بعد عام 2011 تدهورت العلاقات بين تركيا والنظام السوري إلى حد كبير حتى وصلت إلى مرحلة "القطيعة"
بعد عام 2011 تدهورت العلاقات بين تركيا والنظام السوري إلى حد كبير حتى وصلت إلى مرحلة "القطيعة"

لم تنقطع التصريحات الرسمية في تركيا والخاصة بعلاقة البلاد مع النظام السوري منذ شهر أغسطس الماضي. وبينما ألمحت أولا إلى "مسار جديد" خفتت لفترة من الزمن مع التأكيد على استمرار التواصل الاستخباراتي، لتأتي كلمات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان الخميس، وترجئ ما قد يحصل إلى ما بعد الانتخابات المقرر تنظيمها في يونيو 2023. 

وكان لافتا أن ما أعلن عنه إردوغان جاء في مقابله تصريحات بذات السياق وبنفس الساعة لزعيم "حزب الشعب الجمهوري" أكبر أحزاب المعارضة، كمال كلشدار أوغلو. 

وقال الرئيس التركي، ردا على سؤال حول إمكانية لقاء رئيس النظام السوري، بشار الأسد وعلاقات تركيا مع سوريا ومصر: "لا استياء ولا خلاف أبدي في السياسة. يمكننا أن نفعل ذلك من جديد خاصة بعد انتخابات يونيو"، و"بناء على ذلك، آمل أن نتمكن من الاستمرار في طريقنا". 

من جهته ذكر كلشدار أوغلو أنه وإذا وصلوا إلى السلطة في انتخابات عام 2023، "فسوف يفتحون سفارات مشتركة مع سوريا"، مضيفا: "أول ما سنفعله عندما نصل إلى السلطة هو التفاوض مع الإدارة الشرعية لسوريا. إذا كنت ذاهبا لحل مشكلة ما، عليك التحدث إلى الشخص الذي يتعامل مع المشكلة". 

وعلى مدى الأشهر الأربعة الماضية وفي وقت استمرت التصريحات التركية حيال العلاقة مع النظام السوري، لم يبد الأخير أي بادرة إيجابية، وعلى العكس ذهب مسؤولوه على رأسهم فيصل المقداد لاستبعاد أي تواصل سياسي قريب. 

وتردد الموقف التركي بشكل أساسي على لسان الناطق باسم الرئاسة، إبراهيم كالين وزير الخارجية مولود جاويش أوغلو، وانضم إليهما إردوغان لثلاث مرّات. 

في المقابل التزم النظام السوري في الرد على ما يبديه المسؤولون الأتراك بسياقين، الأول ضمن تقارير "هجومية" نشرتها وسائل إعلام شبه رسمية، كصحيفة "الوطن"، فضلا عما يعلنه وزير خارجيته المقداد في أوقات متفرقة. 

 

"سحب أوراق" 

بعد عام 2011 تدهورت العلاقات بين تركيا والنظام السوري إلى حد كبير، ووصلت إلى مرحلة "القطيعة". ومع ذلك لم ينقطع التواصل "الاستخباراتي" بين الجانبين، لتكشف "رويترز" مؤخرا عن لقاء من هذا النوع حدث في دمشق، بحضور رئيس جهاز الاستخبارات التركي، حقان فيدان ونظيره السوري، علي مملوك. 

وجاء هذا اللقاء الذي لم ينفيه أو يؤكده الجانبان في الوقت الذي كثرت تصريحات السياسيين الأتراك بخصوص نية التواصل من أجل استئناف العلاقات، وإمكانية نقل المحادثات الاستخباراتية إلى السياسية. 

ولم يطرأ حتى الآن أي خرق على المستوى السياسي و"مسار تواصل الخارجيات"، فيما يستبعد مراقبون تحدثوا لموقع "الحرة" حصول أي شيء جديد على مستوى التقارب، معتبرين أن تكرار التصريحات، سواء من جانب الحكومة أو المعارضة "يشي بأن الملف انتخابيا بامتياز". 

وفي إطار استعداداتها للانتخابات المقبلة تعمل الحكومة التركية منذ مدة على سياسة أقرب إلى "تصفير المشاكل"، وكذلك الأمر بالنسبة لأحزاب المعارضة التي أقدمت تصدير ملفات ذات اهتمام كبير بالنسبة للشارع الداخلي، وعلى رأسها ملف اللاجئين السوريين وقضية بلادهم. 

ويشير المحلل والباحث التركي المقيم في أنقرة، عمر أوزكيزيلجيك إلى أنه وبينما أدلى المسؤولون الأتراك بتصريحات متكررة تجاه دمشق، حافظوا "على السياسة التركية على الأرض". 

ويقول في حديث لموقع "الحرة": "يمكن أن يُعزى التغيير في الخطاب التركي بشكل أساسي إلى العملية الانتخابية في تركيا". 

وتقول المعارضة التركية - جميعها باستثناء "حزب المستقبل" بزعامة أحمد داود أوغلو - إنها ستحل قضية اللاجئين السوريين من خلال تطبيع العلاقات مع نظام الأسد.  

ولذلك وفي الوقت الحالي يرى أوزكيزيلجيك أن "الحكومة تقوم بإخراج هذه الورقة السياسية من أيدي" هذه الأحزاب. 

وبالنسبة للباحث السياسي التركي، هشام جوناي فإن التصريحات المتعلقة بعلاقة تركيا بالنظام السوري الجديدة لا تخرج عن إطار "الانتخابات" ومسارات "سحب الأوراق". 

ويوضح حديثه بالقول لموقع "الحرة": "مع اقتراب الانتخابات نرى أن الملفات الحساسة بدأت تفتح الواحدة تلو الأخرى". 

ومن بين هذه الملفات التي تصدّر الحديث عنها مؤخرا، "قضية الحجاب" التي أثارها زعيم المعارضة كلشدار أوغلو، معلنا أنه جاهز لإقرار قانون يتعلق بحرية ارتدائه في الأماكن العامة. 

وسرعان ما رد إردوغان على هذه المبادرة بالإعلان عن نيته طرح قضية الحجاب في البرلمان، من أجل التصويت عليها ووضعها في الدستور.  

فيما يتعلق بملف تركيا والنظام السوري اعتبر جوناي أن أول ما أثارها سابقا هي المعارضة، إذ أرسلت وفدا إلى سوريا قبل سنوات، لتواجه برد اتهامي حينها بأنها "خائنة وتتآمر ضد البلاد بالتعامل مع شخص قتل شعبه". 

ويضيف الباحث: "اليوم إردوغان بدأ ينتهج نهجا أقوى حيال النظام السوري. في المقابل المعارضة ترد بذات الأسلوب، لأنها تقول إنها صاحبة المبادرة، وبالتالي لا تريد أن تخسر هذا الكارت". 

 

ماذا بعد الانتخابات؟ 

وحتى الآن لم يبد النظام السوري أي موقف "إيجابي" حيال المواقف التركية الجديدة، رغم أن حليفته روسيا كانت حجر الأساس في ذلك. وحتى أن رئيسها فلاديمير بوتين سبق وأن طرح على نظيره إردوغان أن يتم التواصل مع دمشق، لحل المشاكل الأمنية. 

وفي 23 من يوليو الماضي، قال المتحدث باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، إن الاتصالات مع النظام السوري تجري على مستوى أجهزة المخابرات، مؤكدا عدم وجود أي خطط للاتصال السياسي مع دمشق حاليا. 

عقب ذلك بيوم واحد، استبعد فيصل المقداد في تصريحات على هامش الدورة الـ77 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك، فرضيات التقارب بين أنقرة ودمشق، بعد مواقف سابقة كانت تهيئ المناخ لاستعادة التفاوض بشأن إعادة العلاقات. 

وأكد وزير الخارجية في حكومة النظام السوري، عدم وجود اتصالات على مستوى وزارتي الخارجية بين البلدين. 

وقبل ذلك كان قد تحدث من العاصمة موسكو، في شهر سبتمبر أن "دمشق لديها استحقاقات وليست شروطا"، مطالبا تركيا بالانسحاب من شمال سوريا، وأن "لا تبقى حتى ميليمتر واحد على الأراضي". 

و"من المستبعد جدا حدوث تقارب بين تركيا ونظام الأسد"، وفق رأي الباحث التركي، عمر أوزكيزيلجيك. 

ويوضح فكرته بالقول: "طالما أن العملية السياسية لا تكتسب زخما، ويظهر نظام الأسد استعدادا لتشكيل حكومة انتقالية وانتخابات حرة في سوريا، فإن التقارب يبدو غير مرجح. هناك حقائق على الأرض في سوريا، وكذلك الضمان التركي للمعارضة السورية الشرعية". 

لكن نظيره الباحث السياسي، هشام جوناي يتوقع أن يحصل انفتاحا في العلاقات بين دمشق وأنقرة، "إذا فاز حزب العدالة والتنمية الحاكم في الانتخابات". 

ويقول: "ما نراه توجه سريع نحو تطبيع العلاقات مع الأسد سيما بعد التقارب مع روسيا. أعتقد أنه سيتم ترجمة ذلك على الواقع، وربما سيكون هناك لقاء بين إردوغان بشار الأسد بعد الانتخابات على الفور". 

ومن جانب آخر، أشار جوناي إلى أنه "كلما اقترب موعد الانتخابات كلما احتدم الصراع بين الأحزاب، وبالتالي سنرى استخدام الأوراق على نحو أكبر"، في إشارة منه لملف علاقة تركيا بالنظام السوري. 

 

"عقبات وتحولات" 

وكانت تركيا قد قدمت، عقب عام 2011، دعما قويا سياسيا وعسكريا للمعارضة السورية، من أجل إسقاط النظام. وما تزال تمضي في هذا المسار، خاصة في مناطق ريف حلب الشمالي، ومناطق حدودية أخرى في شمال وشرق سوريا (نبع السلام). 

وتعتبر تركيا إحدى الدول الفاعلة في الملف السوري، سياسيا من خلال مسار "أستانة" الذي بلغ عدد جولاته 18 وآخر يتعلق بـ"سوتشي"، كما أنها تستضيف أكثر من 4 ملايين لاجئ سوري. 

أما عسكريا فيظهر الدور الفاعل لتركيا جليا استنادا إلى الواقع الميداني المفروض من قبل قواتها والفصائل السورية التي تدعمها على طول الحدود، والمتمثلة بتحالف "الجيش الوطني السوري". 

وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية بدت ملامح الرؤية التركية بشأن الملف السوري، محصورة بعدة أهداف، من بينها إبعاد أي تهديد لأمنها القومي على طول الحدود الشمالية من سوريا، بينما تصاعد الحديث وبشكل كبير مؤخرا عن "ملف اللاجئين" والمنطقة الآمنة، الخاصة بهم. 

علاوة على ذلك، لطالما أعلنت أنقرة مرارا أنها تدعم "العملية السياسية الخاصة بسوريا"، وأنها تؤيد أيضا لمخرجات مسار أستانة، والذي كان له الدور الأكبر في تثبيت حدود السيطرة العسكرية، بشكلها الحالي. 

وتحدث الباحث المختص بالشأن التركي، محمود علوش "تحوّلات" طرأت على السياسة الخارجية التركية في العامين الأخيرين، وأنها نتيجة لثلاثة عوامل، أولها "المُتغيّرات الإقليمية والدولية التي دفعت مختلف الأطراف بمن فيهم أنقرة إلى إحداث تحول في سياساتهم الخارجية". 

أما ثاني هذه العوامل "حاجة تركيا إلى تفكيك محاولة عزلها في صراع شرق المتوسط"، فضلا عن "التأثير الكبير لانخراطها في الصراع الإقليمي على مدى عقد على الوضع الداخلي لا سيما في جانب الاقتصاد". 

ويعتقد الباحث في حديث لموقع "الحرة" أن العوامل الثلاثة "ستبقى قائمة في فترة ما بعد الانتخابات". 

و"إن ارتبط التحول الإقليمي التركي جزئيا بحاجة إردوغان إلى تخفيف الضغط على الاقتصاد لتأمين فرص بقائه في السلطة قد يتراجع الضغط الداخلي عليه بعد الانتخابات فيما لو بقي في الحكم، لكنّه سيواصل عملية إعادة التموضع الإقليمي". 

وتسبب قضية اللاجئين السوريين "مُشكلة كبيرة لإردوغان في الداخل، وهي ورقة انتخابية قوية بيد المعارضة"، وفق علوش. 

ولطالما طرح زعيم المعارضة كلشدار أوغلو مسألة إعادة العلاقة مع دمشق لمعالجة هذه القضية، لكنّ أردوغان في الواقع استبق الانتخابات بتغيير نبرته تجاه دمشق، ويسعى بدرجة رئيسية إلى "إضعاف الورقة السورية بيد المعارضة". 

ويضيف الباحث أن "إردوغان لديه رغبة في إنهاء سريع للأزمة مع القاهرة وفتح صفحة جديدة في العلاقة مع دمشق، لكنّه يُحاول أن يكون أكثر واقعية في هذه المسألة، لأنّ فتح مسار جديد في العلاقات مع البلدين لا تزال تعترضه عقبات كبيرة". 

كما أنّه "من الواضح أن القاهرة ودمشق مُترددتان في الاستجابة للتحول التركي، وتنتظران على الأرجح نتائج الانتخابات لتقرير خطواتهما"، حسب ذات المتحدث. 

مواضيع ذات صلة:

بشار الأسد متهم بارتكاب جرائم حرب ضد السوريين
عدة مصالح تجمع موسكو وطهران منها تثبيت نظام الأسد

خلال تهنئته بمنصبه الجديد أبلغ وزير الدفاع في حكومة النظام السوري، علي محمود عباس، نظيره الإيراني العميد عزيز نصير زاده بأن "سوريا مع إيران على نفس الجبهة، وأن أمن البلدين واحد، لأن الإخوة في محور المقاومة على نفس القارب"، على حد تعبيره، وكما نقلت وكالات إيرانية.

ورغم أن هذه اللهجة الخارجة من دمشق ليست جديدة على صعيد العلاقة مع طهران، المتشكلة منذ عقود، فإنها تبدو لافتة عندما تقاس بالتوقيت الذي جاءت فيه، وبالتحركات والمشروع الذي يحاول تكريسه الحليف الثاني لبشار الأسد على الأرض، المتمثل في روسيا.

وترعى روسيا في الوقت الحالي مسار التقارب بين تركيا والنظام السوري، في مسعى منها لفرض حالة من "التهدئة والاستقرار" على الأرض، ولاعتبارات تتعلق بإنعاش الأسد اقتصاديا وفي مجالات أخرى، كما يقول خبراء ومراقبون، تحدث معهم موقع "الحرة".

وكانت موسكو قد اتبعت سياسة "هادئة" فيما يتعلق بالحرب المندلعة في غزة، وسعت لإبعاد نفسها عن دائرة المواجهة، بمواقف ترجمتها على الأرض وبالتصريحات.

وفي المقابل لا تزال إيران تؤكد على "هوية سوريا كدولة مقاومة".

وبينما شدد على ذلك المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، قبل ثلاثة أشهر عاد وزير دفاع الأسد، محمود عباس، ليثير ذات الفكرة مع نظيره الإيراني، يوم الأحد، مستخدما مصطلحات من قبيل: "مواجهة قوى الشر والمحور المتغطرس"، في إشارة منه لإسرائيل والولايات المتحدة.

ولروسيا قوات وقواعد عسكرية في سوريا، أبرزها "حميميم"، ويأخذ وجودها هناك طابع الجيش الرسمي المتمركز في مواقع استراتيجية ومعروفة في اللاذقية والعاصمة السورية دمشق.

وكان تدخلها عسكريا عام 2015 قد حرف دفة الصراع في البلاد لصالح النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، وجاء ذلك بعدما زجت إيران بالكثير من الميليشيات على الأرض لمساندة قوات الأخير ضد فصائل المعارضة.

وفي حين أن كلا الدولتين تدعمان الأسد على الأرض وفي الأروقة الدبلوماسية لا يعني ذلك أنهما تشتركان وتتقاطعان بكامل المصالح في سوريا، دون أن يعني ذلك التضارب الكامل الذي قد يؤدي للتصادم بصورته العامة، كما يقول الخبير في الشؤون السورية بمؤسسة القرن، آرون لوند.

"يختلفان.. ولكن"

ووفقا للخبير لوند من الواضح أن إيران وروسيا لديهما أولويات مختلفة في الشرق الأوسط، بما في ذلك وإلى حد ما في سوريا، ويطرح مثالا على ذلك، بقوله إن لديهما مواقف مختلفة للغاية تجاه إسرائيل.

وتحاول روسيا تجنب الصراع مع إسرائيل، بينما تخوض إيران "حربا فعلية" ضدها. كما تختلف كل من موسكو وطهران في موقفهما من تورط دول الخليج العربية في سوريا حيث يسيطر النظام السوري.

ومع ذلك، يضيف لوند أنهما "متوافقان جيدا فيما يتعلق بالقضايا السورية الأكثر أهمية، وقد تعاونا بشكل فعال لسنوات، كما يريد كلاهما ضمان بقاء بشار الأسد وإدارة الصراع لصالحه".

وغالبا ما تتكهن المعارضة السورية بوجود منافسة خطيرة مستمرة بين روسيا وإيران، وأن التحالف الروسي الإيراني سوف ينهار، مما يقوض موقف الأسد، لكن وحتى الآن لم نشهد حدوث ذلك أبدا، وفق لوند.

ويشير من ناحية أخرى إلى أنه، وبينما سيكون هناك "بعض الاحتكاك" بين موسكو وطهران، إلا أن كلاهما "يستفيد من استمرار التعاون بشأن القضايا الرئيسية".

ويتوقع لوند أن يظل الوضع على هذا النحو، "ما لم يحدث شيء استثنائي".

وكانت العلاقة بين روسيا وإيران قد أخذت منحا تصاعديا بعدما بدأت موسكو حربها ضد أوكرانيا، ومن هذا المطلق يوضح الباحث في مركز "الحوار السوري"، أحمد القربي، أن "دائرة التعاون والمصالح بينهما أكبر من نطاق سوريا".

ويقول القربي لموقع "الحرة": "هناك أوجه تعاون كثيرة ما بين إيران وروسيا تدعمها نقاط كثيرة، يرتبط جزء منها بتطورات سياسية وعسكرية والآخر بسياقات إقليمية ودولية".

ولا يمكن القول في الوقت الحالي إنه يوجد "تنافس بين روسيا وإيران في سوريا"، ويشير الباحث السوري إلى "عدة مصالح تجمعهما منها تثبيت نظام الأسد".

وانعكس ذاك المشهد المتعلق بحماية الأسد من السقوط، منذ عام 2015، حيث دائما ما كان الروس ينفذون الغارات الداعمة له من الجو بينما ينتشر ويقاتل الإيرانيون وميليشياتهم على الأرض.

ماذا عن "نموذج الدولة"؟

ومن مصلحة روسيا في الوقت الحالي أن يستعيد النظام السوري كل أراضيه وأن تكون سوريا مركزا مهما باعتبارها دولة عربية "مستقرة"، مما يزيد من نقاط موسكو ويعزز من مصالحها، كما يرى المحلل السياسي السوري، محمود الفندي.

ويقول الفندي المقيم في موسكو لموقع "الحرة" إنه في المقابل "تريد طهران أن تظّل الحكومة السورية ضعيفة، وأن تبقى في إطار ما يعرف بمحور المقاومة والممانعة".

وحتى الآن لا ترى إيران مصلحة في "إعادة القوة" لسوريا، وأن تعود إلى الحضن العربي أو تعيد علاقاتها كاملة مع تركيا، وفق الفندي.

ويعتبر أن تحقيق ذلك "سيؤدي إلى فقدان إيران لأسهمها في سوريا"، مردفا أن "مصلحة إيران في سوريا الآن كما عمل النظام السوري في لبنان قبل سنوات. كان يريده ضعيفا بشكل دائم".

ومن جهته يشير الباحث السوري القربي إلى أن وجهة نظر إيران في سوريا تقوم على "تشكيل ميليشيات خارج مؤسسات الدولة"، وتختلف بذلك عن روسيا التي تدعم "نموذج الدولة المركزية".

لكن القربي لا يرى أن ما سبق يعني أن موسكو وطهران بينهما الكثير من المشاكل والتنافس.

ويضيف أنه "توجد مصلحة استراتيجية للطرفين في الحفاظ على نظام الأسد"، والتصدي للنفوذ الأميركي في شرق سوريا والحد منه، فضلا عن موقفهما المشترك ضد المعارضة السورية ورفض "قضية الثورة".

"القارب" روسي أم إيراني؟

ولا يعرف حتى الآن الشكل الذي ستكون عليه سوريا المقسمة بين 4 مناطق تشرف عليها جهات تتضارب فيما بينها بالكثير من القضايا العسكرية والسياسية والاقتصادية ونماذج الحكم.

وتتجه الأنظار في الوقت الحالي إلى ما ستؤول إليه التطورات المتعلقة بخط التطبيع ما بين أنقرة والنظام السوري، الذي تدعمه روسيا على نحو كبير.

وتشترك تركيا وروسيا وإيران في مسار "أستانة"، وتضبط هذه الدول الثلاث منذ سنوات خطوط الجبهة التي تفصل بين مناطق الصراع.

ويعتقد الباحث السوري القربي أن "الاختبار المرتبط بالتطبيع بين الأسد وتركيا سيقدم مؤشرا جيدا بشأن إلى أي مدى يمكن أن تتخلى موسكو وطهران عن بعضهما في سوريا".

ويؤكد في المقابل أن جملة المصالح السياسية الاستراتيجية بين إيران وروسيا لا تعني أن حليفي الأسد "يتوافقان في جميع المجالات"، خاصة الجانب الاقتصادي وتركيبة النظام السوري ككل.

ويعتقد المحلل السياسي الفندي أن "إيران تحاول عرقلة مسار التطبيع السوري التركي"، ولذلك تحرض من الخلف بشأن مسألة انسحاب القوات التركية من سوريا.

ويقول من ناحية أخرى، إن "الوجود الإيراني كميليشيات يرتبط بضعف سوريا، وعندما يكون هناك جيش فلا داعي لبقاء الميليشيات والحرس الثوري".

لكن الفندي يستبعد أن يكون هناك تصادم كبير بين الروس والإيرانيين في سوريا، ويضيف أن موسكو تحاول إدارة علاقتها مع طهران بالتوازي مع "تقوية سوريا من خلف الستار على صعيد المؤسسات والجيش".

ومن المستبعد أن يضحي النظام السوري بعلاقاته الاستراتيجية والعضوية مع إيران في المستقبل القريب، كما يرجح الباحث السوري، أحمد القربي، وذلك لأن الأمر "خارج إرادته"، وهو ما بدا واضحا بعد التطبيع العربي مع دمشق.

ويوضح الباحث أن "كل المؤشرات تذهب باتجاه أن نظام الأسد لا يمتلك الإرادة في التخلي عن إيران.. ولو كانت هناك ضغوط روسية".