لوحة جدارية في كنيس يهودي في المتحف الوطني بسوريا تُظهر "يد الله" تمتد إلى الناس. تم اكتشاف الكنيس في موقع مدينة دورا أوروبوس الأثرية على ضفاف نهر الفرات، والتي يعود تاريخها إلى حوالي 300 قبل الميلاد.
لوحة جدارية في كنيس يهودي في المتحف الوطني بسوريا تُظهر "يد الله" تمتد إلى الناس. تم اكتشاف الكنيس اليهودي في موقع مدينة دورا أوروبوس الأثرية على ضفاف نهر الفرات، والتي يعود تاريخها إلى حوالي 300 قبل الميلاد.

ما زال الغموض يكتنف مصير مدينة "دورا أوروبوس" الأثرية قرب دير الزور السورية، بعد اندحار تنظيم داعش عام 2018. وخلافاً للمواقع الأثرية الأخرى التي وقعت في قبضة التنظيم الإرهابي منذ عام 2013، مثل تدمر، والحضر، والمدن الآشورية القديمة في نواحي الموصل، لم تحظ "دورا أوروبس" باهتمام إعلامي يذكر، ولم يصدر حتى اللحظة أي تقرير يبين حجم الخراب الذي أصابها نتيجة التنقيبات العشوائية.

والمعروف أن أكثر المواد الأثرية تعرضاً للتلف نتيجة هذه التنقيبات هي البرديات والرقوق، وهي وثائق مكتوبة يُحتفظ بها على شكل لفافات في أرشيفات الأبنية الرسمية القديمة، والمعابد. وتعد دورا أوروبوس من أهم المواقع المشرقية العائدة للعصور الكلاسيكية غنى بهذا النوع من الوثائق.

وبينت صور فضائية أثناء سيطرة داعش على المدينة؛ حفريات شملتها بالكامل تقريبا، وهو ما يعني أن خراباً كبير أصاب الطبقات الأثرية، يصعب بعد ذلك تعويضه، حيث ذكرت مصادر محلية قبل سنوات، أن "ديوان الركاز" في داعش أعطى "امتياز" التنقيب في "دورا أوروبوس" لمنقبين محليين مقابل مبالغ مقطوعة ونسبة معينة من ثمن المعثورات، علماً أن بعثات التنقيب الدولية التي عملت في المدينة لم تستكشف أكثر من 20 بالمائة من آثارها.

 

مدينة سلوقية

 

تأسست "دورا أوروبوس" كمدينة هلنستية في العصر السلوقي، حوالي 300 قبل الميلاد، على الضفة اليمنى لنهر الفرات، أسفل مصب نهر الخابور بقليل.

وخضعت للإمبراطورية البارثية في نهاية القرن الثاني قبل الميلاد؛ قبل أن يستخلصها الرومان منهم حوالي عام 165م، واحتفظوا بها قرابة قرن من الزمان حتى دمرها الملك الفارسي شابور الأول عام 256 م، فاختفى ذكرها من السجلات التاريخية منذ ذلك التاريخ، إلى أن عثرت عليها في العام 1920 الكتيبة الهندية العاملة في الجيش البريطاني، والتي كانت ترابط في المكان.

موظف في هيئة الآثار الإسرائيلية في أحد مواقع  بنياس الأثرية، في هضبة الجولان، في نوفمبر 2020.
مذكورة في الإنجيل.. كنز ذهبي يسلط الضوء على مدينة بانياس الأثرية
قبل يومين، أعلنت سلطة الآثار الإسرائيلية عن اكتشاف كنز أثري "مهم للغاية" في موقع بلدة بانياس في الجولان السوري، والتي تقوم على أنقاض مدينة قديمة عرفت أثناء حياة السيد المسيح، في الموروث المسيحي، باسم قيصرية فيليبي.

وفور ذلك الإعلان، حضر عالم الآثار والمؤرخ الأميركي جيمس هنري بريستيد، وأعلن أنه تم العثور على المدينة الهلنستية المفقودة، والتي حير موقعها العلماء، حيث إن دورا كانت معروفة جداً في المصادر الكلاسيكية، وبعد ذلك بدأت عمليات التنقيب التي كشفت عن كنوز تاريخية لا تقدر بثمن، ومن ضمنها البرديات والرقوق ذات المواضيع المتنوعة: دينية، وقانونية، وعسكرية، وبدرجة أقل أدبية.

كتبت هذه الوثائق، المحفوظة في جامعة يال الأميركية، باليونانية، واللاتينية، والفارسية الوسطى، والآرامية، والسريانية، والعبرية. ويوضح تنوع هذه اللغات حجم التفاعل الحضاري في "دورا أوروبوس"، إذ عثر على معابد لغالبية الأديان التي كانت سائدة في ذلك العصر، من المعابد الوثنية الرومانية، إلى معبد فارسي للربة أناهيتا، إلى كنيس يهودي فريد من نوعه يضم رسومات ملونة غاية في الندرة عن قصص العهد القديم، إلى أقدم كنيسة مسيحية مكتشفة في العالم حتى اليوم، إلى معابد تدمرية تنافس تلك الموجودة في تدمر نفسها.

 

مخطوطات مسحية ويهودية

 

ومن أهم الرقوق الدينية المكتشفة، والتي تعد من أقدم الوثائق المتعلقة بالكتاب المقدس المسيحي الرق رقم 24. وهو صفحة من كتاب "دياطيسارون" الذي وضعه تاتيان السوري، ويحوي حياة المسيح مأخوذة عن الأناجيل الأربعة، وهو النص الذي ظلت الكنيسة السريانية تستخدمه في الصلوات حتى القرن الخامس الميلادي.

وتكمن أهمية هذا الاكتشاف في قدمه، فهو يعود إلى العام 170م، وهو ما يشير إلى اعتماد الأناجيل القانونية الأربعة: متى، ومرقص، ولوقا، ويوحنا بشكل أو بآخر منذ ذلك الوقت المبكر، خلافاً لبعض النظريات التي تتحدث عن تأخر هذا الاعتماد إلى مجمع نيقية في العام 325 م، في مقابل رفض عشرات الأناجيل المنحولة، التي دعيت فيما بعد باسم "أبو كريفا".

معد هذا الكتاب وهو تاتيان السوري، صاحب أقدم جماعة نسكية في تاريخ المسيحية، والمولود عام 130 م، شرقي مدينة حلب لعائلة وثنية عالية النسب وغنية جدًا، فتعلم البلاغة والفلسفة اليونانية، لكنه كره فلاسفة عصره بسبب حبهم للمال وأخلاقياتهم الفاسدة، بحسب رأيه، وناصب الحضارة اليونانية العداء بفلسفتها وفنونها وعلومها ولغتها، كما انتقد عجرفة الرومان وحبهم للسلطة وإقبالهم على متع الحياة، كما كان يرى.

اعتنق تاتيان المسيحية في روما على يد القديس جاستن عام 150م، لكنه اختط لنفسه اتجاهاً خاصاً، ووصف بالتطرف في آرائه، فقد أقام أول جماعة نسكية تسمى الإنكراتيين حرّمت أكل اللحوم، ونظرت إلى الزواج كزنا، ومنعت شرب الخمر، واستعاضت عنه بالماء في طقس الأفخارستيا (سر التناول: طقس تناول قطعة صغيرة ورقيقة من الخبز من يد القس في الكنيسة)، وذلك قبل ظهور أول رهبنة مسيحية في مصر بقرنين على الأقل.

 

وثائق عسكرية

 

هناك وثيقتان عسكريتان غاية في الأهمية يزيد عدد لفائف الواحدة منهما على 40 لفافة، وتاريخهما 219- 220 م، من زمن الامبراطور ايلجبالوس. تكشف هاتان الوثيقتان عن المناصب والحاميات العسكرية الرومانية التابعة لقيادة الجيش الروماني في دورا أوروبوس، وأسماء الضباط المسؤولين عنها. ويبدو في هذه الوثائق اسم حصن أو قلعة العرب "كاستيللو أرابوم" كموقع رئيسي يرأسه ضابط كبير يدعى بارسمسي ويحمل لقب فاريوس، وهي إشارة إلى مدينة الحضر قرب الموصل.

صورة التقطت عام 2010، تظهر معبد مرن الهلنستي في قلعة مدينة الحضر القديمة التي يعود تاريخها إلى أكثر من 2000 عام.
تتعافى من كارثة داعش.. تعرف على مملكة الحضر القديمة
دمر داعش واجهات المعابد، وحطم التماثيل الموجودة في المكان بدعوى أنها "أصنام شركية"، وقام بحفريات عشوائية بحثاً عن دفائن وكنوز، مستعيناً بمهربي آثار محترفين كانوا يحصلون على امتياز تنقيب مما سمي بـ"ديوان الركاز"، الأمر الذي ترك خراباً واسعاً يحتاج مواسم عدة من الترميم والإصلاح.

واللافت في هذه الوثيقة ازدواج أسماء الضباط بين العربية-الآرامية، والرومانية مثل فاريوس برشمسي، وأورليوس زبيدا، وأورليوس عزيزوس، وأورليوس بولاني، وأورليوس تيم أرصو سلمان، وأورليوس يرحاي، وأورليوس عبد اللات، وأورليوس زبدبول، وأورليوس عبد عشتار، وأورليوس عبد الله، وغير ذلك.

أما اسماء الحاميات الرومانية الوارد ذكرها في الوثائق فهي بالإضافة إلى حصن العرب، أبادانا، وهي تل فديان قرب البصيرة في دير الزور، وبيرتا (وهي هي البيرة أو بيراجيك الحالية على نهر الفرات في تركيا)، ومجدلا، ويرجح أنها مجدل رشو في جبل سنجار، وبارباليسوس وهي حصن بالس على الفرات قرب جرابلس، وغيرها.

 

سجل نادر للأعياد الرومانية

 

ولعل أندر برديات دورا أوروبوس السجل المفصل لأعياد الامبراطورية الرومانية المعروف باسم فيريالي دورانوم،، والمكتوب باللاتينية، ويتضمن جدولاً بالأعياد والمناسبات التي تحتفل فيها الامبراطورية الرومانية في عهد الامبراطور ألكسندر سفيروس، حيث كانت تقام في أيام معينة من السنة.

وكما توضح الوثيقة، فالأعياد لا تقتصر على تقديم القرابين للآلهة، بل للأباطرة المؤلهين، أمثال ماركوس أورليوس، وتراجان، وسبتيموس سفيروس، وغيرهم. كما يلاحظ تأليه شخصيات غير إمبراطورية مثل جوليا ميسا الحمصية، جدة الإمبراطورين إيلجبالوس وألكسندر سفيروس.

عملة عليها صورة الملك إيسباسينو عثر عليها في دورا اوروبس السورية.
"خاراكس".. مملكة ميسان التي تؤجل الفيضانات والحروب اكتشافها
شغل موقع مدينة "خاراكس" كما تسمى باليونانية، و"كرك سباسينو" كما تسمى بالتدمرية، علماء الآثار منذ القرن التاسع عشر، نظراً لأهمية هذه المدينة في التاريخ الكلاسيكي للعراق وإيران، ولأنها كانت واحدة من أهم المراكز التجارية العالمية خلال أكثر من خمسة قرون.

أما الآلهة التي كانت تقام لها الاحتفالات فهي جوبتير (الذي يعادل بعل شمائين)، وجونو (التي تعادل أترغاتس)، ومنيرفا التي (تعادل اللات)، بالإضافة لربة النصر، ورب الحرب الروماني مارس، وإله الحرية (ليبر باتر) وإلهة السلام، وإلهة قبس النار (فيستا).

وتتضمن هذه الاحتفالات بالإضافة إلى الأضاحي والقرابين، مهرجانات وألعاب رياضية مكرسة لبعض الآلهة. والملاحظ أن غالبية الاحتفالات ينحر فيها ثيران وأبقار، وبعضها يُكتفى بحرق البخور وقراءة الصلوات العامة.

ويتضمن التقويم الروماني ثلاثة مصطلحات هي "كاليند"، و"نونيس"، و"إيديس"، وهي طريقة معقدة لحساب الأيام القمرية بالاستناد إلى الشهور الشمسية، بما في ذلك إضافة أيام، وحذف أيام للمواءمة بين التقويمين الشمسي والقمري، لأن الأعياد كانت تقام وفق حسابات قمرية.

مواضيع ذات صلة:

تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة
تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة

تضيف عملية قتل أبو عبد الرحمن المكي على يد "القيادة المركزية الأميركية" اسما جديدا على قائمة القادة الذين خسرهم تنظيم "حراس الدين" في سوريا، وبينما يعتبر ما وقع قبل يومين ليس بالجديد، تسلط الحادثة، بتوقيتها وحيثياتها، الضوء على حالة لها تفسيران، وفق ما يتحدث خبراء في شؤون الجماعات المتشددة لموقع "الحرة".

ويعتبر المكي من القادة البارزين في "حراس الدين"، وكان يشغل قبل مقتله منصب عضو مجلس شورى التنظيم، كما جاء في بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في 24 أغسطس الحالي.

وتم تنفيذ عملية قتله بضربة جوية أميركية استهدفته أثناء مروره على إحدى طرقات محافظة إدلب، بذات الطريقة التي أسفرت خلال السنوات الماضية عن مقتل عدد من قادة "حراس الدين"، وآخرهم المسؤولان العسكريان: "أبو حمزة اليمني"، و"أبو البراء التونسي".

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، أن مقتل "المكّي" يعطي مؤشرا على وجود خشية أميركية من "إعادة بناء تنظيم القاعدة في سوريا"، رغم أن تنظيم "حراس الدين" بات في أضعف حالاته.

وبدوره يقول الباحث السوري في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي، إن التنظيم، وهو فرع "القاعدة" بسوريا، لم يعد لديه أي قوة أو حضور، بعد الإعلان عن تصفية "المكّي".

ويضيف عرابي لموقع "الحرة" أن "قادة الحراس المتبقين إما معتقلين في سجون هيئة تحرير الشام" أو متوارين عن الأنظار، كما حال القائد العام للتنظيم "فارق السوري"، الذي يعرف بأسماء عدة بينها "أبو همام الشامي"، وسامي العريدي، الرجل الثاني، الذي يشغل منصب الشرعي العام.

ما هو "حراس الدين"؟

تأسس تنظيم "حراس الدين"، في أواخر فبراير 2018، وقبل ذلك كانت فصيلا ضمن "هيئة تحرير الشام".

و"تحرير الشام" تهيمن عليها قوة مركزية كانت تعرف في السابق باسم "جبهة النصرة" التي كانت الجناح الرسمي لتنظيم القاعدة حتى عام 2016.

وبعد أن أعلن زعيمها، أبو محمد الجولاني فك ارتباطها عن القاعدة في يوليو 2016، انفصلت جماعة "حراس الدين" عنها.

وفيما بعد انضمت الجماعة لتشكيل سمي بـ"غرفة عمليات وحرض المؤمنين"، لكن الأمر لم يدم طويلا، إذ بدأت "تحرير الشام" سلسلة حملات أمنية واعتقالات بحق قادة وعناصر فيها، في تطورات قرأها باحثون على أنها تندرج في سياق "حب السيطرة والاستحواذ على النفوذ الكامل" في شمال غربي سوريا.

وكان "المكّي" من بين المعتقلين الذين احتجزتهم "تحرير الشام" في سجونها في 2020، وبعد دعوات عدة، أطلقها قادة متشددون، أفرجت عنه بشكل غير معلن في 2022.

ومنذ تلك الفترة لم يعرف عن تحركاته أي شيء كحال بقية أفراد "حراس الدين".

وبينما بقي اسمه في إطار تلك الحالة (الغياب عن المشهد)، عاد ليتردد في تقرير "القيادة المركزية الأميركية"، وعندما أعلن رسميا عن مقتله، قبل يومين.

ماذا بقي لـ"الحراس" في سوريا؟

لم تكن الضربات الأميركية المتواترة التي قضت على قادة بارزين في "حراس الدين" الوحيدة التي شكّلت عامل ضعف كبير بالنسبة للتنظيم ككل، بل كان في مقابلها حملة واسعة على الأرض قادتها "تحرير الشام" منذ عام 2020.

وتصنف الولايات المتحدة "تحرير الشام" منظمة إرهابية، وتنضم إليها دول كثيرة.

وكانت قد عرضت لأكثر من مرة مكافآت مالية لتقديم معلومات عن قائدها "أبو محمد الجولاني" وقائد "الحراس"، أبو همام الشامي.

وعلى مدى السنوات الماضية اعتقلت "تحرير الشام" عددا كبيرا من قادة "حراس الدين"، وذهبت بجزء من الحملة التي أطلقتها باتجاه مداهمة المواقع التي يتحصنون فيها مع الأفراد والخلايا النائمة.

ولا يزال الكثير من القادة في السجون، ومن أبرزهم كما ذكرهم الباحثون في حديثهم لموقع "الحرة"، "أبو بصير الديري"، وخلاد الجوفي، و"أبو مصعب التركي"، و"أبو عبد الله السوري"، وهو ابن أبو فراس السوري أحد أبرز رجالات "القاعدة".

ومن ناحية أخرى يشير الباحث السوري، عرابي عرابي إلى أن القائد العام "أبو همام الشامي"، والرجل الثاني وهو الشرعي "سامي العريدي" لا يعرف أين مكانهم في الوقت الحالي.

ويرجح عرابي أن يكونا قد خرجا من سوريا إلى وجهة محتملة مثل "اليمن أو الصومال أو أفغانستان".

وعدا عن ذلك، لا يعتقد الباحث السوري أن لـ"حراس الدين" حضورا كبيرا في الوقت الحالي بسوريا، ويوضح أن التنظيم "يفتقد للمجموعات المهيكلة التي يمكن أن تنفذ عمليات كبيرة على الأرض".

وفي حين لا يستبعد الباحث أن يكون هناك العديد من "الأفراد المتعاطفين" مع "حراس الدين" يؤكد أنه نشاطهم المرتبط "بأمر من قيادات معينة وبخطط واضحة"، يبدو أنه بات غير موجودا.

"ظل لما كان عليه"

وفي غضون ذلك يشرح الباحث أبو هنية أن "حراس الدين" شهد حالة من الإضعاف الكبير بعد الإعلان عن تشكيله في 2018، وارتبط ذلك بسببين، الأول هو الضربات الأميركية من الجو، والثاني هو الحملة التي بدأتها "تحرير الشام" ضده.

ويوضح أنه، وبعد مقتل "المكّي"، يتبين أنه لم يعد هناك أي هيكل تنظيمي واضح للتنظيم المرتبط بـ"القاعدة".

ومع ذلك، يقول أبو هنية في المقابل إن "حراس الدين" "لم ينكفئ وما زال موجودا على الأرض، وتثار المخاوف من استغلاله للظروف الحاصلة الآن من أجل إعادة البناء".

وتحمل العملية التي نفذتها القيادة المركزية الأميركية قبل يومين "دلالات ومؤشرات" عن وجود خشية، وقد لا تنفصل أهدافها عن التحركات واسعة النطاق التي رأيناها على صعيد تنظيم "القاعدة"، كما يضيف أبو هنية.

ويشير الباحث إلى أنه، وفيما يتعلق بالفرع السوري، يمكن القول إن "حراس الدين" لا يزال له قيادات "مثل أبو همام الشامي وسامي العريدي"، لكنهم "في حالة كمون وكالظل لما كانوا عليه سابقا".

ويزعم التنظيم (حراس الدين) أنه شن حوالي 200 هجوم منذ إنشائه. ووقعت هذه الهجمات في مجموعة متنوعة من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، بما فيها محافظة حلب وحماة وإدلب واللاذقية، وذلك بحسب بيان سابق أصدره قبل 3 أعوام.

وفي الحادي عشر من سبتمبر 2021 نشر تنظيم "القاعدة" كلمة لزعيمه السابق أيمن الظواهري تحدث خلالها عن تطورات كثيرة "سياسية وعسكرية"، كان اللافت بينها تلك الخاصة بسوريا.

وأشاد الظواهري، الذي خَلفه سيف العدل، بهجوم استهدف موقعا للقوات الروسية في منطقة تل السمن بريف الرقة، مطلع 2021، وأضاف حينها أن "إنهاك العدو واجب المرحلة"، متحدثا عن "عمليات استنزاف خلف الخطوط".

"فقد ثلاثة أرباع قوته"

ويعتقد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، أن "حراس الدين" بات ينتهج استراتيجية تقوم على "الحفاظ على بقية القيادات".

لكنه يواجه حملة مضادة من الجو وعلى الأرض، مما أسفر عن مقتل العديد من قادته، آخرهم أبو عبد الرحمن المكي.

ويقول فرغلي لموقع "الحرة": "التنظيم في أضعف حالاته لكنه موجود ولديه إصدارات وبيانات وقنوات إعلامية ويحاول أن يظل موجودا، لكن بعيدا عن الصدام المباشر".

ويضيف أن التقديرات تذهب باتجاه أن "حراس الدين" فقد ثلاثة أرباع قوته بشكل تقريبي، لكنه ما زال موجودا ولم ينته تماما.

ومن جانبه يلفت الباحث أبو هنية إلى "وجود مخاوف دائمة من إعادة بناء القاعدة، لاسيما أن نشاط التنظيم بات أمنيا بامتياز".

ويوضح أنه ومع الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة "قد يجد مساحة استغلال"، وهو ما ينطبق مع التحذيرات الأخيرة التي أعرب عنها مسؤولون أميركيون بشأن الحالة التي بات عليها تنظيم "داعش" في سوريا.

ويؤكد أبو هنية أن "حلم تنظيم القاعدة، منذ تأسيسه على يد بن لادن، كان يذهب باتجاه تأسيس فرع لبلاد الشام".

ويعتقد أن "سيف العدل الموجود في إيران لا يزال يرى أولوية في ذلك"، معتبرا أن "القاعدة لن تتخلى عن وجود حراس الدين وقد يكون هناك نوع من محاولة إحياء التنظيم في مثل هذه الظروف".