيين، لما تحققه من أرباح خيالية "حتى أصبح هناك مركز في كل حي" وفق عمار الخضر، وهو مدير شركة مختصة بالحقن والحشوات التجميلية.

ويقول لـ"ارفع صوتك"، إن هناك "سوقاً رائجة لعمليات التجميل، رغم التقارير التي تؤكد أن 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر".

ويؤكد الخضر أن العمل في قطاع التجميل "مربح جداً" محذراً "يجب الانتباه إلى منشأ المواد ومدى صلاحيتها، فهناك مواد في السوق ذات كفاءة متدنية أو سيئة، وتحوي مواد غير مرخصة وممنوعة من الاستعمال في بعض الدول، بينما السوق هنا مفتوح ودون رقابة في كثير من الأحيان".

"كما يجب عدم استخدام أي مواد دون الاستعلام عنها والتأكد من جودتها ومطابقتها للشروط، وعدم الذهاب إلى مراكز يديرها أشخاص غير مختصين، إذ يعمد البعض إلى تأجير شهاداتهم للغير ليتمكن من افتتاح مركز تجميلي دون امتلاك الخبرة والمعرفة والمهارة، فتحصل نتائج كارثية"، يتابع الخضر.

ونظرا لشدة الطلب على التجميل، شهدت سوريا ارتفاعا في التوجه إلى التخصص بدراسة التجميل، مقابل ندرة في التخصصات الأخرى، حيث يعاني تخصصا التخدير والطب الشرعي عزوفا كبيرا من الطلبة، على حساب التوجه للتجميل. 

وكان نائب نقيب الأطباء في دمشق غسان فندي، أشار في تصريح سابق لصحيفة "الوطن" المحلية، أن "الرغبة لدى الأطباء في العامين الأخيرين في الاختصاص بأمور التجميل، طغت على أي اختصاص".

ولفت إلى أن سوريا في السنتين الأخيرتين "خرّجت أطباء مختصين في التجميل، أضعاف عدد الأطباء في تخصصات أخرى".

 

الرجال أيضاً..

في ذات السياق تقول خديجة يوسف، وهي صاحبة مركز تجميلي في حي البرامكة الدمشقي، إن "الرغبة في التجميل أصبحت موضة، لا تقتصر على النساء، فهناك رجال أيضاً يقومون بعمليات الحقن وشد الجسم وزرع شعر الذقن وسواها".

وتضيف لـ"ارفع صوتك": "على الرغم من الوضع المادي السيء، يلجأ الكثير من الشباب للاستدانة أو الطلب من قريب مغترب، إرسال مبلغ من المال بحجج مختلفة، ليقوموا بعمليات التجميل".

وتؤكد يوسف أن زبائنها "من مختلف الطبقات الاجتماعية" أما عن الأسعار  "فتتراوح بين 250 ألف إلى 500 ألف ليرة للبوتكس، بينما تكلف إبرة الفيلر الواحدة في مركزها 450-700 ألف ليرة".

 

مطلب النساء والرجال؟

من جهته، يؤكد جراح التجميل والترميم د.مازن.و (طلب عدم ذكر اسمه الكامل)، أن "العمليات في السابق كانت محصورة بالطبقة الثرية وسيدات المجتمع، لكنها شائعة اليوم ويطلبها الجميع، إذ لا يمنع سوء الأوضاع المادية من اللجوء إلى التجميل".

وعن أنواع العمليات التجميلية المطلوبة، يقول د. مازن "كل ما يخطر على البال"، موضحاً لـ"ارفع صوتك": "تصغير الأنف وتحديد الفك jawline ونحت الجسم وشفط الدهون وتكبير الثدي وشد الوجه، وعيون القطة، إضافة إلى حقن البوتكس والفيلر".

"كذلك ترغب السيدات بعد الولادة بعملية شد البطن، وإزالة الندوب والتشققات الناتجة من الحمل، أما الرجال فيرغبون بإزالة الثدي (التثدّي) وتحديد الفك، وإزالة الذقن المزدوجة والـ 6packs وسواها، أما بالنسبة لأطباء الأسنان فالفينير وابتسامة هوليود تُطلب بشدة"، يتابع جرّاح التجميل.

التثدّي عند الرجال: ترهل مظهر الثدي عند الرجال وزيادة حميدة (غير خبيثة) في حجمه نتيجة اختلال النسب ما بين هرمونات الذكورة والأنوثة (تجميلي)

 

ويلفت إلى أنه "يرفض بعض طلبات الزبائن كحقن الثدي بشكل مبالغ فيه مثلا، ويحذر المريضة من آلام الكتف والرقبة بعد العملية"، مستدركاً "البعض يقتنع والبعض يصرّ فأرفع مسؤوليتي، كذلك الأمر بالنسبة لنفخ الشفاه بشكل مبالغ فيه، أرفض وأقنع المريضة بما يلائم شكل الوجه".

يضيف د. مازن "نحن نصنع المعجزات، ولكن يجب ألا نبالغ في عمليات التجميل وتغيير ملامح الوجه بالكامل، فبضعة خطوات تحافظ على الشباب والجمال دون المبالغة". 

وعن المردود المالي يقول: "جيد جدا، لهذا يرغب الكثير من الأطباء بالتخصص بالتجميل، فمردوده مرتفع مقابل تخصصات أخرى، فمثلا متوسط راتب الطبيب في المشافي الحكومية 50 دولارا بينما يتقاضى طبيب التجميل عن إحدى العمليات بين (1200- 1500) دولار، وعن حقنة بوتكس أو فيلر واحدة ما يفوق راتب الطبيب الشهري".

ويؤكد د. مازن، أن مراكز التجميل "ازدادت في الآونة الأخيرة بشكل غير مسبوق، ويديرها في أحيان كثيرة أشخاص لا يمتون للمهنة بصلة، بعضهم ينتحل صفة طبيب، وآخرون ينتحلون صفة مختصين بالتجميل، ويستعملون مواد غير مرخصة، ما يتسبب بتشوهات عدة وارتخاء في عضلات الوجه، أو الحصول على شفاه مخيفة ووجه من دون تعابير".

ويحذر بأن المادة المحقونة في الوجه وحول العينين قد "تسبب التهابات كبيرة تحتاج علاجا طويلا، وتترك تشوها مؤقتا أو دائما".

ويشدد د. مازن على "ضرورة اللجوء إلى طبيب مختص، فالحقن يجريها طبيب الجلدية والتجميل، والعمليات الجراحية يجريها طبيب التجميل والترميم" داعياً وزارة الصحة (في مناطق النظام) إلى التدخل لتنظيم هذا القطاع.

وفي وقت سابق من هذا العام، أعلنت وزارة الداخلية التابعة لحكومة النظام، عن توقيف فتاة تدّعي أنها طبيبة وتدير مركز تجميل في حي المزة بدمشق، لديها شهادة مزورة وتعرّف عن نفسها أنها طبيبة، وفق ما نشرت صحيفة "الوطن" المحية".

وقال، نائب نقيب الأطباء غسان فندي إن هناك العديد من مراكز التجميل ليست حاصلة على أي ترخيص، سواء من وزارة الصحة أو من مديرية المهن والرخص في مراكز المحافظات.

وأوضح أنه في حال كان مركز التجميل المراد ترخيصه يديره طبيب، فإنه يحصل أولاً على موافقة وزارة الصحة، بالإضافة إلى مديرية المهن والرخص لمتابعة الشروط الصحية ومساحة المركز ومكان العمل.

أما إذا كان غير طبيب فإنه يحصل على الترخيص مباشرة من مديرية المهن والرخص، وبالتالي فإن المشكلة في مثل هذا النوع من الترخيص، بحسب فندي.

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية
صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية

بعد أكثر من تسع سنوات على خروج محافظة إدلب من سيطرة النظام السوري، لا تزال المنطقة الواقعة شمال غرب البلاد، تكافح للحصول على نوع من الاستقرار، في ظل هدوء جبهات المعارك الرئيسة منذ شتاء عام 2020.

ولا تحوي إدلب -كما في مناطق الشرق السوري- ثروات طبيعية تؤهّلها لحالة اكتفاء اقتصادي ذاتي، لذا تُعد تركيا المنفذ الاقتصادي الوحيد، مع اعتماد السكان بشكل واسع على المساعدات الإغاثية القادمة من وراء الحدود.

وتطبّق "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر كلياً على محافظة إدلب، ما يسمّيها السكان "سياسة احتكار اقتصادية"، بحيث تسيطر على واردات المعابر الداخلية، وتتحكّم بمعبر "باب الهوى" الحدودي مع تركيا.

وبرزت خلال العامين الماضيين مظاهر ترف وبذخ في محافظة يعيش نحو مليون شخص فيها داخل مخيمات النزوح، في ظل فقر مُدقع وأوضاع إنسانية صعبة.

فجوة طبقية

يلاحظ المتجوّل اليوم في مدينة إدلب وريفها انتشار "المولات" التجارية الفخمة، ومتاجر تظهر مقاطع الفيديو أنها تضاهي مثيلاتِها في تركيا المجاورة، حتى أن مجموعة من التجار افتتحوا في مطلع 2024 سوقاً خاصاً ببيع الذهب والمجوهرات.

على الضفة المقابلة في إدلب نفسها تظهر تناقضات الحرب بشكل صارخ، حيث تنتشر المخيمات على طول امتداد الحدود السورية مع تركيا، ورغم محاولات إنشاء مجمعات سكنية خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، إلا أن مئات الآلاف لا يزالون يعيشون في خيام لا تقيهم حرّ الصيف أو برد الشتاء، ويتعمدون في معيشتهم كلياً على جهود المنظمات المحلية والدولية.

لا يتعلّق الأمر بسوء الحال لدى سكان المخيمات فقط، كما يقول الناشط الإعلامي غياث السيد، إذ "يعاني غالبية السكان في مدينة إدلب وريفها من ارتفاع باهظ في تكاليف المعيشة، بينما لا تصل الأجرة الشهرية للعامل في أحسن الأحوال إلى 100 دولار شهرياً".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن "المولات الفاخرة والمتاجر والمتنزّهات الخاصة، لا تعكس بطبيعة الحال الأوضاع الحقيقية في إدلب، التي يعيش أكثر من 90% من سكانها تحت خط الفقر".

ويعتقد السيد أن مظاهر التفاوت الطبقي "طبيعية وواقعية في ظروف الحرب المتواصلة منذ 13 سنة، غير أنها تَظهر في إدلب بشكل صارخ"، على حدّ تعبيره.

يتابع: "التفاوت المعيشي موجود في مناطق النظام السوري أيضاً، غير أن إدلب باتت تحوي رجال أعمال يتحدثون بملايين الدولارات، وينشئون مشاريع كبيرة جداً، بينما غالبيّة الناس يفكّرون فقط بتأمين الوجبة التالية من الطعام".

ظاهرة "طارئة"

يقول أكرم سرميني  (46 عاماً) من سكان مدينة إدلب، إن ظاهرة التفاوت المعيشي الواسع في إدلب "طارئة"، خصوصاً أن معظم السكّان يعيشون "بمستوى اقتصادي متقارب، حتى منذ ما قبل الحرب".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن بعض المؤثّرين في وسائل التواصل "يحاولون تصوير إدلب للعالم الخارجي على أنها باتت مُكتفية اقتصادياً، مع إظهار مشاهد الترف والبذخ في بعض المقاهي والمطاعم والمتاجر الفاخرة، لكن الواقع مختلف".

ويوضح سرميني، الذي يعمل مدرّساً، أن هذه المنشآت "تجتذب زبائن لا تنطبق عليهم أوضاع أهالي مدينة إدلب"، مردفاً "بعض هؤلاء الميسورين يعملون في المنظمات ذات الرواتب المرتفعة، أو يرتبطون بسلطات الأمر الواقع صاحبة الكتلة المالية الأكبر، وقليل منهم يعتمدون على الحوالات الخارجية، عدا عن أن جزءاً منهم  أثرياء أصلاً".

من جهته، يقول الصحافي أحمد المحمّد، إن هناك "سوراً كبيراً ومرتفعاً في إدلب بين طبقة مسحوقة بالكاد تؤمّن قوت يومها، وطبقة أخرى تعيش كأنها في بلد مستقرّ وغنيّ".

ولا يتعدى الأمر سوى كونه "أحد انعكاسات الحرب الاقتصادية" في سوريا، وفق وصف المحمد.

يبيّن لـ"ارفع صوتك": "نظرة سريعة في العاصمة دمشق على سبيل المثال، تُظهر تفاوتاً طبقياً كبيراً بين فئة تصل وارداتها الشهرية عشرات الملايين من الليرات السورية، بينما غالبية العوائل تجاوزت خطوط الفقر، وباتت تعيش تحت خط الحياة".

ويعتبر أن الوضع في إدلب "لا يزال رغم كل شيء أفضل من الأحوال الاقتصادية في مناطق النظام السوري، بحكم أنها (إدلب) لا تزال مفتوحة على المساعدات" متهماً النظام السوري بـ"سرقة المساعدات التي تصل إليه".

المشاريع "فرص عمل"

في السياق نفسه، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن إدلب "لا تزال بعيدة عن الاستقرار الأمني بمعناه العام، إلا أنّ الاستثمارات الضخمة فيها لم تتعرض لمشاكل أمنية أو تأثرت بالقوانين المحلية المعمول بها".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "هذه الاستثمارات لا تعكس فقط مظاهر الترف، إنما تنعكس بالإفادة على المجتمع المحلي، وتؤمّن فرص عمل مهما كانت محدودة، فهي مهمة بسبب وجود نسبة بطالة مرتفعة، الأمر الذي يساعد على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية للمنطقة".

ويرى المغربل أن سبب التفاوت المعيشي والطبقي في إدلب، يعود إلى كون هذه الظاهرة "تنشط أكثر وتتضح في الظروف الخاصة مثل ظرف الحرب".

"ومع وجود الفقر المدقع الذي يعاني منه أغلب السكان بالتزامن مع انخفاض الدعم المقدم للمنطقة تتوضح هذه الظاهرة بشكل أكبر، ويُسلّط عليها الضوء من قبل الفئة الأكثر عدداً والأصعب وضعاً"، يكمل المغربل.