"لا مكان للخصومة الدائمة في السياسة". هذه أحدث تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رداً على سؤال حول إمكانية إجراء لقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد.
تصريح أردوغان ما هو إلا حلقة في سلسلة من التصريحات الرسمية التركية التي تكشف استدارة في الموقف من النظام السوري، الذي وصفه أردوغان مراراً بـ "الإرهابي" و"القاتل" ودعا في غير مناسبة إلى استخدام القوة العسكرية لإسقاطه، علاوة على تسليح وتدريب فصائل المعارضة السورية المسلحة.
حَكم العداء العلاقات التركية- السورية على مدّى أكثر من 11 عاماً، وتحديداً منذ انطلاق "الثورة السورية" في مارس 2011، وتحولها إلى صراع دامٍ. عداء لم يتوقف عند حدود التصريحات والمواقف "غير الدبلوماسية" المتبادلة، من وزن وصف الرئيس السوري، بشار الأسد، لأردوغان بـ "الكاذب" و "اللص"، رداً على مواقف أردوغان المؤيدة للثورة والداعية إلى إسقاط الأسد.
الرئيس بشار الأسد لم يقم عام 2011 بنقض وخيانة أكثر من 50 معاهدة حسن جوار وتعاون مع تركيا ، ولم يقم بالاعتداء على الدولة التركية وإضعافها لصالح زيادة نفوذ اسرائيل عليها ، بل تركيا بقيادة أردوغان
— Lovethesky0012 (@lovethesky0012) November 24, 2022
المنا فق والعميل لليهو d هو من قدم نفسه رأس حربة لليهو d ضد سوريا pic.twitter.com/4h8GonGL9i
وعلى الأرض، تدخلت تركيا عسكرياً في المشهد السوري، فشنّت منذ عام 2016 عمليات عسكرية متواصلة في سوريا ضد المقاتلين الأكراد، تحت مبرر القضاء على الإرهاب، إضافة إلى فتح أراضيها أمام المعارضة السورية السياسية والعسكرية، وتدريب وتسليح المقاتلين السوريين. في المقابل، اتهمت أنقرة دمشق بدعم وتسليح المقاتلين الأكراد في مواجهة تركيا.
من التحالف إلى العداء
شهدت العلاقات التركية-السورية قبل عام 2011، تطوراً كبيراً على مختلف الأصعدة، السياسية منها والاقتصادية، والأمنية.
وبلغ التقارب في عام 2008 مداه، لدرجة رعت تركيا مفاوضات سلام سورية- إسرائيلية غير مباشرة.
غير أن التحالف تَدَاعى على نحو سريع بعد مارس 2011، إذ سرعان ما انحازت القيادة التركية إلى "إرادة السوريين" في التغيير، منتقدة عنف النظام السوري في التعامل مع المتظاهرين، ليبدأ فصل العداء، الذي نستعرض أبرز محطاته:
في أبريل 2011، أي شهرا واحدا بعد اندلاع التظاهرات، دعت تركيا النظام السوري إلى إصلاح سياسي حقيقي، ووقف التعاطي الأمني مع المتظاهرين "قبل فوات الأوان"، بالتزامن مع استدعاء السفير التركي لدى سوريا، وهو ما عدته دمشق "تدخلا سافراً في شؤونها الداخلية".
في يونيو من نفس العام، انتقد رئيس الجمهورية التركي، عبد الله غول، الرئيس الأسد، معتبراً أن حديثه عن الإصلاحات "غير كافٍ".
بعد أيام من الذكرى الأوّلى على انطلاق "الثورة"، وتحديداً في 26 مارس 2012، قرّرت تركيا إغلاق سفارتها في دمشق بسبب تدهور الوضع الأمني، وفي مسعى معلن لزيادة الضغط على النظام السوري وعزله. بالتزامن مع ذلك، فتحت أنقرة الباب أمام المعارضة السورية لتنظيم مؤتمر لبحث "سبل الإطاحة بالأسد".
في الأول من أبريل 2012، التأم في إسطنبول المؤتمر الثاني لمجموعة "أصدقاء سوريا" بحضور ممثلين عن 80 دولة، وأطراف من المعارضة السورية، والذي شهد الاعتراف بـ" المجلس الوطني السوري" المعارض ممثلاً "شرعياً" للسوريين، وتجديد الدعوات لعزل النظام السوري عبر مواصلة سحب السفراء من دمشق.
وسرعان ما تطور الاشتباك السياسي في العام نفسه إلى احتكاك عسكري كاد أن ينفجر إلى مواجهة شاملة، عندما أقدمت الدفاعات الجوية السورية في 22 يونيو 2012، على إسقاط طائرة عسكرية تركية لاختراقها المجال الجوي السوري، وهو ما نفته أنقرة التي صوت برلمانها في أكتوبر 2012 على منح الحكومة صلاحيات للقيام بعمليات عسكرية في سوريا.
عام 2013، شهد تطوراً ملحوظاً في المواقف "العدائية"، حيث دافع رئيس الوزراء التركي – آنذاك-، رجب طيب أردوغان، عن تدخل عسكري في سوريا بهدف إسقاط النظام السوري، ووصف الأسد بـ"القاتل" و"المجرم". بالمقابل، خرج الأسد في سلسلة مقابلات تلفزيونية وصف فيها أردوغان بـ "اللص" و" الكاذب" و"المنافق".
صعود أروغان إلى الرئاسة التركية في أغسطس 2014، عزز من "العدائية". وفيما باشرت تركيا تسليح المعارضة السورية وتدريب عناصرها، ربطت دمشق بين داعش والنظام التركي الذي اتهمته بتسهيل دخول الإرهابيين إلى البلاد.
وشهد أغسطس 2016 أول عملية عسكرية تركية داخل الأراضي السورية، تحت مسمى "درع الفرات". وفيما أعلنت أنقرة أن الهدف من العملية القضاء على الجماعات الإرهابية، اعتبرتها دمشق تعدياً على سيادتها. تكررت العمليات العسكرية التركية في سوريا، وأقامت أنقرة قواعد عسكرية وصفها النظام السوري بـ"الاحتلال".
واصلت العلاقة التركية-السورية على ذات المنوال. في 27 ديسمبر 2017، أدلى أردوغان خلال لقائه الرئيس التونسي، باجي قائد السبسي، بتصريح هو الأكثر حدة بحق النظام السوري قائلاً: "بشار الأسد إرهابي، يمارس إرهاب الدولة. من المستحيل أن نستمر مع الأسد. وكيف نفتح أذرعنا للمستقبل مع وجود الرئيس السوري الذي قتل ما يقرب من مليون مواطن".
استدارة مفاجئة
كما شكلت "العدائية" حالة تصاعدية، جاءت الاستدارة كذلك. بمجرد أن كشف وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو في أغسطس الماضي، عن "المحادثة القصيرة" التي أجراها مع نظيره السوري، فيصل مقداد، لم تتوقف دعوات التقارب التركية مع دمشق، التي بدأها وزير الخارجية بالدعوة إلى "مصالحة بين المعارضة والنظام".
وعلى المستوى الأمني نشرت وكالة "رويترز" في سبتمبر الماضي تقريراً عن لقاء جمع رئيس المخابرات الوطنية التركية حقان فيدان برئيس المخابرات السورية على مملوك، في العاصمة دمشق.
وفي أكتوبر الماضي، وخلال مشاركته في قمة أوروبية موسعة، أعلن أردوغان أنه مستعد للقاء الأسد عندما يكون الوقت مناسباً.
