تشهد شواطىء مدينة طرطوس السورية منذ الخميس الماضي على "تحول البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة كبيرة" كما وصفها الصحافي والكاتب الألماني وولفغانغ باور في كتابه عن الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر.. عمليات البحث عن ضحايا مركب الموت الجديد تستمر مع إحصاء أكثر من 70 قتيلا ما بين لبناني وسوري وفلسطيني وعشرات المفقودين والحالات الحرجة، فيما شيعت القرى المفجوعة بعض جثامين أبنائها وبناتها الذين دفنوا أحلامهم في البحر قبل أن يلتفّ عليهم تراب النهاية.
فاجعة اليوم قصة مركب يحمل على متنه قصصا متعددة، تشبه في الكثير من تفاصيلها حياة كل لبناني وكل سوري حملتهم المأساة على استبدال المر بالعلقم، بحثا عن أمل أكبر ولو قليلا، خلف الأزرق الكبير. إحدى هذه القصص المأساوية تترك ندبا في قلوب أهالي طرابلس وضيعة القرقف العكارية تحديدا، حيث انطلق زوجان مع أبنائهم الأربعة في الظلام بعيدا عن العيون ودون إخطار أي كان في مركب يفترض أن يحملهم إلى أوروبا.
وسام محمود التلاوي يرقد حتى لحظة كتابة هذا المقال في إحدى المستشفيات السورية، حسب ما روت قريبته لـ "ارفع صوتك"، بينما دفنت عائلته اثنين من أبنائه بانتظار إحضار جثامين إثنين آخرين من مستشفى الباسل بسوريا للدفن أيضا. ولطالما تكلم وسام على غرار شباب الضيع الشمالية، وفقا لرواية قريبته، عن الرحيل الذي لم يذكر مرة دونما اقتراح فكرة المراكب التي تمخر عباب البحر سرا نحو العالم الحديث.
وازداد الكلام عن الرحلة البحرية في الآونة الأخيرة وتحديدا في الشهرين الماضيين مع استفحال الأزمة الإقتصادية واقتراب موسم المدارس. فما كان من وسام الذي رافق تجربة سفر أقاربه الناجحة إلى ألمانيا، إلا أن تشجع على بيع منزله وسيارته دون دراية أحد خوفا من تكرار تجربة فاشلة لأحد القوارب الذي عاد أدراجه بعدما انتشر خبر انطلاقه وذاع مما تسبب بإلقاء القبض على المهاجرين.
أخبر أقاربه أنه سيذهب إلى الضيعة لبضعة أيام ثم اختفى حتى سمعت أخته بالخبر من أحد السوريين الذين تواصلوا معها بعدما شاركه رقمها عند بلوغه الشاطئ منهكا".
تتنهد قريبة وسام وهي تستذكر المرات العديدة التي تردد فيها قبل أن يتخذ قرار الرحيل، وتستغرب من مصير أحد معارفها الذي عزف عن الاستمرار في خوض المغامرة حسب ما علمت خلال العزاء، "بعد أن لمس الخطر بسبب الرياح العاصفة والأمواج العاتية". ولكن شاء القدر لوسام وأسرته أن يركبوا البحر وأن تختفي الأم (التي لم يعثر عليها حتى لحظة كتابة هذه الكلمات) بينما فقد الأولاد حياتهم".
وتقول سعاد (27 عاماً)، وهي تحضن رضيعها لوكالة الصحافة الفرنسية بينما تغالبها دموعها "أنتظر جثة زوجي
وتأسف لأن بعض الناس يحكمون عليه دون أن يسألوا عن مقدار معاناته التي دفعته بالثقة بغدر البحر أكثر من الأمان على اليابسة. تستطرد: "كان يعمل في شركة تنظيفات في طرابلس وخنقته الظروف المعيشية والقلق من المعاناة التي تكبر كل يوم ومن الحرمان من الماء والكهرباء والفيول للشتاء وعدم توفر أقساط المدارس للأولاد وفرض الدفع بالعملة الصعبة لبدل التنقل، فاجتمع مع عدد من الشباب الطرابلسيين يشجعون بعضهم البعض على الحلم والإيمان بأن السفر مفتاح تحسين الظروف، على الرغم من أن السفر يلفه الغموض".
قلما يعلم أي كان تفاصيل الرحلة وانطلاق المركب وإجراءات الأمان لأن كل شيء يتم تحت جنح الظلام خوفا من التعرض للتوقيف أو للاعتقال. وفي كل مرة تتكرر المصيبة ويغرق أحد المراكب، يقسم كثر على عدم تكرار التجربة ثم تسوء الأوضاع أكثر فيزداد اليأس وتتكرر المأساة وتتجسد على وجه المياه في سترات النجاة العائمة والأجساد التي تبدأ بالتحلل قبل الدفن.
عن المياه التي خطفت ماي ومايا
إلى سوريا، انطلق جد الأولاد، حسب ما تروي قريبة الضحية، ليحضر جثامين أحفاده بسيارته الخاصة. مصيبته تزداد حدة مع كل ميل يعبره ذهابا وإيابا ليستلم جثمانين في كل مرة، بعد أن صعقه خبر الرحيل والموت المأساوي. تكمل: "فوجئنا بالنعوة قرابة الرابعة فجرا وسرعان ما دفن الولدان لأن حالة الجثامين لا تسمح بالانتظار. إنها فاجعة حقيقية! وقد تمسك وسام بأولاده حتى اللحظة الأخيرة، فتكررت رواية تحرق القلوب في العزاء.. أمسك وسام بابنته الكبرى في المياه واستمر بالسباحة برفقتها حتى وصلا إلى الشاطىء حيث لفظت أنفاسها الأخيرة بين يديه.. ابنتاه ماي ومايا خطفتهما المياه.. يا للمفارقة في الأسماء! أما هو فارتمى بما تبقى في جسده من قوة على الرمال حيث أسعفه مسافرون سوريون. لا يراهنن أحد على أن أي أب يستطيع المغامرة بحياة أبنائه، لكن قريبي تمسك بأقل قدر ممكن من الأمل لأنه فقد إيمانه بالبلد، وهو من سرقت منه الحرب الأهلية (1975) والده وعرف اليتم منذ الصغر!".
تعددت الأشكال.. والموت واحد
هذه المعاناة وهذا الألم يدخلان في صلب الحياة اليومية للبناني الذي بدأ يختبر الموت بأشكال مختلفة حسب المحلل السياسي يوسف دياب. يقول دياب في مداخلة لـ"إرفع صوتك"، "كيف لنا أن نعلق على مركب الموت ونحن في لبنان على متن مركب كبير يغرق في بحر من ماء أو من جوع أو من سرطان، فيجبر اللبناني على التمسك لو بمقدار 10% من الأمل حتى ولو تمثل هذا الأمل بشبح الأمواج المتقلبة. تلخص حكاية هذا المركب واقعنا الأليم وهو شكل آخر من أشكال الإنتحار الذي كثرت حالاته للأسباب نفسها التي حكمت على كل لبناني وعلى كل مقيم في هذا البلد بالإعدام الجماعي".
ويبقى الخوف من أن سبحة الأحداث لا تبشر إلا بالمزيد من الخسارات: "لا بصيص أمل نرجوه في هذه المرحلة بغياب السلطة القادرة على تأمين خشبة الخلاص والإنقاذ. كما أن الحلول على المدى القريب مستحيلة، وعلى الرغم من تمسكنا بدعوة الناس لعدم الاستسلام لمخطط الفاسدين، يتطلب الوضع تدخلا عربيا ودوليا لانتشال لبنان من أزمته وإلا فنحن ما زلنا في بداية المعمودية والمخاض طويل والمراكب ستستمر بالإنطلاق بالمئات.."
مركب الموت انطلق من منطقة المنية الثلاثاء الماضي وعلى متنه أشخاص من عدة جنسيات، فروا من الجحيم اللبناني بحثا عن حياة أفضل، قبل أن يغرق قبالة شاطئ طرطوس عند الحدود اللبنانية السورية.
