رغم الظروف الاقتصادية الصعبة وتداعيات الحرب، حافظت صناعة الفخار في مدينة أرمناز التابعة لمحافظة ريف إدلب، على طابعها اليدوي الحرفي المتميز بالفن والإبداع، وبقيت مصدر دخل للعديد من العائلات في المنطقة التي جاهدت لمنع هذه الحرفة من الاندثار.
وصناعة الفخار حرفة قديمة، تميزت بها أرمناز منذ عهد الفينيقيين حتى اليوم، إذ تعتبر من أشهر المدن السورية بصناعة الفخار ومهد هذه الحرفة وخزّانها البشري في سوريا.
إقبال من السوريين
تعتمد الستينية أمال يحيى من مدينة أرمناز بشكل كبير على أدوات الفخار في منزلها، كونها صحية ورخيصة الثمن وجميلة الشكل، بحسب وصفها.
وتقول لـ"ارفع صوتك"، إنها تستعمل الأواني الفخارية للطبخ بشكل دائم، فلديها طناجر بمختلف الأحجام، بالإضافة إلى المقالي والصحون والأواني والأكواب، كما تستخدم الأباريق الفخارية خاصة خلال فصل الصيف، بهدف إبقاء المياه باردة نظرا لانقطاع الكهرباء الدائم، وتمتلك أدوات الزينة المصنعة من الفخار كالمزهريات والأوعية التي تزرع فيها النباتات والورود.
وتؤكد آمال أن الأدوات المصنوعة من الفخار تشهد حاليا إقبالاً من السوريين بسبب تدهور القدرة الشرائية لدى الغالبية منهم، فأدوات المطبخ المصنوعة من الفخار تُباع بأسعار أرخص من مثيلاتها المصنوعة من الزجاج أو المعدن.
"لم يعد بإمكاننا شراء أواني المطبخ خاصة الطناجر، فالفخار هو الحل المناسب اقتصاديا وصحيا"، تتابع آمال.
سامر حاج مرعي (38 عاما)، صاحب معمل لصناعة الفخار في مدينة أرمناز، يقول لـ"ارفع صوتك" إن مهنة تصنيع الفخار "تراثية قديمة، اشتهرت بها مدينة أرمناز منذ حوالي 2000 عام".
ويبيّن: "بلدتنا مشهورة بتصنيع الفخار نظرا لوجود التربة التي يصنع منها. ورثنا المهنة عن الآباء والأجداد، وأنا أعمل بها منذ 22 عاماً حيث علمني إياها أخي، الذي توفي رحمه الله، وحاليا أقوم بتعليمها لأبنائي وأبناء أخي كي أحافظ عليها من الاندثار".
مراحل التصنيع
يشرح مرعي مراحل تصنيع الفخار قبل وصوله لشكله النهائي، بالقول: "تمر صناعة الفخار بعدة مراحل، ففي البداية نقوم بتنقية وغربلة الأتربة، ثم نضعه في مكان خاص وننشره أمام أشعة الشمس، وبعد ذلك نقوم بتجفيفه ودقّه على الماكينة، ثم يوضع في ماكينة عجين خاصة، ويتم تحويله إلى مادة الصلصال، وبعد ذلك يبدأ عملنا اليدوي عن طريق الدولاب، الذي هو أساس عمل الفخار، وعلى الدولاب نعمل على الشكل الأولي، وبعد ذلك نقوم بعملية الزخرفة والنحت".
وبعد الانتهاء من النحت والزخرفة يتم تجفيف القطعة حتى تتخلص من الرطوبة، ثم توضع في الفرن الذي يحرق مخلفات الطبيعة مثل بقايا أشجار الزيتون كي لا تكون الانبعاثات التي تخرج من الفرن مضرة بالبيئة، حسب مرعي.
ويضيف: "بعد ذلك تخرج الفخارة بشكلها النهائي كفخارة أرمنازية مميزة ومشهورة عالميا وتعتبر من أفضل أنواع الفخار على مستوى الوطن العربي، وتعجب الناس كونها رقيقة وحرفية وتراثية".
مصاعب وتحديات
يؤكد الحرفي سامر مرعي لـ"ارفع صوتك" أن صناعة الفخار واجهت مصاعب عديدة، بسبب الحرب وتداعياتها، موضحاً "اليوم نعمل للمحافظة على التراث، فالعمل في هذه الحرفة متعة حقيقية رغم أنها ليست ذات مردود مالي كبير، بسبب الحرب، والأوضاع الاقتصادية وانخفاض سعر صرف الليرة بشكل كبير، إضافة إلى دخول عملات أخرى إلى منطقتنا وانعدام الكهرباء ونقص الوقود والمواد الأولية".
"ومن أكبر التحديات التي تواجه هذه الحرفة عدم وجود طرق للتصدير، ففي السابق كنا نقوم بالتصدير إلى لبنان ودول أوربا وتركيا، أما اليوم طرق التصدير مقفلة، ما دفع الكثير من المعامل إلى الإغلاق، حيث كان لدينا 25 معملا لصناعة الفخار في أرمناز، بينما اليوم هناك 5 أو 6 معامل وبعضها ورشات صغيرة، والسبب عدم وجود سوق للتصريف ونقص المواد الأولية"، يضيف مرعي.
ويقول إن "الأمر لا يقتصر على معامل الفخار فمعامل الزجاج التي تشتهر بها أرمناز أيضا أقفلت" مضيفاً "كل عام يأتي يكون أصعب من العام الذي سبقه، لكننا صامدون ونحاول الإبقاء على هذه المهنة وتعليمها لأبنائنا لكي تستمر".
وكان لدى مرعي سابقا ورشه كبيرة لتصنيع الفخار، ينتج فيها 200 قطعة يوميا ويصدّر للخارج، لكنه اليوم لا يصنع أكثر من 20 قطعة في اليوم، بسبب صعوبة تصدير المنتج وتصريفه.
ولكن، ورغم الصعوبات هناك طلب على الفخار، وما زالت الناس التي تعيش في المخيمات تطلب هذه الأواني، كونها تحافظ على رطوبة المياه وتساعد في تبريدها، بسبب انقطاع الكهرباء في المخيمات، كما يستخدمها الناس وبعض المطاعم بينهم مطعمه الخاص.
