سوريا

هذا الشتاء.. سوريون يحرقون ثيابهم وأحذيتهم للحصول على الدفء

محمد ناموس
05 أكتوبر 2022

خلال سنوات الحرب المستمرة منذ عقد، ومع كل شتاء قارس يمر على سوريا، يعمد المواطنون من محدودي الدخل والفقراء إلى الاستعانة بوسائل تدفئة مختلفة، وأغلب الأحيان جديدة وليست معتادة، جرّاء نقص الوقود وارتفاع أسعاره.

أبو أمجد اليوسف نازح في مدينة عفرين، يقول لـ"ارفع صوتك"، إن خياره في التدفئة هذا العام أسطوانات الكرتون المضغوط، التي تصنع بعد أن يتم جمعها بكميات كبيرة، ويضاف إليها الماء ثم يتم ضغطها وتقطيعها ووضعها لفترة في الشمس حتى تجف، لاستعمالها في الشتاء بديلا عن الحطب، وهو خيار جيد بالنسبة له ويعتبره أقل كلفة من المازوت والغاز والحطب، التي باتت خارج متناول الكثيرين. 

ومن حي الطبالة الدمشقي، تقول سناء الدحداح (55 عاما): "لا نستطيع شراء الحطب، والكهرباء شبه مقطوعة وهي خارج حساباتنا، وكذلك الغاز مرتفع الثمن، ولا يمكننا تأمينه للطبخ، أما مخصصات المازوت للأسر فقد تم خفضها".

"وفي العام الماضي حصلنا على 50 ليترا فقط من مادة المازوت، بعد أن تم تخفيض المخصصات من 200 ليتر إلى 100 شهريا، لكننا في النهاية لم نحصل سوى على 50 ليترا طوال فصل الشتاء، وهذا العام نتوقع أن يحدث الشيء نفسه، لذا فهذه المخصصات ليست في الحسبان كونها لا تكفي أسبوعا"، توضح سناء لـ"ارفع صوتك".

وتتابع: "جمعنا حطباً وبلاستيك من البساتين القريبة، ولم أرمِ الأحذية القديمة أو الملابس الممزقة للأطفال، بل جمعتها وطلبت من معارفي تزويدي بما تيسر لديهم من ملابس وأحذية غير صالحة، من أجل استعمالها للتدفئة".

وتستدرك سناء "أعلم إنها مضرة بالصحة، لكنها شديدة الاشتعال وتعطي ناراً جيدة وتدفئنا وتقينا البرد، وهذا الأهم". 

تيسير إسماعيل (68 عاما) من منطقة التل في ريف دمشق، يقول إن تحضيراته للشتاء كانت بجمع إطارات السيارات القديمة أو شرائها بثمن زهيد لاستعمالها في التدفئة.

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "لدي أربعة أبناء، اثنان منهم عاجزان بسبب إصابة حربية، وزوجة مريضة، وعليّ أن أهتم بالجميع من مأكل ومشرب وطبابة، لذا لا قدرة لي على شراء مواد تدفئة، وخياري هو كل ما توفر وقابل للاشتعال، بغض النظر عن مساوئه الصحية والبيئية، وأولها إطارات السيارات التي تعطي الدفء ومدة اشتعالها طويلة".

 

خيارات محدودة

يقول عبد الرزاق عبد الرزاق، وهو مدير العلاقات العامة في منظمة أفق في إدلب، إن خيارات التدفئة تعتمد على مدى مقدرة الأسر.

"فالخيار الأول بالنسبة للمقتدرين هو المازوت، يليه مدافئ قشور الفستق التي ارتفعت أسعارها مؤخرا، إذ يبلغ الطن الواحد من قشور الفستق 220 دولارا، ثم الحطب والفحم الحجري للأقل اقتدارا، أما الأسر الفقيرة فتلجأ لحرق البلاستيك والنايلون والكرتون والملابس والأحذية والبيرين وروث الحيوانات"، حسب عبد الرزاق.

وفي حديثه لـ"ارفع صوتك"، يحذر عبد الرزاق من التلوث البيئي الذي يخلفه استعمال الفحم الحجري والبلاستيك والنايلون في عمليات التدفئة، بالتزامن مع انخفاض نسبة المساحات الخضراء، بسبب الاستيلاء على مساحات واسعة من الأحراج وقطع الأشجار في جبل الأحلام في عفرين وسواها من المناطق، من أجل استثمارها في البيع أو إقامة منشآت سكنية، وهذا ما يضر بالمنظومة البيئية بشدة.

وعن خياره الشخصي للتدفئة هذا العام، يقول إنه سيعتمد مدفئة قشور الفستق، المصنوعة محلياً، وتم تطويرها لاستعمال قشور الفستق واللوز بديلاً عن الحطب".

يوضح عبد الرزاق: "تصنّع مدافئ قشور الفستق في حماه وخان شيخون في إدلب، وتحتوي على صندوق لوضع القشور، ويمكن وصلها بالكهرباء أو البطارية، وأضيف لبعضها مخرج للـMP3 وشاحن للموبايل".

 

التدفئة في المخيمات

يقول المهندس الزراعي علي الخلف، المقيم في مخيم أطمه، إن بدائل التدفئة هذا العام في الشمال السوري ترتكز على اعتماد الفحم الحجري وفحم الحراقات، وهو من بقايا عملية تحويل النفط إلى مازوت، بالإضافة إلى قشور الفستق الحلبي وقشور البندق واللوز والمشمش التي تتوفر بكميات كبيرة.

ويؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن الأسر لم تعد تستخدم المازوت في التدفئة بسبب طبيعة المنطقة الباردة وبسبب ارتفاع سعره، إذ يبلغ سعر البرميل 140 دولارا وتحتاج العائلات لكميات كبيرة منه في التدفئة لذا لا يدخل ضمن الخيارات.

ويضيف الخلف: "يتم اللجوء إلى البدائل من فحم حجري وفحم الحراقات والقشور التي تتوفر بكميات كبيرة، ولكنها مرتفعة الثمن وخارج قدرة الكثير من العائلات، فسعر طن القشر يبلغ 250 دولاراً، وتحتاج العائلة الواحدة إلى طن ونصف خلال فصل الشتاء، والحطب مرتفع الثمن أيضا، إذ يبلغ سعر الطن 200 دولار، وفحم الحراقات 190 دولاراً، والفحم الحجري باب أول 300 دولار، والنوع الثاني 270 دولاراً".

أما العائلات التي لا تملك المال، فتلجأ لحرق أي شي لديها من ثياب وأحذية وبلاستيك ونايلون، وفق الخلف.

ويشير بدوره إلى آثار المواد البديلة للتدفئة على البيئة، قائلاً "مع أنها توفر الدفء لكنها مضرة جدا بالصحة، ولها رائحة قوية ومزعجة، وأضرارها كبيرة على الأطفال خاصة، وخلال فصل الشتاء نرى طبقة سوداء فوق المخيمات تستمر من المغرب حتى الصباح، ولدينا ثلاثة مشافٍ تعاني طوال فصل الشتاء من ارتفاع نسبة الالتهابات الرئوية لدى الأطفال، الذين يحتاجون لجلسات رذاذ وأدوية التهاب لعلاج ذات الرئة والأمراض الصدرية المختلفة".

وعن أفضل خيارات التدفئة يقول الخلف، إنه الحطب، مردفاً "لكن ليس باللجوء إلى قطع الأشجار الحرجية".

ويتابع: "على الرغم من أن قطع الأشجار ممنوع، ولكن خلال السنوات الماضية تم تحويل مساحات كبيرة خضراء مليئة بالأشجار الحرجية، كانت تعتبر من أجمل المناطق في سوريا إلى مناطق قاحلة، مثل منطقة غصن الزيتون ودرع الفرات ومنطقتي خربة الجوز وجبل الأكراد بريف إدلب الغربي، فتناقصت الثروة الحرجية بشكل كبير مقابل ارتفاع التلوث الناجم عن إشعال البلاستيك والفحم والنايلون وغيرها".

محمد ناموس

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".