عمليات البحث عن ضحايا مركب الموت الجديد تستمر مع إحصاء أكثر من 70 قتيلا ما بين لبناني وسوري وفلسطيني
عمليات البحث عن ضحايا مركب الموت الجديد تستمر مع إحصاء أكثر من 70 قتيلا ما بين لبناني وسوري وفلسطيني

تشهد شواطىء مدينة طرطوس السورية منذ الخميس الماضي على "تحول البحر الأبيض المتوسط إلى مقبرة كبيرة" كما وصفها الصحافي والكاتب الألماني وولفغانغ باور في كتابه عن الهجرة غير الشرعية عن طريق البحر.. عمليات البحث عن ضحايا مركب الموت الجديد تستمر مع إحصاء أكثر من 70 قتيلا ما بين لبناني وسوري وفلسطيني وعشرات المفقودين والحالات الحرجة، فيما شيعت القرى المفجوعة بعض جثامين أبنائها وبناتها الذين دفنوا أحلامهم في البحر قبل أن يلتفّ عليهم تراب النهاية.

رجال الإنقاذ يبحثون عن الضحايا والناجين
"قارب الموت" قبالة سوريا.. ارتفاع حصيلة الضحايا إلى أكثر من 70 قتيلا
ارتفعت حصيلة ضحايا كارثة غرق مركب يقل مهاجرين غير شرعيين قبالة السواحل السورية إلى 73 قتيلا، وفق ما أعلنت وزارة الصحة السورية، الجمعة، في حصيلة هي الأعلى منذ بدء ظاهرة الهجرة غير الشرعية من لبنان الغارق في الأزمات.

فاجعة اليوم قصة مركب يحمل على متنه قصصا متعددة، تشبه في الكثير من تفاصيلها حياة كل لبناني وكل سوري حملتهم المأساة على استبدال المر بالعلقم، بحثا عن أمل أكبر ولو قليلا، خلف الأزرق الكبير. إحدى هذه القصص المأساوية تترك ندبا في قلوب أهالي طرابلس وضيعة القرقف العكارية تحديدا، حيث انطلق زوجان مع أبنائهم الأربعة في الظلام بعيدا عن العيون ودون إخطار أي كان في مركب يفترض أن يحملهم إلى أوروبا.

وسام محمود التلاوي يرقد حتى لحظة كتابة هذا المقال في إحدى المستشفيات السورية، حسب ما روت قريبته لـ "ارفع صوتك"، بينما دفنت عائلته اثنين من أبنائه بانتظار إحضار جثامين إثنين آخرين من مستشفى الباسل بسوريا للدفن أيضا. ولطالما تكلم وسام على غرار شباب الضيع الشمالية، وفقا لرواية قريبته، عن الرحيل الذي لم يذكر مرة دونما اقتراح فكرة المراكب التي تمخر عباب البحر سرا نحو العالم الحديث.

وازداد الكلام عن الرحلة البحرية في الآونة الأخيرة وتحديدا في الشهرين الماضيين مع استفحال الأزمة الإقتصادية واقتراب موسم المدارس. فما كان من وسام الذي رافق تجربة سفر أقاربه الناجحة إلى ألمانيا، إلا أن تشجع على بيع منزله وسيارته دون دراية أحد خوفا من تكرار تجربة فاشلة لأحد القوارب الذي عاد أدراجه بعدما انتشر خبر انطلاقه وذاع مما تسبب بإلقاء القبض على المهاجرين.

أخبر أقاربه أنه سيذهب إلى الضيعة لبضعة أيام ثم اختفى حتى سمعت أخته بالخبر من أحد السوريين الذين تواصلوا معها بعدما شاركه رقمها عند بلوغه الشاطئ منهكا".

فرق الإنقاذ تبحث عن الضحايا على الشواطئ اللبنانية

تتنهد قريبة وسام وهي تستذكر المرات العديدة التي تردد فيها قبل أن يتخذ قرار الرحيل، وتستغرب من مصير أحد معارفها الذي عزف عن الاستمرار في خوض المغامرة حسب ما علمت خلال العزاء، "بعد أن لمس الخطر بسبب الرياح العاصفة والأمواج العاتية". ولكن شاء القدر لوسام وأسرته أن يركبوا البحر وأن تختفي الأم (التي لم يعثر عليها حتى لحظة كتابة هذه الكلمات) بينما فقد الأولاد حياتهم".

منظر عام للبحر في العصامة اللبنانية بيروت
في لبنان يختارون "قوارب الموت" هرباً من الفقر
لم تتوقّع سعاد محمّد أن زوجها الذي اختار خوض غمار البحر على متن أحد قوارب الموت، هرباً من فقر مدقع في شمال لبنان، ستبتلعه الأمواج قبل بلوغه قبرص ولن تعود حتى جثته إليها.

وتقول سعاد (27 عاماً)، وهي تحضن رضيعها لوكالة الصحافة الفرنسية بينما تغالبها دموعها "أنتظر جثة زوجي

وتأسف لأن بعض الناس يحكمون عليه دون أن يسألوا عن مقدار معاناته التي دفعته بالثقة بغدر البحر أكثر من الأمان على اليابسة. تستطرد: "كان يعمل في شركة تنظيفات في طرابلس وخنقته الظروف المعيشية والقلق من المعاناة التي تكبر كل يوم ومن الحرمان من الماء والكهرباء والفيول للشتاء وعدم توفر أقساط المدارس للأولاد وفرض الدفع بالعملة الصعبة لبدل التنقل، فاجتمع مع عدد من الشباب الطرابلسيين يشجعون بعضهم البعض على الحلم والإيمان بأن السفر مفتاح تحسين الظروف، على الرغم من أن السفر يلفه الغموض".

قلما يعلم أي كان تفاصيل الرحلة وانطلاق المركب وإجراءات الأمان لأن كل شيء يتم تحت جنح الظلام خوفا من التعرض للتوقيف أو للاعتقال. وفي كل مرة تتكرر المصيبة ويغرق أحد المراكب، يقسم كثر على عدم تكرار التجربة ثم تسوء الأوضاع أكثر فيزداد اليأس وتتكرر المأساة وتتجسد على وجه المياه في سترات النجاة العائمة والأجساد التي تبدأ بالتحلل قبل الدفن.

عن المياه التي خطفت ماي ومايا

إلى سوريا، انطلق جد الأولاد، حسب ما تروي قريبة الضحية، ليحضر جثامين أحفاده بسيارته الخاصة. مصيبته تزداد حدة مع كل ميل يعبره ذهابا وإيابا ليستلم جثمانين في كل مرة، بعد أن صعقه خبر الرحيل والموت المأساوي. تكمل: "فوجئنا بالنعوة قرابة الرابعة فجرا وسرعان ما دفن الولدان لأن حالة الجثامين لا تسمح بالانتظار. إنها فاجعة حقيقية! وقد تمسك وسام بأولاده حتى اللحظة الأخيرة، فتكررت رواية تحرق القلوب في العزاء.. أمسك وسام بابنته الكبرى في المياه واستمر بالسباحة برفقتها حتى وصلا إلى الشاطىء حيث لفظت أنفاسها الأخيرة بين يديه.. ابنتاه ماي ومايا خطفتهما المياه.. يا للمفارقة في الأسماء! أما هو فارتمى بما تبقى في جسده من قوة على الرمال حيث أسعفه مسافرون سوريون. لا يراهنن أحد على أن أي أب يستطيع المغامرة بحياة أبنائه، لكن قريبي تمسك بأقل قدر ممكن من الأمل لأنه فقد إيمانه بالبلد، وهو من سرقت منه الحرب الأهلية (1975) والده وعرف اليتم منذ الصغر!".

تعددت الأشكال.. والموت واحد

هذه المعاناة وهذا الألم يدخلان في صلب الحياة اليومية للبناني الذي بدأ يختبر الموت بأشكال مختلفة حسب المحلل السياسي يوسف دياب. يقول دياب في مداخلة لـ"إرفع صوتك"، "كيف لنا أن نعلق على مركب الموت ونحن في لبنان على متن مركب كبير يغرق في بحر من ماء أو من جوع أو من سرطان، فيجبر اللبناني على التمسك لو بمقدار 10% من الأمل حتى ولو تمثل هذا الأمل بشبح الأمواج المتقلبة. تلخص حكاية هذا المركب واقعنا الأليم وهو شكل آخر من أشكال الإنتحار الذي كثرت حالاته للأسباب نفسها التي حكمت على كل لبناني وعلى كل مقيم في هذا البلد بالإعدام الجماعي".

امرأة لبنانية تتفقد صفحة على فيسبوك يتبادل فيها اللبنانيون بضائعهم بالطعام وحفاضات الأطفال
لبنانيون يقايضون مقتنياتهم لتأمين معيشتهم
ويعدّ الانهيار الاقتصادي، الذي يشهده لبنان منذ نحو عام، الأسوأ منذ عقود. ولم تستثن تداعياته أي فئة اجتماعية، وقد خسر عشرات الآلاف مصدر رزقهم أو جزءاً من مداخيلهم وسط موجة غلاء غير مسبوقة وارتفاع في معدلات الفقر. أمام هذا الواقع الجديد، لم يجد كثر خياراً سوى مقايضة أغراضهم

ويبقى الخوف من أن سبحة الأحداث لا تبشر إلا بالمزيد من الخسارات: "لا بصيص أمل نرجوه في هذه المرحلة بغياب السلطة القادرة على تأمين خشبة الخلاص والإنقاذ. كما أن الحلول على المدى القريب مستحيلة، وعلى الرغم من تمسكنا بدعوة الناس لعدم الاستسلام لمخطط الفاسدين، يتطلب الوضع تدخلا عربيا ودوليا لانتشال لبنان من أزمته وإلا فنحن ما زلنا في بداية المعمودية والمخاض طويل والمراكب ستستمر بالإنطلاق بالمئات.."

مركب الموت انطلق من منطقة المنية الثلاثاء الماضي وعلى متنه أشخاص من عدة جنسيات، فروا من الجحيم اللبناني بحثا عن حياة أفضل، قبل أن يغرق قبالة شاطئ طرطوس عند الحدود اللبنانية السورية.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.