هذا الشتاء.. سوريون يحرقون ثيابهم وأحذيتهم للحصول على الدفء
خلال سنوات الحرب المستمرة منذ عقد، ومع كل شتاء قارس يمر على سوريا، يعمد المواطنون من محدودي الدخل والفقراء إلى الاستعانة بوسائل تدفئة مختلفة، وأغلب الأحيان جديدة وليست معتادة، جرّاء نقص الوقود وارتفاع أسعاره.
أبو أمجد اليوسف نازح في مدينة عفرين، يقول لـ"ارفع صوتك"، إن خياره في التدفئة هذا العام أسطوانات الكرتون المضغوط، التي تصنع بعد أن يتم جمعها بكميات كبيرة، ويضاف إليها الماء ثم يتم ضغطها وتقطيعها ووضعها لفترة في الشمس حتى تجف، لاستعمالها في الشتاء بديلا عن الحطب، وهو خيار جيد بالنسبة له ويعتبره أقل كلفة من المازوت والغاز والحطب، التي باتت خارج متناول الكثيرين.
ومن حي الطبالة الدمشقي، تقول سناء الدحداح (55 عاما): "لا نستطيع شراء الحطب، والكهرباء شبه مقطوعة وهي خارج حساباتنا، وكذلك الغاز مرتفع الثمن، ولا يمكننا تأمينه للطبخ، أما مخصصات المازوت للأسر فقد تم خفضها".
"وفي العام الماضي حصلنا على 50 ليترا فقط من مادة المازوت، بعد أن تم تخفيض المخصصات من 200 ليتر إلى 100 شهريا، لكننا في النهاية لم نحصل سوى على 50 ليترا طوال فصل الشتاء، وهذا العام نتوقع أن يحدث الشيء نفسه، لذا فهذه المخصصات ليست في الحسبان كونها لا تكفي أسبوعا"، توضح سناء لـ"ارفع صوتك".
وتتابع: "جمعنا حطباً وبلاستيك من البساتين القريبة، ولم أرمِ الأحذية القديمة أو الملابس الممزقة للأطفال، بل جمعتها وطلبت من معارفي تزويدي بما تيسر لديهم من ملابس وأحذية غير صالحة، من أجل استعمالها للتدفئة".
وتستدرك سناء "أعلم إنها مضرة بالصحة، لكنها شديدة الاشتعال وتعطي ناراً جيدة وتدفئنا وتقينا البرد، وهذا الأهم".
تيسير إسماعيل (68 عاما) من منطقة التل في ريف دمشق، يقول إن تحضيراته للشتاء كانت بجمع إطارات السيارات القديمة أو شرائها بثمن زهيد لاستعمالها في التدفئة.
ويضيف لـ"ارفع صوتك": "لدي أربعة أبناء، اثنان منهم عاجزان بسبب إصابة حربية، وزوجة مريضة، وعليّ أن أهتم بالجميع من مأكل ومشرب وطبابة، لذا لا قدرة لي على شراء مواد تدفئة، وخياري هو كل ما توفر وقابل للاشتعال، بغض النظر عن مساوئه الصحية والبيئية، وأولها إطارات السيارات التي تعطي الدفء ومدة اشتعالها طويلة".
خيارات محدودة
يقول عبد الرزاق عبد الرزاق، وهو مدير العلاقات العامة في منظمة أفق في إدلب، إن خيارات التدفئة تعتمد على مدى مقدرة الأسر.
"فالخيار الأول بالنسبة للمقتدرين هو المازوت، يليه مدافئ قشور الفستق التي ارتفعت أسعارها مؤخرا، إذ يبلغ الطن الواحد من قشور الفستق 220 دولارا، ثم الحطب والفحم الحجري للأقل اقتدارا، أما الأسر الفقيرة فتلجأ لحرق البلاستيك والنايلون والكرتون والملابس والأحذية والبيرين وروث الحيوانات"، حسب عبد الرزاق.
وفي حديثه لـ"ارفع صوتك"، يحذر عبد الرزاق من التلوث البيئي الذي يخلفه استعمال الفحم الحجري والبلاستيك والنايلون في عمليات التدفئة، بالتزامن مع انخفاض نسبة المساحات الخضراء، بسبب الاستيلاء على مساحات واسعة من الأحراج وقطع الأشجار في جبل الأحلام في عفرين وسواها من المناطق، من أجل استثمارها في البيع أو إقامة منشآت سكنية، وهذا ما يضر بالمنظومة البيئية بشدة.
وعن خياره الشخصي للتدفئة هذا العام، يقول إنه سيعتمد مدفئة قشور الفستق، المصنوعة محلياً، وتم تطويرها لاستعمال قشور الفستق واللوز بديلاً عن الحطب".
يوضح عبد الرزاق: "تصنّع مدافئ قشور الفستق في حماه وخان شيخون في إدلب، وتحتوي على صندوق لوضع القشور، ويمكن وصلها بالكهرباء أو البطارية، وأضيف لبعضها مخرج للـMP3 وشاحن للموبايل".
التدفئة في المخيمات
يقول المهندس الزراعي علي الخلف، المقيم في مخيم أطمه، إن بدائل التدفئة هذا العام في الشمال السوري ترتكز على اعتماد الفحم الحجري وفحم الحراقات، وهو من بقايا عملية تحويل النفط إلى مازوت، بالإضافة إلى قشور الفستق الحلبي وقشور البندق واللوز والمشمش التي تتوفر بكميات كبيرة.
ويؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن الأسر لم تعد تستخدم المازوت في التدفئة بسبب طبيعة المنطقة الباردة وبسبب ارتفاع سعره، إذ يبلغ سعر البرميل 140 دولارا وتحتاج العائلات لكميات كبيرة منه في التدفئة لذا لا يدخل ضمن الخيارات.
ويضيف الخلف: "يتم اللجوء إلى البدائل من فحم حجري وفحم الحراقات والقشور التي تتوفر بكميات كبيرة، ولكنها مرتفعة الثمن وخارج قدرة الكثير من العائلات، فسعر طن القشر يبلغ 250 دولاراً، وتحتاج العائلة الواحدة إلى طن ونصف خلال فصل الشتاء، والحطب مرتفع الثمن أيضا، إذ يبلغ سعر الطن 200 دولار، وفحم الحراقات 190 دولاراً، والفحم الحجري باب أول 300 دولار، والنوع الثاني 270 دولاراً".
أما العائلات التي لا تملك المال، فتلجأ لحرق أي شي لديها من ثياب وأحذية وبلاستيك ونايلون، وفق الخلف.
ويشير بدوره إلى آثار المواد البديلة للتدفئة على البيئة، قائلاً "مع أنها توفر الدفء لكنها مضرة جدا بالصحة، ولها رائحة قوية ومزعجة، وأضرارها كبيرة على الأطفال خاصة، وخلال فصل الشتاء نرى طبقة سوداء فوق المخيمات تستمر من المغرب حتى الصباح، ولدينا ثلاثة مشافٍ تعاني طوال فصل الشتاء من ارتفاع نسبة الالتهابات الرئوية لدى الأطفال، الذين يحتاجون لجلسات رذاذ وأدوية التهاب لعلاج ذات الرئة والأمراض الصدرية المختلفة".
وعن أفضل خيارات التدفئة يقول الخلف، إنه الحطب، مردفاً "لكن ليس باللجوء إلى قطع الأشجار الحرجية".
ويتابع: "على الرغم من أن قطع الأشجار ممنوع، ولكن خلال السنوات الماضية تم تحويل مساحات كبيرة خضراء مليئة بالأشجار الحرجية، كانت تعتبر من أجمل المناطق في سوريا إلى مناطق قاحلة، مثل منطقة غصن الزيتون ودرع الفرات ومنطقتي خربة الجوز وجبل الأكراد بريف إدلب الغربي، فتناقصت الثروة الحرجية بشكل كبير مقابل ارتفاع التلوث الناجم عن إشعال البلاستيك والفحم والنايلون وغيرها".
