يشكل اللاجئون السوريون ما يقرب من ربع سكان البلاد البالغ عددهم ستة ملايين نسمة، وهي أعلى نسبة في العالم.
يشكل اللاجئون السوريون ما يقرب من ربع سكان البلاد البالغ عددهم ستة ملايين نسمة، وهي أعلى نسبة في العالم.

لطالما تركت موجات النزوح التي حصلت على مر التاريخ تغييرات وعواقب أحيانا غير مقصودة تترجم في أغلب الأحيان بجودة الاندماج أو عدمه في المجتمع المضيف.

ويمثل لبنان أكثر النماذج وضوحا لهذا الوضع وهو الملاصق لسوريا التي تهزها منذ أكثر من عشر سنوات حرب دفعت بالملايين للهرب من الموت. فهل يبرهن الوجود السوري عن نوع من الاندماج أم أن هناك حسابات أخرى تدخل في هذا السياق وتعيقه؟ وهل استفاد اللاجئ من نوع من الانتقال أو السلس بين المجتمع السوري والمجتمع اللبناني بشكل يسمح له بالتماهي مع البيئة الجديدة وهي الأقرب لبيئته، لغة وثقافة وملبسا ومشربا، بشكل كبير مقارنة بالمجتمعات الغربية؟

لطالما عرف لبنان بأنه محطة اقتصادية وسياحية للسوريين نظرا للقرب الجغرافي. وكانت سوق العمل اللبنانية تتيح دائما الفرص للعمال من الجنسية السورية، وتحديدا أولئك الذين يعملون في مجال البنى التحتية. ولكن الحال تغيرت في السنوات العشر الماضية، حيث دخل السوريون إلى لبنان بأعداد كبيرة هربا من جحيم الحرب. كيف تفاعل المجتمعان اللبناني والسوري مع هذا الواقع الجديد وهل يمكن الكلام عن نوع من الدمج أو الاندماج للاجئ السوري في التركيبة اللبنانية في غياب خطط إعادة اللاجئين إلى بلادهم في سياق لم يتم فيه أي انتقال أو "ترانزيت" مدروس من المجتمع السوري وتحديدا الريفي إلى المجتمع اللبناني؟

في أغسطس 2020، شهدت بيروت انفجارا ضخما في مرفئها أودى بحياة أكثر من 200 شخص.
بيروت.. تحولات المدينة الجريحة
على الساحل الشرقي للبحر الأبيض المتوسط، أبصرت بيروت النور قبل أكثر من أربعة آلاف عام، في منطقة ترافق ذكرها مع القداسة في الكتب الدينية، وبقي التاريخ شاهدا على هذا الحضور الأزلي من خلال الآثار والكتابات الهيروغليفية على ألواح الآجر. حضور متذبذب بين السلام والحرب وبين الغضب والسكينة، وبين التوازن والفوضى.

يطرح هذا السؤال بالتزامن مع تقديم أحد النواب اللبنانيين، هو فادي كرم، مشروع قانون، في نهاية يوليو 2022، يمنع "منعاً باتاً أي شكل من أشكال الدمج أو الاندماج الظاهر أو المقنّع للنازحين السوريين الموجودين في لبنان، جرّاء الثورة السورية، من أيّ نوع من الأنواع".

"ارفع صوتك" توجه لوزير الشؤون الاجتماعية، هكتور الحجار الذي شدد على التمييز بين وضعية النازح واللاجئ في لبنان الذي يضم زهاء 800 ألف لاجئ فلسطيني يحملون هذا التوصيف نظرا لاستعصاء عودتهم لأراضيهم. يشرح الحجار: "السوري نازح فتح له لبنان ذراعيه منذ بداية الأزمة ولا يزال، ويشهد لبنان الكثافة الأكبر لناحية إيوائه ما بين 650 و750 شخصا في الكلم الواحد بينما غيره من الدول استقبلت 60 شخصا في المساحة نفسها. ولا شك بأن هذه الكثافة تخلق مشاكل كبيرة على مستوى الموارد التي لا تكفي بالفعل لشعب واحد. فما بالك بتقسيمها على الشعب اللبناني وعلى 35% من شعب اضطر للنزوح من أراضيه؟ وهذا يؤكد أن لبنان ليس مستعدا ديموغرافيا وهو في الأصل ليس بحاجة لبقاء النازحين كما هو الحال بالنسبة لدول أخرى ككندا التي تحتاج وتوفر الكثير من الإمكانات والمساحات للطاقات والقدرات الشبابية".

وبدوره، أوضح طلال عتريسي، أستاذ علم الاجتماع ومدير معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية، أن "واقع النازحين السوريين تغير منذ بداية الأزمة في سوريا وإلى اليوم، حيث اختلفت مواقف القوى السياسية المتعددة التي كانت تشجع دخول النازحين للبلاد لأسباب مختلفة بعضها سياسي وبعضها اجتماعي وبعضها إنساني، وبعضها معاد للنظام في سوريا. وأصبح هناك إجماع إلى حد كبير على أن النازحين تحولوا إلى عبء في ظل الانهيار الاقتصادي في البلاد وتراجع الخدمات ونقص مواد التموين والمحروقات والغذاء. وارتفعت الأصوات المطالبة بعودة النازحين".

ويضيف عتريسي: "وبالتالي، اختلف الوضع ما بين الترحيب في البداية وفتح الأبواب الإعلامية والسياسية والإنسانية وإقفال الأبواب اليوم بغياب أي إجراءات عملية لإعادتهم. لذلك يتحدث البعض بلغة عنصرية ويحمل السوري مسؤولية الانهيار متغاضيا عن الفساد والخلافات اللبنانية الداخلية".

 

لبنان ليس بالوطن البديل

 

في الشارع أو في ميدان العمل، قد تلتقي بالعديد من السوريين والسوريات في لبنان. تروي نهال التي تعمل كمساعدة منزلية أنها وجدت في لبنان الأمان وأنها كونت صداقات كثيرة واعتادت على نمط الحياة حتى باتت غير متحمسة للعودة إلى سوريا خصوصا "بغياب الضمانات الأمنية وبعد دمار بيتها". وعلى غرار نهال، يعبر كثر عن تمسكهم بالحياة في لبنان، الأمر الذي يطرح معضلة "الوطن البديل".

بالنسبة  للدكتور عتريسي، ليس من الصعب على النازح الاندماج في مجتمع تجمعه الكثير من القواسم مع مجتمعه الخاص، لناحية الثقافة واللغة. وهذا ينطبق على من اعتادوا زيارة لبنان قبل الأزمة السورية. عدا عن ذلك، "في لبنان اليوم، قسم كبير ممن ولدوا هنا أو ممن وصلوا في سن صغيرة واعتادوا خلال السنوات العشر الماضية والتي وجدوا خلالها أعمالا ووظائف، على نمط الحياة الذي يختلف إلى حد ما عن النمط في سوريا".

أما الوزير هكتور الحجار، فيحذر من أن "لبنان ليس بوطن بديل لا سياسيا ولا اقتصاديا ولا اجتماعيا ولا على مستوى المساحة ولأسباب عديدة. وسيبقى هذا الموقف ثابتا لاسباب عديدة، أهمها أن لا النازحين ولا المجتمع اللبناني مهيئان لعملية دمج.

يقول الوزير: "صحيح أن بعض العائلات السورية أقامت لفترة طويلة منذ ما قبل الثورة في لبنان وسمح لها وضعها الاقتصادي بالبقاء ولكن هذه ليست حال الجميع. وتجدر الإشارة إلى أنه من اللبنانيين من يعتبر أن الحضور السوري يصارعه على الرغيف والأرض والأوكسجين وعلى كل مفاصل الحياة بما فيها اليد العاملة. ولا شك بأن بعض السوريين يبذلون جهدا للاندماج لكن التجربة لا تنجح مع الجميع".

وينذر الحجار من ردة فعل الشارع اللبناني: "لقد بدأ اللبناني يخاف من سعي البعض لتطبيق استراتيجية الوطن البديل، ونحن نرفض كل محاولة تندرج في هذا السياق، ونوجه رسالة للجمعيات والمفوضيات العالمية أن لا تسول لأحد نفسه توطين السوري هنا وأي مسؤول يسعى لذلك غير مرحب به مهما علا شأنه. ولتنتبه الجمعيات التي تسعى لمشاريع الدمج من الحراك الشعبي اللبناني لأن طاقة لبنان على الاستقبال محدودة علما بأن صدره واسع جدا. ولا يتهمنا أحد لبنان بالعنصرية فقد رأينا بأم أعيننا كيف تعاطى الآخرون مع ملف النازحين حول العالم".

 

لبنان لم يعد يتحمل!

 

بغياب أي "ترانزيت" بين المجتمع السوري الذي دخل دوامة الحرب في السنين الماضية، والمجتمع اللبناني الذي يحاول النجاة في إطار اجتماعي واقتصادي وسياسي متشنج، يؤكد الوزير الحجار أن "النازحين يعيشون في لبنان أسوأ أزمة عرفتها البشرية وهم بحاجة للعودة الى بلادهم بشكل آمن وتحت حماية المجتمع الدولي. وهذه الأزمة تترجم على مستويات عدة، منها المستوى التعليمي والنفسي. إن وضع السوريين خصوصا في المخيمات ينذر بأجيال وأجيال تعاني من مشاكل تتفاقم وتتطلب تأهيلا سريعا من أجل العودة إلى الوطن، وإلا ستستمر القضايا غير المفهومة بالتطور ومن المشاكل تلك المرتبطة بالعلاقة بين الرجل والمرأة والتي انتهت بكثير من الطلاقات في الغرب مع إسقاط السلطة الذكورية، وحرمة العيش والخصوصية التي لا يصعب الحفاظ عليها داخل الخيم التي تتقاسمها العائلات أو التي يشهد فيها الطفل على إقامة والده مع أكثر من زوجة وعلى العنف الأسري والزواج المبكر الذي يخرق شرعات حقوق الإنسان".

بالنسبة للوزير، تضاعف خطورة هذا الوضع من تمسك الجانب اللبناني "بالعودة ورفض البقاء السوري بشكل دائم، مع التشديد على تنظيم وضع المقيمين هنا بعيدا عن المخيمات التي لا تشكل بيئة سليمة وتطرح علامات استفهام حول المواكبة النفسية للنازحين".

ونفى الحجار توفر معلومات دقيقة حول بعض التقارير التي تفيد بأن الإحصاءات حول الولادات في لبنان تظهر مولودا لبنانيا مقابل كل 5 مواليد سوريين، لكنه أكد أن "لبنان وسوريا دولتان شقيقتان وكل بلد يتمنى الحفاظ على طاقاته وقدراته واليوم في ظل الأزمة الشديدة التي تعصف بلبنان، تزداد التشنجات كما يقول المثل اللبناني "القلة بتجيب النقار" (بمعنى أن الشح في الموارد يزيد من المشاكل)".

الجانب الديموغرافي يسترعي الانتباه والقلق بالنسبة للدكتور عتريسي أيضا. من وجهة نظر علم الاجتماع، "هناك مستويات مختلفة من الإنجاب ما بين اللبنانيين والسوريين. والإنجاب من العادات لدى السوريين، حيث يحتاجون لليد العاملة في الأرياف. ولا شك بأن الأمر يصنع فارقا كبيرا على المستوى الديموغرافي في بلد بحجم لبنان وبتوازناته الطائفية الدقيقة. لذلك يعبر البعض عن مخاوف، حيث سيتغير الكثير في السنوات العشر المقبلة وسيصبح المليون والنصف نازح زهاء المليونين، وهذا من شأنه أن يغير واقع لبنان الديموغرافي الطائفي المسلم المسيحي. ولا شك بأن هذه الحسابات موجودة في أذهان الكثير من القوى والقيادات السياسية والدينية في لبنان وهي تؤكد التوجهات العدائية والعنصرية ضد النازحين، مع الإشارة إلى أن هؤلاء سينعمون بحياة كريمة وأفضل في بلادهم مهما ساءت الظروف مقارنة بحياتهم ههنا في الخيم ومواجهتهم الاتهامات والضغوط باستمرار".

 

على أعتاب أوروبا

 

وحذر الوزير من تفاقم أزمة اللاجئين التي تهدد أوروبا بأسرها، مذكرا بأن الوضع في البلاد لن يسمح ببقاء النازحين  لوقت طويل: "المئة دولار لا تشتري الصمت والمئات يستمرون بالذهاب بشكل غير شرعي ويوميا بحثا عن الأمل في الغرب. وقد يجد هذا الأخير نفسه مجبرا على مواجهة زهاء 12 مليونا يتدفقون من تركيا مرورا بسوريا وعبر لبنان. لذلك على العالم أن يعدل في ميزانه وأن يسرع من الخطوات التي تساهم بالعدالة والتي تكرم النازح والمضيف على حد سواء."

ويتقاطع كلام الوزير الحجار مع قراءة عتريسي الذي يشدد على ضرورة تسهيل التعايش، مع التذكير بالوجود "المؤقت" للنازح في لبنان. يقول: "خلال 10 سنوات، أمضى السوري حياة طبيعية تقريبا بفضل المساعدات التي تقدمها الأمم المتحدة. ومع ذلك، ليس الهدف هو وضع خطط لبقاء طويل الامد. وبالتالي، يجب السعي للعودة الآمنة والكريمة للسوريين بالتعاون مع النظام أو الأمم المتحدة حتى يتجاوز لبنان هذه الأزمة".

 

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.