ما زال الغموض يكتنف مصير مدينة "دورا أوروبوس" الأثرية قرب دير الزور السورية، بعد اندحار تنظيم داعش عام 2018. وخلافاً للمواقع الأثرية الأخرى التي وقعت في قبضة التنظيم الإرهابي منذ عام 2013، مثل تدمر، والحضر، والمدن الآشورية القديمة في نواحي الموصل، لم تحظ "دورا أوروبس" باهتمام إعلامي يذكر، ولم يصدر حتى اللحظة أي تقرير يبين حجم الخراب الذي أصابها نتيجة التنقيبات العشوائية.
والمعروف أن أكثر المواد الأثرية تعرضاً للتلف نتيجة هذه التنقيبات هي البرديات والرقوق، وهي وثائق مكتوبة يُحتفظ بها على شكل لفافات في أرشيفات الأبنية الرسمية القديمة، والمعابد. وتعد دورا أوروبوس من أهم المواقع المشرقية العائدة للعصور الكلاسيكية غنى بهذا النوع من الوثائق.
وبينت صور فضائية أثناء سيطرة داعش على المدينة؛ حفريات شملتها بالكامل تقريبا، وهو ما يعني أن خراباً كبير أصاب الطبقات الأثرية، يصعب بعد ذلك تعويضه، حيث ذكرت مصادر محلية قبل سنوات، أن "ديوان الركاز" في داعش أعطى "امتياز" التنقيب في "دورا أوروبوس" لمنقبين محليين مقابل مبالغ مقطوعة ونسبة معينة من ثمن المعثورات، علماً أن بعثات التنقيب الدولية التي عملت في المدينة لم تستكشف أكثر من 20 بالمائة من آثارها.
The ancient city of Dura-Europos. Destroyed and looted by #ISIS in #Syria. The first pic is from 2011 & shows regular excavations. The next is from 2018 and shows countless holes & tunnels used to steal and destroy. #archeology pic.twitter.com/peCeDpcwqR
— Jacob Bogle (@JacobBogle) February 26, 2019
مدينة سلوقية
تأسست "دورا أوروبوس" كمدينة هلنستية في العصر السلوقي، حوالي 300 قبل الميلاد، على الضفة اليمنى لنهر الفرات، أسفل مصب نهر الخابور بقليل.
وخضعت للإمبراطورية البارثية في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد؛ قبل أن يستخلصها الرومان منهم حوالي عام 165م، واحتفظوا بها قرابة قرن من الزمان حتى دمرها الملك الفارسي شابور الأول عام 256 م، فاختفى ذكرها من السجلات التاريخية منذ ذلك التاريخ، إلى أن عثرت عليها في العام 1920 الكتيبة الهندية العاملة في الجيش البريطاني، والتي كانت ترابط في المكان.
وفور ذلك الإعلان، حضر عالم الآثار والمؤرخ الأميركي جيمس هنري بريستيد، وأعلن أنه تم العثور على المدينة الهلنستية المفقودة، والتي حير موقعها العلماء، حيث إن دورا كانت معروفة جداً في المصادر الكلاسيكية، وبعد ذلك بدأت عمليات التنقيب التي كشفت عن كنوز تاريخية لا تقدر بثمن، ومن ضمنها البرديات والرقوق ذات المواضيع المتنوعة: دينية، وقانونية، وعسكرية، وبدرجة أقل أدبية.
كتبت هذه الوثائق، المحفوظة في جامعة يال الأميركية، باليونانية، واللاتينية، والفارسية الوسطى، والآرامية، والسريانية، والعبرية. ويوضح تنوع هذه اللغات حجم التفاعل الحضاري في "دورا أوروبوس"، إذ عثر على معابد لغالبية الأديان التي كانت سائدة في ذلك العصر، من المعابد الوثنية الرومانية، إلى معبد فارسي للربة أناهيتا، إلى كنيس يهودي فريد من نوعه يضم رسومات ملونة غاية في الندرة عن قصص العهد القديم، إلى أقدم كنيسة مسيحية مكتشفة في العالم حتى اليوم، إلى معابد تدمرية تنافس تلك الموجودة في تدمر نفسها.
مخطوطات مسحية ويهودية
ومن أهم الرقوق الدينية المكتشفة، والتي تعد من أقدم الوثائق المتعلقة بالكتاب المقدس المسيحي الرق رقم 24. وهو صفحة من كتاب "دياطيسارون" الذي وضعه تاتيان السوري، ويحوي حياة المسيح مأخوذة عن الأناجيل الأربعة، وهو النص الذي ظلت الكنيسة السريانية تستخدمه في الصلوات حتى القرن الخامس الميلادي.
وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في قدمه، فهو يعود إلى العام 170م، وهو ما يشير إلى اعتماد الأناجيل القانونية الأربعة: متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا بشكل أو بآخر منذ ذلك الوقت المبكر، خلافاً لبعض النظريات التي تتحدث عن تأخر هذا الاعتماد إلى مجمع نيقية في العام 325 م، في مقابل رفض عشرات الأناجيل المنحولة، التي دعيت فيما بعد باسم "أبو كريفا".
معد هذا الكتاب وهو تاتيان السوري، صاحب أقدم جماعة نسكية في تاريخ المسيحية، والمولود عام 130 م، شرقي مدينة حلب لعائلة وثنية عالية النسب وغنية جدًا، فتعلم البلاغة والفلسفة اليونانية، لكنه كره فلاسفة عصره بسبب حبهم للمال وأخلاقياتهم الفاسدة، بحسب رأيه، وناصب الحضارة اليونانية العداء بفلسفتها وفنونها وعلومها ولغتها، كما انتقد عجرفة الرومان وحبهم للسلطة وإقبالهم على متع الحياة، كما كان يرى.
اعتنق تاتيان المسيحية في روما على يد القديس جاستن عام 150م، لكنه اختط لنفسه اتجاهاً خاصاً، ووصف بالتطرف في آرائه، فقد أقام أول جماعة نسكية تسمى الإنكراتيين حرّمت أكل اللحوم، ونظرت إلى الزواج كزنا، ومنعت شرب الخمر، واستعاضت عنه بالماء في طقس الأفخارستيا (سر التناول: طقس تناول قطعة صغيرة ورقيقة من الخبز من يد القس في الكنيسة)، وذلك قبل ظهور أول رهبنة مسيحية في مصر بقرنين على الأقل.
وثائق عسكرية
هناك وثيقتان عسكريتان غاية في الأهمية يزيد عدد لفائف الواحدة منهما على 40 لفافة، وتاريخهما 219- 220 م، من زمن الامبراطور ايلجبالوس. تكشف هاتان الوثيقتان عن المناصب والحاميات العسكرية الرومانية التابعة لقيادة الجيش الروماني في دورا أوروبوس، وأسماء الضباط المسؤولين عنها. ويبدو في هذه الوثائق اسم حصن أو قلعة العرب "كاستيللو أرابوم" كموقع رئيسي يرأسه ضابط كبير يدعى بارسمسي ويحمل لقب فاريوس، وهي إشارة إلى مدينة الحضر قرب الموصل.
واللافت في هذه الوثيقة ازدواج أسماء الضباط بين العربية-الآرامية، والرومانية مثل فاريوس برشمسي، وأورليوس زبيدا، وأورليوس عزيزوس، وأورليوس بولاني، وأورليوس تيم أرصو سلمان، وأورليوس يرحاي، وأورليوس عبد اللات، وأورليوس زبدبول، وأورليوس عبد عشتار، وأورليوس عبد الله، وغير ذلك.
أما اسماء الحاميات الرومانية الوارد ذكرها في الوثائق فهي بالإضافة إلى حصن العرب، أبادانا، وهي تل فديان قرب البصيرة في دير الزور، وبيرتا (وهي هي البيرة أو بيراجيك الحالية على نهر الفرات في تركيا)، ومجدلا، ويرجح أنها مجدل رشو في جبل سنجار، وبارباليسوس وهي حصن بالس على الفرات قرب جرابلس، وغيرها.
سجل نادر للأعياد الرومانية
ولعل أندر برديات دورا أوروبوس السجل المفصل لأعياد الامبراطورية الرومانية المعروف باسم فيريالي دورانوم،، والمكتوب باللاتينية، ويتضمن جدولاً بالأعياد والمناسبات التي تحتفل فيها الامبراطورية الرومانية في عهد الامبراطور ألكسندر سفيروس، حيث كانت تقام في أيام معينة من السنة.
وكما توضح الوثيقة، فالأعياد لا تقتصر على تقديم القرابين للآلهة، بل للأباطرة المؤلهين، أمثال ماركوس أورليوس، وتراجان، وسبتيموس سفيروس، وغيرهم. كما يلاحظ تأليه شخصيات غير إمبراطورية مثل جوليا ميسا الحمصية، جدة الإمبراطورين إيلجبالوس وألكسندر سفيروس.
أما الآلهة التي كانت تقام لها الاحتفالات فهي جوبتير (الذي يعادل بعل شمائين)، وجونو (التي تعادل أترغاتس)، ومنيرفا التي (تعادل اللات)، بالإضافة لربة النصر، ورب الحرب الروماني مارس، وإله الحرية (ليبر باتر) وإلهة السلام، وإلهة قبس النار (فيستا).
وتتضمن هذه الاحتفالات بالإضافة إلى الأضاحي والقرابين، مهرجانات وألعاب رياضية مكرسة لبعض الآلهة. والملاحظ أن غالبية الاحتفالات ينحر فيها ثيران وأبقار، وبعضها يُكتفى بحرق البخور وقراءة الصلوات العامة.
ويتضمن التقويم الروماني ثلاثة مصطلحات هي "كاليند"، و"نونيس"، و"إيديس"، وهي طريقة معقدة لحساب الأيام القمرية بالاستناد إلى الشهور الشمسية، بما في ذلك إضافة أيام، وحذف أيام للمواءمة بين التقويمين الشمسي والقمري، لأن الأعياد كانت تقام وفق حسابات قمرية.
