أكثر من 100 ألف مختفي قسراً في سوريا.
أكثر من 100 ألف مختفي قسراً في سوريا.

كشف تقرير للمركز السوري للعدالة والمساءلة عن ارتكاب قوات النظام السوري "مجزرة" بحق مدنيين في مدينة درعا، دفن خلالها الضحايا بعد حرقهم داخل قبر جماعي.

ويرجح التقرير، الصادر نهاية أكتوبر 2022، بعنوان "لا تتركوا أثراً"، أن "المجزرة" ارتكبت في السنوات الأولى "للثورة" التي انطلقت شرارتها من مدينة درعا.

واستند التقرير إلى 13 مقطع فيديو وصور أقمار صناعية.

وفيما تُظهر الفيديوهات التي تعود إلى عامي 2012 و 2013، عناصر تابعين للنظام السوري وهم يقومون بالتخلص من جثث ضحايا من خلال حرقها قبل دفنها في مقابر جماعيّة، توثّق صور الأقمار الصناعية حركة الشاحنات خلال نقل الجثث.

ويُقدر التقرير عدد الجثث بـ15 جثة على الأقل، تم "محو أي أثر يمكن من خلاله التعرف على هويات أصحابها"، وفقاً للتقرير الذي يلفت إلى أن هذه الممارسات "حرمت ذوي الضحايا من معرفة مصير أحبتهم، أو استلام رفاتهم".

هذه ليست المرّة الأوّلى التي يتم فيها تسريب مقاطع مصوّرة، توّثق عمليات قتل جماعي ارتكبها عناصر النظام السوري ضد مدنيين.

في أبريل 2022، نشرت صحيفة الغارديان فيديوهات تعود إلى عام 2013، توثّق إعدام ما لايقل عن 41 شخصاً داخل حي التضامن بالعاصمة دمشق، قبل دفنهم في مقبرة جماعيّة بعد حرقهم.

إلى جانب ذلك، قدّمت شهادة الموظف المنشق عن النظام، والمعروف بـ"حفار القبور" أمام الكونغرس الأميركي صورة عن واقع المقابر الجماعية في سوريا.

وكشف الموظف في الشهادة عن إجباره على العمل في مقبرة جماعيّة لدفن جثث الضحايا الذين أعدموا في السجون، منذ العام 2011 وحتى 2018، مقدراً عدد الجثث التي دفنت بالآلاف، ومؤكداً أن "المقابر الجماعيّة ما تزال تحفر حتى الآن".

 

الإفلات من العقاب.. استمرار للجريمة

 

الكشف عن هذه الجرائم يزيد من مخاوف أهالي المفقودين، ويعيد إلى الواجهة الحديث عن محاسبة مرتكبي الجرائم.

المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، يؤكد أن "الإدانة السياسية للنظام وتحميله المسؤولية عن الجرائم المرتكبة أمر تحقق عبّر الإدانات الصادرة عن الدول والحكومات، والمنظمات الحقوقية، ولجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا، فيما تبقى الإدانة القانونية أمرا يصعب الوصول إليه".

ويشرح العبد الله لـ"ارفع صوتك" المعيقات التي تمنع إدانة النظام قانونياً. ويقول "الإدانة القانونية تتطلب إحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية، أو إنشاء محكمة خاصة، وهو ما يتطلب قراراً من مجلس الأمن. لن يسمح حلفاء النظام بصدوره".

وفي مايو 2014، استخدمت الصين وروسيا حق النقض (الفيتو) ضد قرار مجلس الأمن لإحالة الوضع في سوريا إلى المحكمة الجنائية الدولية، وهو التصويت الذي وصفته منظمة "هيومن رايتش ووتش" بـ"خيانة للضحايا السوريين".

يقول العبد الله: "المحكمة الجنائية الدولية، أو المحكمة الخاصة، هما الطريق الوحيد لمحاكمة المسؤولين رفيع المستوى في الدول، والوصول إلى ذلك يحتاج إرادة سياسية وتوافقا دوليا". وتابع: "ما لم يحدث ذلك، فإن الإفلات من العقاب والمحاسبة يشجع على الاستمرار في ارتكاب الجرائم".

 

مصير المفقودين.. فشل الأمم المتحدة

 

تقدر لجنة التحقيق الدولية بشأن سوريا عدد المفقودين في سوريا خلال النزاع المسلح بنحو 100 ألف شخص، فقدوا أو اختفوا قسراً على يد أطراف النزاع، فيما تشير إحصاءات الشبكة السورية لحقوق الإنسان إلى قرابة 112 ألف إنسان قيد الاختفاء القسري، منهم 59 ألفا يتحمل النظام مسؤولية اختفائهم.

لم يتنفس عبدو الصعداء سوى حين عاد السجان، ووضعه في سيارة نقل السجناء، وتأكد أنه بات في طريقه إلى المحكمة.
قصص مروّعة من صيدنايا.. "المسلخ البشري" لمعتقلي النظام السوري
ويصف عبدو الغرفة المستطيلة، ستة أمتار بالعرض وسبعة أو ثمانية بالطول، أحد جدرانها من الحديد الأسود يتوسطه باب حديدي. تقع الغرفة في الطابق الأول من المبنى المعروف بالأحمر، وهو عبارة عن قسم مركزي تتفرع منه ثلاثة أجنحة.

وتسعى اللجنة الدولية  بشأن سوريا إلى إنشاء آلية للكشف عن مصير الأشخاص المفقودين.

المدير التنفيذي للمركز السوري للعدالة والمساءلة، محمد العبد الله، يتحفظ على التوجه لإنشاء الآلية، يقول: " إنشاء الآلية دون الوصول إلى سوريا وفتح المقابر الجماعيّة وزيارة السجون لا جدوى منها". ويتابع: "هذه الآلية تغطي على فشل الأمم المتحدة ولكن لن تحقق العدالة للضحايا وأهاليهم".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.