أعلن أردوغان أن لقاء الأسد أمر غير مستحيل.
أعلن أردوغان أن لقاء الأسد أمر غير مستحيل.

"لا مكان للخصومة الدائمة في السياسة". هذه أحدث تصريحات الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، رداً على سؤال حول إمكانية إجراء لقاء مع الرئيس السوري بشار الأسد.

تصريح أردوغان ما هو إلا حلقة في سلسلة من التصريحات الرسمية التركية التي تكشف استدارة في الموقف من النظام السوري، الذي وصفه أردوغان مراراً بـ "الإرهابي" و"القاتل" ودعا في غير مناسبة إلى استخدام القوة العسكرية لإسقاطه، علاوة على تسليح وتدريب فصائل المعارضة السورية المسلحة.

حَكم العداء العلاقات التركية- السورية على مدّى أكثر من 11 عاماً، وتحديداً منذ انطلاق "الثورة السورية" في مارس 2011، وتحولها إلى صراع دامٍ. عداء لم يتوقف عند حدود التصريحات والمواقف "غير الدبلوماسية" المتبادلة، من وزن وصف الرئيس  السوري، بشار الأسد، لأردوغان بـ "الكاذب" و "اللص"، رداً على مواقف أردوغان المؤيدة للثورة والداعية إلى إسقاط الأسد.

وعلى الأرض، تدخلت تركيا عسكرياً في المشهد السوري، فشنّت منذ عام 2016 عمليات عسكرية متواصلة في سوريا ضد المقاتلين الأكراد، تحت مبرر القضاء على الإرهاب، إضافة إلى فتح أراضيها أمام المعارضة السورية السياسية والعسكرية، وتدريب وتسليح المقاتلين السوريين. في المقابل، اتهمت أنقرة دمشق بدعم وتسليح المقاتلين الأكراد في مواجهة تركيا.

 

من التحالف إلى العداء

 

شهدت العلاقات التركية-السورية قبل عام 2011، تطوراً كبيراً على مختلف الأصعدة، السياسية منها والاقتصادية، والأمنية.

وبلغ التقارب في عام 2008 مداه، لدرجة رعت تركيا مفاوضات سلام سورية- إسرائيلية غير مباشرة.

غير أن التحالف تَدَاعى على نحو سريع بعد مارس 2011، إذ سرعان ما انحازت القيادة التركية إلى "إرادة السوريين" في التغيير، منتقدة عنف النظام السوري في التعامل مع المتظاهرين، ليبدأ فصل العداء، الذي نستعرض أبرز محطاته:

في أبريل 2011، أي شهرا واحدا بعد اندلاع التظاهرات، دعت تركيا النظام السوري إلى إصلاح سياسي حقيقي، ووقف التعاطي الأمني مع المتظاهرين "قبل فوات الأوان"، بالتزامن مع استدعاء السفير التركي لدى سوريا، وهو ما عدته دمشق "تدخلا سافراً في شؤونها الداخلية".

في يونيو من نفس العام، انتقد رئيس الجمهورية التركي، عبد الله غول، الرئيس الأسد، معتبراً أن حديثه عن الإصلاحات "غير كافٍ".

بعد أيام من الذكرى الأوّلى على انطلاق "الثورة"، وتحديداً في 26 مارس 2012، قرّرت تركيا إغلاق سفارتها في دمشق بسبب تدهور الوضع الأمني، وفي مسعى معلن لزيادة الضغط على النظام السوري وعزله. بالتزامن مع ذلك، فتحت أنقرة الباب أمام المعارضة السورية لتنظيم مؤتمر لبحث "سبل الإطاحة بالأسد".

في الأول من أبريل 2012، التأم في إسطنبول المؤتمر الثاني لمجموعة "أصدقاء سوريا" بحضور ممثلين عن 80 دولة، وأطراف من المعارضة السورية، والذي شهد الاعتراف بـ" المجلس الوطني السوري" المعارض ممثلاً "شرعياً" للسوريين، وتجديد الدعوات لعزل النظام السوري عبر مواصلة سحب السفراء من دمشق.

وسرعان ما تطور  الاشتباك السياسي في العام نفسه إلى احتكاك عسكري كاد أن ينفجر إلى مواجهة شاملة، عندما أقدمت الدفاعات الجوية السورية في 22 يونيو 2012، على إسقاط طائرة عسكرية تركية لاختراقها المجال الجوي السوري، وهو ما نفته أنقرة التي صوت برلمانها في أكتوبر 2012 على منح الحكومة صلاحيات للقيام بعمليات عسكرية في سوريا.

عام 2013، شهد تطوراً ملحوظاً في المواقف "العدائية"، حيث دافع رئيس الوزراء التركي – آنذاك-، رجب طيب أردوغان، عن تدخل عسكري في سوريا بهدف إسقاط النظام السوري، ووصف الأسد بـ"القاتل" و"المجرم". بالمقابل، خرج الأسد في سلسلة مقابلات تلفزيونية وصف فيها أردوغان بـ "اللص" و" الكاذب" و"المنافق".

صعود أروغان إلى الرئاسة التركية في أغسطس 2014، عزز من "العدائية". وفيما باشرت تركيا تسليح المعارضة السورية وتدريب عناصرها، ربطت دمشق بين داعش والنظام التركي الذي اتهمته بتسهيل دخول الإرهابيين إلى البلاد.

وشهد أغسطس 2016 أول عملية عسكرية تركية داخل الأراضي السورية، تحت مسمى "درع الفرات". وفيما أعلنت أنقرة أن الهدف من العملية القضاء على الجماعات الإرهابية، اعتبرتها دمشق تعدياً على سيادتها. تكررت العمليات العسكرية التركية في سوريا، وأقامت أنقرة قواعد عسكرية وصفها النظام السوري بـ"الاحتلال".

واصلت العلاقة التركية-السورية على ذات المنوال. في 27 ديسمبر 2017، أدلى أردوغان خلال لقائه الرئيس التونسي، باجي قائد السبسي، بتصريح هو الأكثر حدة بحق النظام السوري قائلاً: "بشار الأسد إرهابي، يمارس إرهاب الدولة. من المستحيل أن نستمر مع الأسد. وكيف نفتح أذرعنا للمستقبل مع وجود الرئيس السوري الذي قتل ما يقرب من مليون مواطن".

 

استدارة مفاجئة

 

كما شكلت "العدائية" حالة تصاعدية، جاءت الاستدارة كذلك. بمجرد أن كشف وزير الخارجية التركي، مولود تشاووش أوغلو في أغسطس الماضي، عن "المحادثة القصيرة" التي أجراها مع نظيره السوري، فيصل مقداد، لم تتوقف دعوات التقارب التركية مع دمشق، التي بدأها وزير الخارجية بالدعوة إلى "مصالحة بين المعارضة والنظام".

وعلى المستوى الأمني نشرت وكالة "رويترز" في سبتمبر الماضي تقريراً عن لقاء جمع رئيس المخابرات الوطنية التركية حقان فيدان برئيس المخابرات السورية على مملوك، في العاصمة دمشق.

وفي أكتوبر الماضي، وخلال مشاركته في قمة أوروبية موسعة، أعلن أردوغان أنه مستعد للقاء الأسد عندما يكون الوقت مناسباً.

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".