يظهر "الكوليرا" عادة في مناطق سكنية تعاني شحا في مياه الشرب
أعلنت وزارة الصحة في حكومة النظام السوري عن ارتفاع أعداد الوفيات بالكوليرا إلى 29 حالة، وارتفاع عدد الإصابات المثبتة إلى 338.

تجتاح السوريين مخاوف كبيرة من تفشي وباء الكوليرا بعد تسجيل مئات الإصابات وعشرات الوفيات مؤخرا في المناطق التابعة للنظام وفي مدن الشمال السوري على حد سواء.

وأعلنت وزارة الصحة في حكومة النظام السوري عن ارتفاع أعداد الوفيات بالكوليرا إلى 29 حالة، وارتفاع عدد الإصابات المثبتة إلى 338.

والأسبوع الماضي، أوضحت الوزارة في بيان لها على صفحتها على فيسبوك، أنها سجلت 180 إصابة بالكوليرا في حلب، و29 في دير الزور، و25 في الحسكة، و13 في اللاذقية، و4 حالات في حمص، و2 في دمشق.

#تحديث_عن_الوضع_الوبائي حول مرض #الكوليرا في سورية 🇸🇾 || الثلاثاء ٢٠ أيلول ٢٠٢٢ 》》بلغ (العدد الإجمالي التراكمي)...

Posted by ‎وزارة الصحة السورية‎ on Tuesday, September 20, 2022

وأضاف البيان أن الوزارة عممت بروتوكولاً علاجياً موحداً، وتم تزويد المشافي بمخزون إضافي من العلاج والمستلزمات تحسباً لأي زيادة في أعداد الحالات.

وأعلن برنامج الإنذار المبكر والاستجابة للأوبئة "EWARN" في سوريا، عن تسجيل 364 إصابة جديدة بمرض الكوليرا في مناطق شمال شرق سوريا. وبحسب إحصائيات البرنامج المنشورة على حسابه في منصة تليغرام، فإن عدد الإصابات المسجلة بالكوليرا في المنطقة بلغ 2126 إصابة لغاية يوم الاثنين 20 أيلول/ سبتمبر.

أما في شمال غرب سوريا، فأعلن برنامج الإنذار المبكر عن تسجيل الإصابة الثانية بالكوليرا في مناطق سيطرة الإدارة الذاتية، وهي لمريضة تبلغ من العمر 23 عاماً تقيم بمنطقة رأس العين في ريف الحسكة، وذلك بعد ساعات من تسجيل إصابة في جرابلس بريف حلب.

وناشد البرنامج الأهالي في الشمال السوري، اتباع تعليمات الوقاية من الإصابة بالكوليرا، ومراجعة أقرب مركز صحي في حال ظهور أعراض المرض.

 

الناقل الأكبر للعدوى

 

تؤكد الممرضة سمر. م، التي تعمل في مشفى المجتهد في دمشق في حديثها مع "ارفع صوتك"، وجود حالات إسهال حاد لطلاب مدارس أدخلوا المشفى، ولم يتم تشخيصهم أو الإعلان عن إصابتهم بالكوليرا، رغم أن جميع الأعراض تشير إلى ذلك، ربما لعدم التسبب بالهلع في المحافظة حسب قولها.

وتؤكد الممرضة أن المياه الملوثة هي الناقل الأكبر للعدوى، وتنصح الجميع بتعقيم الخزانات وغلي مياه الشرب وعدم شراء مكعبات الثلج إلا من أماكن موثوقة.

وتلفت زينة الأحمد، 28 عاما، المقيمة في مدينة اللاذقية، أنها أصيبت وجميع أفراد أسرتها بحالات إسهال وقيء ولكنها كانت متوسطة، وتمت السيطرة عليها دون اللجوء إلى المشفى، مبدية تخوفها من أن الإصابات التي يعاني منها العديد من معارفها هي الكوليرا.

أم وليد الرحموني، 46 عاما، من مدينة حلب تقول إن ولديها الاثنين أصيبا بإسهال حاد أيضا، "لم أكن أعلم شيئا عن الكوليرا. لهذا انتظرنا عدة أيام قبل أن أذهب بهما إلى الطبيب. أبلغني الطبيب المعالج أن السبب يعود إلى جرثومة معوية، ولاحقا تم تشخيصهما بالكوليرا، وكان يجب التوجه بهما للطبيب منذ اليوم الأول كي لا يصبح الأمر خطيرا جدا بسبب الجفاف".

وتؤكد أم وليد أن المدارس أماكن خصبة لانتشار الكوليرا، بسبب المياه الملوثة وعدم الاهتمام بنظافة دورات المياه ومناهل الشرب. وتشير أيضا إلى الخضار والفواكه التي تسقى بمياه الصرف الصحي.

وتضيف: "لم يحدد الطبيب سبب العدوى بالضبط، لكنه أشار إلى أنها بسبب تلوث المياه أو الخضار المروية بمياه ملوثة".

وأكدت أم وليد وجود العديد من حالات الإسهال الخفيفة والمتوسطة بين معارفها، والتي لم تتطلب دخول المشافي.

وبحسب الأمم المتحدة، ووزارة الصحة في حكومة النظام، فإن مصدر تفشي المرض يُعتقد أنه مرتبط بشرب مياه غير آمنة من نهر الفرات، واستخدام المياه الملوثة لري المحاصيل، ما يؤدي إلى تلوث الغذاء.

 

الإصابات ستزداد

 

يتوقع الدكتور محمد سالم مدير، برنامج اللقاح في وحدة تنسيق الدعم، في حديثه "لارفع صوتك"، ارتفاعا كبيرا في إصابات الكوليرا في شمال شرق وشمال غرب سوريا.

يقول: "بالنسبة لشمال شرق سوريا وبعد مضي أسبوعين على بداية الجائحة، لا زالت الأعداد في ازدياد، ولازال المنحى الوبائي في صعود، وبالتالي سترتفع الإصابات وتزداد الخطورة بشكل أكبر. أما بالنسبة لشمال غرب سوريا، تم إثبات أول إصابة منذ يومين، ومن المتوقع أن نشهد إصابات بأعداد كبيرة جدا خلال شهر واحد، فالبنية التحتية مدمرة والبيئة مؤهلة جدا لانتقال الكوليرا وانتشارها وبالتالي سنشهد انفجارات في الإصابات".

وعن بداية الإصابات يقول الدكتور سالم: "لا نستطيع تحديد الإصابة الأولى ومن أين أتت، وليس هناك شيء جازم، هل جاءت من إيران أو العراق، إذ ليس لنا تحاليل جينية لضمة الكوليرا الأولى، وبالطبع حكومة النظام لم تحدد ذلك ولن تصرح عن الموضوع، ولكن في حال أخذت عينات لمخابر أخرى لاحقا، فمن ممكن تحديد المصدر الأول للإصابة".

ويضيف: "حاليا نحن أمام تفش للكوليرا في سوريا بشكل كبير، وعلينا أن نعرف كيف نتعامل معها، وما هي سبل الوقاية، فالبنية التحتية مدمرة، ونهر الفرات ملوث، وهناك ركود في المسطحات المائية، والجريان النهري في أقل معدلاته، وهذه بيئة مؤهلة لتكاثر المزيد من الجراثيم، عدا عن أن معظم الخضراوات تسقى حاليا بمياه الصرف الصحي. وهذه مشكلة كبيرة جدا، وتؤدي لمزيد من الانتشار، فنتيجة شح المياه يعتمد الناس على الري من مياه الصرف الصحي، كما أن خزانات المياه والصهاريج ملوثة، والمياه السطحية معظمها ملوث أيضا، ولا يوجد بديل عنها حاليا، ولا يستعمل الكلور، وبالتالي سنشهد انتشارا أكبر وخطورة على المواطن السوري".

ويبين الطبيب أن أعداد الإصابات في مناطق النظام غير معروفة بشكل دقيق. أما عن الإصابات في شمال شرق وشمال غرب سويا، فهي حتى تاريخ إعداد التقرير فهي 2126 إصابة في شمالي شرق سوريا وحالتان مثبتتان في شمالي غرب سوريا.

وعن سبل الوقاية، يقول الطبيب إن انتقال الكوليرا يكون عن الطريق الفم، أي عن طريق طعام ملوث أو شراب ملوث، أو عادات نظافة غير سليمة، وبالتالي يجب الاهتمام بالمكان المحدد لشرب المياه، وأن يكون معقما ومكلورا ومغليا ومبردا، كذلك يجب أن يكون الطعام معدا ومطهوا بشكل جيد، وألاّ تكون الخضروات مسقية بمياه صرف صحي وغير مغسولة، ويجب أن تكون الفواكه مقشرة، واليدان مغسولتان بشكل جيد.

 

إمدادات لمنع التفشي

 

 بعد ارتفاع الحالات، تلقت سوريا إمدادات لمنع تفشي الكوليرا من منظمة الصحة العالمية.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية عبر صفحتها الرسمية في تويتر أنها نقلت شحنة من علاجات الكوليرا والاختبارات التشخيصية السريعة من مركزها اللوجستي في دبي لدعم الاستجابة لتفشي الكوليرا في سوريا.

وهذه الإمدادات كافية لعلاج 2000 حالة كوليرا حادة وما يقرب من 190 ألف حالة إسهال خفيفة.

وزار المدير الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في شرق المتوسط، أحمد المنظري،  العاصمة السورية ، يوم الاثنين الماضي، للاطلاع على واقع تفشي "الكوليرا"، حيث التقى رئيس النظام بشار الأسد ووزير الصحة، و أكد أن السلطات الصحية السورية تنسق مع المنظمة الدولية لاحتواء تفشي مرض الكوليرا الذي يعتبر تهديدا لسوريا والمنطقة والدول المجاورة والعالم بأسره.

وأكد المنظري أن منظمة الصحة العالمية تعمل على تعزيز المراقبة للتعرف على الحالات، وإعطاء المرضى العلاج المناسب، وتتبع المصابين والمخالطين لهم، بالإضافة إلى إرسال طائرتين تحملان أطنانا من الإمدادات لدعم السلطات الصحية للتعامل مع الأزمة.

وبيّن المنظري أن الإمدادات ستوزع بالتساوي حسب الاحتياجات، بما في ذلك المناطق الواقعة في الشمال الغربي الذي تسيطر عليه الفصائل المسلحة، والشمال الشرقي الذي تسيطر عليه قوات سوريا الديمقراطية.

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".