"شعرت بأن صمودي حياً إنجاز يستحق المكافأة بحد ذاته، ولكن هل نجوت فعلا؟"- تعبيرية
"شعرت بأن صمودي حياً إنجاز يستحق المكافأة بحد ذاته، ولكن هل نجوت فعلا؟"- تعبيرية

"جلست على أحد المقاعد في حديقة عامة وأنا أتأمل المارة والأطفال. كأن في هذا المكان حياة بأكملها نسيت لبرهة أنني عبرت البحر لأصل إلى هنا، وأن الطنين الذي رافقني على مدى سنوات طويلة مع أصوات الطيران والقنابل همد أخيرا"، يقول بوب.

ويضيف "شعرت بأن صمودي حياً إنجاز يستحق المكافأة بحد ذاته، ولكن هل نجوت فعلا؟ أشعر كأن جزءا مني قد مات وما زلت لا أفهم الجزء الثاني حقا". 

 

التخلّي

يعيش بوب حالة من الارتباك منذ وصوله إلى ألمانيا قبل خمس سنوات، فعلى الرغم من أنه اختارها في اللحظة التي قرر الرحيل عن سوريا، وبذل كل جهد للاندماج في المجتمع الأوروبي، إلا أنه لم يجد الموطن بعد في الأرض التي استقبلته.

بالنسبة له، فإن "الهجرة من سوريا بمثابة فرار نحو الحياة والأمل للأجيال القادمة، لكنها لا تخلو من المشقات، منها أزمة الهوية التي يعيشها اللاجئ".

وتلافياً لجذب المتاعب، عمد بوب على "التخلص من السمات التي تكشف عن هويته".

وكما يسهل على القارئ الاستنتاج، بدأ باسمه على أمل أن يمرّ بشكل غير مرئي وأن يعيش على الهامش، بمنأى عن أي تمييز عنصري محتمل.

هكذا، تحوّل عبد الله إلى بوب، في رحلة عبور من الهوية التي تقدّمه كمسلم شرق أوسطي مطلق اللحية، تربطه الصورة النمطية بالعنف الذي طبع السنوات الماضية، إلى بوب الخفي، الذي لا يبحث عن لفت الانتباه، بل على العكس تماما "يمشي في الظل وجنب الحيط"، على حد تعبيره.

أما السمة الثانية، وللأسباب نفسها فهي اللغة، حيث عمد لتجنب استخدام اللغة العربية حتى في تبادلاته مع أقاربه، في طلاق بارد مع اللغة التي تربطه بالمنطقة.

يقول بوب: "أكثر ما يؤلمني في الأمر أن هذه اللغة المحببة إلى قلبي باتت لسان الألم والمعاناة. والتخلي عنها يعني تخلياً عن أكثر الأدوات التي أعبر فيها عن مشاعري بصدق. لقد خسرت قدرتي على مشاركة ما يفرحني أو ما يزعجني بسبب المفردات الأجنبية المتواضعة التي أعرفها". 

ويختصر مشاعره المتخبطة بصفة "الضحلة" حيث يعجز عن التعامل معها دون أن يقع مجددا في دوامة تحطم الهوية.

يتابع بوب: "الآن وقد مرّت سنين طويلة وبات بإمكاني أن أعتبر نفسي مواطنا ههنا، أجدني لم أعد سوريا حقا، ولكني لست أي شيء آخر أيضا".

وتمتد المعاناة لتشمل خططه المستقبلية، فهو يحلم بأسرة تشبه التي تربى بكنفها، لكن "بوب لم يعد يشبه عبد الله، وعبد الله لن يتزوج بصبية لا تستطيع أن تؤسس أسرة شبيهة بها"، كما يقول.

وينسحب ذلك على علاقته بالمجتمع الجديد الذي يحتضنه فهو لا يدري إن كانت طبيعة هذه العلاقة تنطوي على "حب وتقدير للعالم الجديد" أو على "كره لعالم يتعاطى مع النازح بعنصرية"، فيعيش بشكل مستمر ازدواجية تؤرقه.

أما "الأسوأ" على حد وصف بوب، فهو تلاشي طريق العودة، حيث لا يقوى على البقاء للأبد في ألمانيا، كما لا يستطيع العودة إلى وطنه؛ لأسباب أمنية. 

وبالنسبة لمارييت، باتت سوريا صدى بعيدا لبلد اختبرت فيها ضغوطات الحياة والسلطة البطريركية بأقسى أشكالها.

تقول: "تعيدني الذكريات التي أحاول نسيانها، لعالم أجبرت فيه على الزواج من رجل يكبرني بـ16 عاما وكنت حينها في سن الـ17. وهربت من سلطة العائلة من خلال خلع ردائي الديني حتى. ثم غيرت اسمي واسم عائلتي مكرهةً في البداية، ولم أتمكن بسهولة من الاندماج في المجتمع الأوروبي الذي التجأت إليه".

وفي محاولة الذوبان حد الاختفاء، اختارت اسما أجنبيا وحاولت التخلص تدريجيا من الطبع العربي حتى على مستوى الدياليكتيك.

تشرح: "في العالم العربي، يكثر استخدام عزيزي وحبيبي في العبارات، وقد ينظر الأجنبي لهذه الحميمية على أنها اعتداء على المساحة الخاصة".

وإلى جانب الاسم، عزمت مارييت على القطيعة مع الماضي الذي يربطها بجنسيتها القديمة من خلال الابتعاد عن الأشخاص الذين يعرفون قصتها، وتفادي مشاركة ذكرياتها مع المعارف الجدد، وغيرت حتى لهجتها في الكلام، فما عادت اللغة العربية حتى مؤشرا على الجنسية. 

ولكن الماضي لا يختفي تماما ويعود أحيانا ليطفو على السطح.

"أحنّ أحيانا لسماع اسمي القديم وأشتاق لسماع الناس وهم ينادوني به. ولكن الماضي يصبح معيارا للمقارنة مع الحاضر.. لقد ماتت شخصيتي القديمة وماتت معها التفاصيل الصغيرة للحي والبيت العائلي في سوريا. وماتت الرغبة بتربية الأولاد في المجتمع السوري، حيث اختبرت العقد النفسية"، تبيّن مارييت.

وتختم حديثها بالقول "ولدتُ من جديد وكسرت الصورة النمطية للفتاة القروية الحاقدة على الحياة!".

 

التمسك

على عكس بوب الذي ارتأى الابتعاد عن الهوية العربية ليحمي نفسه من العنصرية، اختارت فاطمة التمسك أكثر فأكثر بهويتها السورية المسلمة في ردة فعل معادية للمجتمع الجديد.

تقول: "لم أقرر ارتداء الحجاب إلا عند وصولي إلى هنا. وهذا الخيار لا علاقة له بالدين والثقافة بقدر ما يتعلق بالخوف والحماية. أشعر بالأمان وأنا ألبس الحجاب في هذا المكان الذي لا يشبهني أو يشبه ثقافتنا الشعبية. وأنتظر اللحظة التي أعثر فيها على زوج من جنسيتي لنؤسس سويا أسرة تكبر على حب الوطن".

تعيش فاطمة أزمة هوية تدفعها للتحول إلى شخص لا يشبه رغباتها تماماً، خوفا من الانجرار والاندماج في مجتمع تربت على "عدم تقليده وعلى عدم اتباع من يقلدونه في دائرة الوطن". 

في هذا السياق، تحلل الباحثة في العلوم الإنسانية رولا رياشي، ما تعتبره "تطويع الهوية"، انطلاقا من القناعات الراسخة لدى كل فرد بمعزل عن ربطه دائما بمحاولة الاندماج.

وعلى الرغم من أن موضوع أزمة الهوية متشعب للغاية، يسهل إيجاد خيوط مشتركة في قصص النازحين والمهاجرين واللاجئين العالقين بين أرض المنشا وأرض الشتات والذين تمزقهم الحيرة بين مجتمعين مختلفين تماما: المجتمع السوري العربي والمجتمع الأوروبي، بغياب روابط اللغة والدين والأعراف وسواها.

يذكرنا ذلك، وفقا لرياشي، بنموذجين: شخصية عُطيل في رواية شكسبير، الذي يخرج من جلده تماما في التراجيديا، وشخصية مصطفى سعيد في رواية الطيب صالح (موسم الهجرة إلى الشمال)، الذي يبحث عن تلميع صورة موطنه من خلال كذبة كبيرة عن المشرق النمطي الجذاب، ولكنه في الحقيقة لم يحب الموطن الجديد ويعيش أزمة هوية، ويسعى للانتقام عن طريق استغلال البعد الأيديولوجي.

ويعيش الكثير من اللاجئين هذه الأزمة بأشكال مختلفة، وقد تختفي أحيانا تحت طبقة من الرتابة اليومية، ثم تعود لتطارد الأفراد مع أي صوت شبيه بالرصاص وأي رائحة قريبة من دخان الحرائق أو حتى مع صراخ الأطفال.

يقول بوب: "هذا يعني أن سوريا لم تغادرنا حقا، ولكن لا أحد يعلم إن كانت أصلا مستعدة لاحتضاننا بأمان في يوم من الأيام!". 

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية

يُعد مشروب المتّة الأرجنتينية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للكثير من السوريين، حيث لا تخلو الجلسات العائلية من هذا المشروب الذي صار تقليديا وشعبياً، تميزه طقوس وأساليب خاصة لتحضيره وتقديمه.

وانتشر هذا المشروب منذ عقود في سوريا، خاصة المحافظات الساحلية ومحافظة السويداء، حتى أصبح منافسًا قويًا للشاي والقهوة، ويتفوق عليهما في الكثير من الأحيان. 

ويَعتبر عشاق المتّة في سوريا أنها جزء من التراث والثقافة الاجتماعية، وترمز إلى الترحيب والكرم وتجمع الناس في الأوقات الجيدة والعصيبة.

وإن زرت في زيارة إلى أحد منازل مدن السويداء، أو طرطوس، أو بانياس، أو اللاذقية، ستجد أصحاب المنزل يقدمون لك  المتة تلقائياً. 

تقول منى مرعي (51 عاما) من السويداء، إن مشروب المتة "علامة على الترحيب بالضيف والسعادة باستقباله، والقيام بواجب تكريمه، والرغبة ببقائه لوقت أطول". 

تاريخها في سوريا

انتقلت المتة إلى سوريا من موطنها الأصلي في أميركا الجنوبية على يد المهاجرين السوريين الذين قصدوا تلك البلاد في القرن التاسع عشر بحثاً عن فرص حياة أفضل خلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أزمات اقتصادية. 

وبمجرد استقرارهم هناك، بدأوا في التأقلم مع العادات والتقاليد المحلية، كان من بينها تناول من مشروب المتة، الذي صار جزءا من حياتهم اليومية. 

بعد سنوات الهجرة، عاد الكثير من السوريين إلى وطنهم الأم خلال ستينيات القرن الماضي، وحينها جلبوا معهم المتة، التي انتشرت رويداً رويداً ولاقت استحسانا كبيرا لدى السوريين، وأُعجب الناس بطعمها فكثر الطلب عليها. 

وبعد الأزمة السورية واللجوء، نقل السوريون هذا المشروب إلى بلدان أوروبا والعالم، حيث أصبحت المتة تُعرض على رفوف المتاجر، وتباع في أسواق أوروبا وتركيا وأمريكا وبعض الدول العربية. 

يقول المهندس ماجد عكاش من مدينة حماة، إنه وفور وصوله إلى ألمانيا افتقد المتة بشكل كبير وكان دائم البحث عنها في أولى سنوات اللجوء ولكن دون جدوى. اختلف الوضع الآن حيث صارت تُباع في الكثير من المتاجر.

يضيف لـ"ارفع صوتك": "أعتبر المتة جزءا من هويتي السورية، فهي تذكرني بالأوقات الجميلة مع الأصدقاء والعائلة، وتربطني بالوطن، وسعيد جدا لأن السوريين حملوها معهم إلى أوروبا، كما حملها أجدادنا من أميركا الجنوبية إلى سوريا". 

يُعتبر شراب المتة مفضلاً لدى شريحة كبيرة من السوريين، ويتم تحضيره بطريقة خاصة، إذ تُنقع أوراق المتة في الماء البارد لدقيقة أو اثنتين، ثم يُضاف إليها الماء الساخن. 

وتُشرب المتّة في قرعة مخصصة لذلك، والقرعة كأس خاصة مصنوعة من الخشب في الأساس، ولاحقا أصبحت تُصنع من الزجاج والبورسلان، و"البومبيجة" التي يتم الشرب فيها، وهي مصاصة معدنية. 

تتنوع طرق شرب المتة بحسب المناطق في سوريا، ففي  السويداء والقلمون يتم تداول قرعة المتة بعد تعقيمها بالماء الساخن والليمون بين مجموعة من الأشخاص، بينما في كطرطوس واللاذقية وحلب يشرب كل فرد بقرعة مخصصة له. 

يقول ماهر إسماعيل من السويداء، إن المتة من المشروبات الأشهر شعبياً، وفي محافظته "يمكن أن ترى المتة في كل بيت تقريبا، حتى أنها تدخل ضمن جهاز العروس". 

عن طريقة الشرب، يشرح ماهر لـ"ارفع صوتك": "الكثير يتناولونها دون أية إضافات، ولكن يمكن إضافة الهيل لها أو الزنجبيل أو العقدة الصفراء، والبعض يشربها بالحليب بدلا من الماء الساخن، والبعض يفضل إضافة السكر فقط مع الماء". 

هل لها طقس معين في السويداء؟ يقول ماهر "يجلس الحاضرون في حلقة، ويتم تداور جوزة أو قرعة المتة بين الحاضرين بالدور الذي يبدأ من الطرف الأيمن". 

من الأولويات 

خلال السنوات السابقة شهدت المتة ارتفاعا كبيرا في سعرها، كما فُقدت لفترات من الأسواق السورية، وعند عودتها اصطف الناس في طوابير للحصول عليها، واتجهوا لتخزينها بكميات كبيرة كي لا ينقطعوا عن شربها. 

وفي عام ٢٠٢٣ وضعت وزارة التجارة التابعة لحكومة النظام السوري، المتة، على البطاقة الذكية.  

تقول منى  عليان (29 عاما) من مدينة طرطوس: "المتة رفيقتنا في اجتماعاتنا، وهي  مشروب اجتماعي بامتياز، ولازَمَتنا في سوريا ولم نتخلّ عنها رغم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لأننا نعتبرها من الأولويات التي لا يمكن الاستغناء عنها".

"وحين انتشرت إشاعات عن إمكانية انقطاعها، أصيب بعض الناس بالهلع، واصطفت عائلات بأكملها للحصول على حصتها من المتة"، تضيف منى لـ"ارفع صوتك".

سحر، عاملة في مؤسسة "مياه حلب"، تؤكد لنا "لا أستطيع بدء يومي دون كأس من المتّة، أعددت عدة خاصة للعمل وأخرى للمنزل. وهي تمدني بالنشاط والحيوية". 

من جانبه، يقول علي حيدر، وهو بائع لشركة توزيع المتة في اللاذقية، إن الإقبال على المتة كبير جدًا "فالناس يحبونها ويستهلكونها يوميا، ما يجعل الطلب عليها مستمرا على مدار العام، أما الأصناف الأكثر رواجاً فهي متة الخارطة وبيبوري التي تستورد من الأرجنتين وتُعبأ في معمل يبرود في ريف دمشق، ويفضلها الناس بسبب طعمها الثقيل وسعرها المناسب".  

ما فوائدها؟

يُستخلص مشروب المتة من أوراق نبات ليربا ماتي، وهو نبات مشهور في الأرجنتين والأوروغواي والبرازيل وباراغواي، ويمتاز بطعمه الفريد وخصائصه المنشطة.

يقول طبيب الأعشاب سامر كرامة إن المتّة "من مشروبات الطاقة والتنبيه، وتحتوي على مضادات الأكسدة والكافايين الطبيعي، وتساعد على تعزيز التركيز، كما تحتوي على الفيتامينات والمعادن المفيدة لصحة القلب والجهاز الهضمي". 

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "مشروب المتّة يفيد في خسارة الوزن، وإذابة دهون البطن، وخفض نسبة السكر في الدم. كما أنه مدر للبول، ومليّن للمعدة والأمعاء، ويساهم في علاج عسر الهضم، والتخفيف من حدة الصداع". 

بسبب الشعبية الكبيرة لمشروب المتة، أصبحت سوريا واحدة من أكبر مستوردي المتة في العالم، حيث تستوردها بكميات كبيرة سنويًا من الأرجنتين لتلبية الطلب المحلي المتزايد.

ووفق بيانات  المعهد الوطني لليرباماتي (INYM) الأرجنتيني، فإن سوريا تعتبر من أكبر مستهلكي المتة في الشرق الأوسط. في عام 2018 حققت الصادرات  نسبة قياسية مع تصدير 43 مليون كيلوغرام من المتة. 

وقال المعهد إنه من المثير للدهشة أن أحد الأسباب الرئيسية لزيادة الصادرات الأرجنتينية هو سوريا، وهي أكبر مستورد أجنبي للمتّة في العالم. 

وأظهرت البيانات أن دول الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان تمثل في المجمل 75 بالمئة من صادرات ليربا ماتي الأرجنتينية، تليهما جمهورية التشيلي التي تعتبر ثاني أكبر وجهة تصدير.