صورة أرشيفية لإحدى الصيدليات في العاصمة السورية دمشق عام 2013- تعبيرية
إحدى الصيدليات في العاصمة السورية دمشق عام 2013- تعبيرية

بقي الشاب السوري محمد الشمعة (30 عاما) المقيم في حي الميدان بالعاصمة السورية دمشق، يبحث عن دواء لوالدته المسنة التي تعاني من الذهان لأسبوعين، ولكن دون جدوى.

"بحثت في جميع صيدليات المحافظة، وأرسلت أصدقاء لي للبحث في عدة محافظات والجواب الوحيد أنه غير متوفر"، يؤكد محمد.

يقول لـ"ارفع صوتك"، إن "البديل المصنع محليا غير متوفر، لأن شركات الأدوية المحلية توقفت عن إنتاج العديد من الأصناف، بسبب ارتفاع التكاليف أو نقص المواد الأولية، بينما الدواء المهرب من الهند وإيران والعراق، غير فعال بشهادة الطبيب المعالج ومعظم الصيادلة الذين استشرتهم".

رحلة بحث محمد انتهت بلجوئه للسوق "السوداء"، يوضح "كان ذلك هو الحل الوحيد.. قلت إنني مستعد لدفع أي مبلغ مقابل تأمين دواء سيروكويل لوالدتي، فحصلت عليه خلال ثلاثة أيام، بسعر يوازي خمسة أضعاف سعره الحقيقي".

بعد هذه التجربة، صار محمد كلما احتاج دواء غير متوفر في السوق، يذهب لأقرب صيدلية، ويعرض عليهم أنه "سيدفع أي شيء مقابل الحصول على الدواء" ليصله في اليوم التالي، وغير الصيدليات، يلجأ أيضاً لصفحات في مواقع التواصل الاجتماعي خاصة بالبحث عن بضائع قد تكون غير متوفرة في السوق، ويكتب اسم ما يريده، ليتم تأمينه له.

 

صيدليات تتعامل مع المهربين

التقى "ارفع صوتك" بالصيدلي يمان (طلب عدم ذكر اسمه الكامل) الذي يعمل في صيدلية بحي المهاجرين الدمشقي.

يقول إن الأدوية الأجنبية غير متوفرة، والمعامل لا تنتج الدواء البديل بالكميات الكافية، وإن أنتجت، فغالبا لا يكون بذات المفعول، فالمادة المصنعة تكون غير فعالة بالشكل المطلوب. 

ويوضح يمان: "اللوم يقع غالبا على الصيادلة، ويتم اتهامهم بالجشع وإخفاء الدواء والمتاجرة به، بهدف تحقيق الربح الوفير، لكن الحقيقة أننا مضطرون لتوفيره وبشكل سري في معظم الأحيان، كي لا نتعرض للملاحقة، أو تداهمنا دوريات الجمارك كما حصل في بعض صيدليات دمشق مؤخراً".

"فالدواء مقطوع ولكنه مطلوب بشدة، والطبيب هو من يطلب الدواء بالاسم لأنه فعال، لذا نضطر لتأمينه من الخارج عن طريق المهربين وعدم بيعه علنا، لأن الدواء الأجنبي المهرب في حال ضبطه لدى الصيدليات، يتسبب بإحالة الصيدلي إلى مجلس التأديب وتتم ملاحقته قانونياً ومخالفته بالإغلاق مدة شهر على الأقل"، يتابع يمان.

وعن ارتفاع أسعار الدواء يقول: "السعر تحدده السوق السوداء والمهربون وهو مرتفع التكلفة علينا ولسنا نحن من نرفع الأسعار".

ويؤكد الصيدلاني أن "الكثير من أدوية الأمراض المزمنة كالسكري والقلب والضغط غير متوفرة إلا في السوق السوداء، لهذا فأسعارها مرتفعة في حال وجدت في إحدى الصيدليات، والبدائل الأجنبية والمهربة أغلى بأضعاف من الدواء المصنع محليا".

ويلفت يمان إلى أن مستودعات الأدوية تأخذ من الصيادلة أسعاراً أعلى مما يرد في الفواتير، وهذا ما يدفع بالصيدلاني لبيعها بسعر مرتفع، كي يعوض ما دفعه، كما أنه لا يبيعها إلا للموثوقين من الزبائن.

ويضيف: "الآن بعد صدور تعليمات للأطباء بعدم وصف الدواء الأجنبي تحت طائلة سحب الرخصة، يأتينا مرضى مع قصاصات ورقية عليها اسم الدواء دون وصفة طبيب أو اسمه أو ختم، فالطبيب يريد أن يصف الدواء الفعال للمريض، وفي نفس الوقت يحمي نفسه من المحاسبة".

ولا يخفي يمان وجود صيادلة يتاجرون بالدواء ويحققون مكاسب كبيرة، ولكن "نسبتهم قليلة" مقارنة ببقية الصيادلة الذين يقومون ببيع الدواء المهرّب "بدافع إنساني" ويكون ربحهم "معقولا"، على حد تعبيره.

في السياق ذاته، يؤشر الصيدلاني على مشكلة أخرى، وهي "قيام بعض شركات الأدوية بإجبار الصيادلة على شراء أدوية غير مطلوبة من أجل الموافقه على بيعهم أدوية مقطوعة".

سليمان مؤمنة من مدينة قطنا في ريف دمشق، واجه هو الآخر مشكلة في إيجاد دواء بخاخ لعلاج الربو لابنه، فعرض حاجته على إحدى المجموعات السورية في مواقع التواصل،وقائلا بأنه سيدفع أي مبلغ مقابل ذلك، ليأتيه الرد من مدينة اللاذقية، وتم إرسال الدواء له أربعة أضعاف سعره الأصلي مع تكاليف الشحن.

يقول لـ"ارفع صوتك": "لا يمكن لوم المريض، فالمحتاج يتعلق بأي أمل مهما كان ضعيفا، لذا نلجأ للسوق السوداء رغم علمنا أن الدواء المهرب قد لا يكون جيدا، لأنه لا يخضع للرقابة أو الاختبار، والأدوية المهربة قد تكون سيئة التخزين أو منتهية الصلاحية أو غير مطابقة للمواصفات، خاصة الإيرانية والعراقية والهندية، لذا نحن نبحث عن الدواء الأجنبي من شركته الأصلية، والغريب أن تكون هذه الأدوية مقطوعة في الصيدليات ومتوفرة في السوق السوداء".

منال دعبول من منطقة التل، تقول لـ"ارفع صوتك"، إنها عانت من التهاب جرثومي حاد تسبب بالتهاب الأغشية السحائية في المخ، طلب لها الطبيب حقن "تازوسين"، ولم يكن ممكنا الحصول عليها بالشكل الطبيعي، لكنها تمكنت من شراء الدواء عن طريق "السوق السوداء".

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".