توفي 79 طفلاً، في عام 2021، بمخيم الهول، وفق "أطباء بلا حدود"
توفي 79 طفلاً، في عام 2021، بمخيم الهول، وفق "أطباء بلا حدود"- أرشيفية

قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش"، إن أكثر من 42,400 أجنبي متهمين بأن لهم صلات مع تنظيم داعش، ما زالوا متروكين من قبل بلدانهم في المخيمات والسجون في شمال شرق سوريا، رغم زيادة عمليات إعادة النساء والأطفال إلى أوطانهم في الأشهر الأخيرة.

وتحتجز السلطات التي يقودها الأكراد، المعتقلين ومعظمهم من الأطفال، إلى جانب 23,200 سوري، في ظروف تهدد حياتهم.

وفاقمت الضربات الجوية والمدفعية التركية الأخيرة الخطر. لكن حتى قبل هجمات تركيا، قُتل ما لا يقل عن 42 شخصا خلال 2022 في مخيم الهول، وهو أكبر مخيم، بعضهم على يد موالين لداعش.

كما قُتل مئات آخرون في محاولة داعش لاقتحام سجن في يناير. وقال موظفون وعمال إغاثة ومحتجزون إن أطفالا غرقوا في حفر الصرف الصحي، وماتوا في حرائق الخيام، ودهستهم شاحنات مياه، ومات المئات نتيجة أمراض يمكن علاجها، بحسب المنظمة الحقوقية.

وقالت ليتا تايلر، المديرة المشاركة لقسم الأزمات والنزاعات في "هيومن رايتس ووتش": "تُبرز هجمات تركيا الحاجة الملحة لقيام جميع الحكومات بالمساعدة في إنهاء الاحتجاز غير القانوني لمواطنيها في شمال شرق سوريا، والسماح للجميع بالعودة إلى ديارهم ومحاكمة البالغين حسب الاقتضاء. مقابل كل شخص أعيد إلى المنزل، لا يزال سبعة آخرون محتجزين في ظروف جائرة، ومعظمهم أطفال".

الضربات الجوية التركية في منذ 20 نوفمبر والتي استهدفت قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، وقعت بالقرب من مخيم الهول وسجن الشركين، اللذين يضمان معا آلاف المحتجزين.

وقال محتجزون وأقارب محتجزين ومجموعات إغاثة وعائلات لـ "هيومن رايتس ووتش"، إن الغارات التي أسفرت بحسب تقارير عن مقتل ثمانية حراس، قطعت التيار الكهربائي مؤقتا، وأوقفت توصيل المياه والوقود والخبز، وقلصت الخدمات الطبية وغيرها من الخدمات المحدودة أصلا في الهول وروج، وهو مخيم احتجاز أصغر.

خلال رحلة إلى شمال شرق سوريا في مايو 2022 وما تلاها من مكالمات ورسائل نصية، قابلت "هيومن رايتس ووتش" 63 أجنبيا من المشتبه بانتمائهم إلى داعش وأفراد عائلاتهم في المخيمات والسجون ومراكز الاحتجاز الأخرى.

وتحدثت المنظمة أيضا مع 44 من مديري وموظفي المخيمات ومراكز الاحتجاز، وعمال الإغاثة، والمسؤولين الحكوميين الأجانب، والأقارب في بلدان المحتجزين الأصلية.

بالنتيجة، وجدت "هيومن رايتس ووتش" أنه حتى قبل الضربات التركية، كانت الرعاية الطبية والمياه النظيفة والمأوى والتعليم والترفيه للأطفال غير كافية على الإطلاق. وقالت الأمهات إنهن يخفين أطفالهن في خيامهن لحمايتهم من المعتدين جنسياً وحراس المخيمات ومُجنِدي داعش والقتلة.

في مخيم روج، أكدت ست نساء أن "الحراس نقلوهن إلى مراكز احتجاز لأسابيع أو شهور، وفي بعض الحالات أساؤوا إليهن جسديا وتركوا أطفالهن ليعولوا بأنفسهم".

كما قال الفتيان وأمهاتهم، الذين التقتهم المنظمة الحقوقية، إن الحراس "أخفوا قسرا فتيان مراهقين من المخيمات ووضعوهم في مراكز احتجاز، حيث فقدوا الاتصال بأقاربهم لشهور أو سنوات".

وقالت امرأة إن الحراس احتجزوها لعدة أيام في أوائل 2022 في مرحاض، حيث استجوبوها وعرضوها لصدمات كهربائية، واتهموها بالتورط في احتجاج في المخيم،مستذكرة "بقيت أخبرهم أنني لست متورطة، لكنهم استمروا في تعذيبي".

وفي مخيم الهول، قال رجل عراقي إن "موالين لداعش قتلوا العديد من أقاربه المقربين في المخيم عام 2022، واصفين إياهم بالجواسيس". مضيفاً "تركوا لي رسالة (مكتوبة) مثبتة بسكين، تقول: الله أكبر، الدولة الإسلامية باقية. إن ذبحك قريب".

وفي سجن علايا، طالب مراهق فرنسي جريح خطفه الحراس من عائلته ووضعوه في زنزانة مزدحمة لمدة 23 ساعة في اليوم بتلقي الرعاية لذراعه التي أصيبت بالعجز، لكنه قال إن الأهم من ذلك كله "أريد فقط أن أرى والدتي".

وينحدر الأجانب من 60 دولة. تم القبض على معظمهم من قبل قسد، وهي قوة مسلحة إقليمية يقودها الأكراد وتدعمها الولايات المتحدة، عندما هزمت داعش من آخر معقل لها في سوريا في أوائل عام 2019.

لم يمثل أي من الأجانب أمام سلطة قضائية في شمال شرق سوريا لتحديد ضرورة وقانونية احتجازهم، مما يجعل أسرهم تعسفيا وغير قانوني، ووفق "هيومن رايتس ووتش"، يرقى الاحتجاز على أساس الروابط الأسرية فقط، إلى عقوبة جماعية وهي جريمة حرب.

ويُحتجَز الأجانب في شمال شرق سوريا بموافقة ضمنية أو صريحة من بلدانهم الأصلية. قامت بعض الدول، مثل المملكة المتحدة والدنمارك، بإسقاط الجنسية عن العديد من مواطنيها أو بعضهم، تاركة العديد منهم دون جنسية في انتهاك لحقهم في الجنسية.

وأوضحت المنظمة، أن "الحكومات التي تساهم عن علم وبشكل كبير في هذا الحبس التعسفي قد تكون متواطئة في الاحتجاز غير القانوني للأجانب. الاحتجاز غير القانوني الذي يُرتكب كجزء من هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعة من السكان المدنيين، ما يعني أن سياسة الدولة أو المنظمة لاحتجاز الأشخاص بشكل غير قانوني، يمكن أن ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية".

ومنذ 2019، أعادت 34 دولة على الأقل أو سمحت بالعودة لأكثر من ستة آلاف أجنبي، بما في ذلك ما يقرب من أربعة آلاف إلى العراق المجاور، وفقا لأرقام من "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا"، الهيئة الحاكمة في المنطقة، وجهات اتصال أخرى.

وزادت عمليات الإعادة إلى الوطن في 2022 مع إعادة أكثر من 3,100 أجنبي إلى أوطانهم حتى 1 ديسمبر.

ومنذ أكتوبر أعادت ثماني دول على الأقل رعاياها: 659 إلى العراق، و17 إلى أستراليا، وأربعة إلى كندا، و58إلى فرنسا، و12 إلى ألمانيا، و40 إلى هولندا، و38 إلى روسيا، واثنان إلى المملكة المتحدة.

وقالت إسبانيا في نوفمبر إنها ستعيد 16 مواطنا على الأقل بحلول نهاية العام.

ولم تُعد معظم الدول إلا القليل من الرجال، إذا فعلت أصلا. ووجدت هيومن رايتس ووتش أن العديد من الأطفال الذين أعيدوا إلى وطنهم يندمجون بنجاح في بلدانهم الأصلية.

في رد مكتوب على طلبات هيومن رايتس ووتش للتعليق على معاملة المحتجزين، قالت الهيئة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا إنها تبذل قصارى جهدها لدعم قانون حقوق الإنسان.

وأضافت أن "هذا لا يعني أنه لا توجد أخطاء هنا وهناك على مستوى الأفراد أو بعض المجموعات الصغيرة داخل القوات العسكرية".

وقالت إن الإدارة الذاتية إنها "تأخذ في الاعتبار" أي تقارير عن إساءة معاملة المحتجزين.

مواضيع ذات صلة:

قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015
قطار خاص بنقل السياح في محيط العاصمة السورية دمشق- أرشيف 2015

في يناير من العام الجاري، أصدرت وزارة السياحة في حكومة النظام السوري، بياناً قالت فيه، إن أكثر من 2.17 مليون سائح من جنسيات عربية وأجنبية، زاروا المناطق الخاضعة لسيطرة النظام خلال عام 2023.

وهذه الأرقام بلغة المال، حققت نحو 125 مليار ليرة سورية، بنسبة ارتفاع وصلت إلى 120% عن عام 2022، بحسب بيان الوزارة.

والكثير من هؤلاء السياح، وفق مصادر إعلامية محلية وغربية، تستهويهم فكرة السفر إلى دول تعاني من الحروب والأزمات أو الدمار، بدافع الفضول وأحياناً محاولة كسر الصورة النمطية، التي تصم العديد من الدول بأنها "غير آمنة" و"خطرة جداً" أو يتم التحذير من السفر إليها تحت مختلف الظروف.

عام 2016، نشر موقع "ميدل إيست آي" تقريراً يشرح عن هذا النوع من السياحة، الذي أسماه بـ"السياحة المتطرّفة"، مشيراً إلى وجود رغبة لدى العديد من السيّاح الغربيين باستكشاف مغامرات جديد، عبر زيارة المواقع التي دمّرتها الحرب وحوّلتها إلى أنقاض.

وتناول سوريا كأحد النماذج، باعتبارها وجهة للكثير من السياح الغربيّين، الذين يدخلونها "تهريباً" عبر لبنان بمساعدة سائقين وأدلّاء، بهدف الوصول إلى أماكن طالتها الحرب وغيّرت معالمها، دون اللجوء إلى دخول البلاد بشكل قانوني.

وهناك شركة سياحية تروّج لزبائنها أنها ستقدم لهم "تجارب مختلفة من السفر والاستكشاف في مناطق ليست تقليدية للسياحة"، وتطرح إعلانات للسياحة في اليمن والصومال وسوريا والعراق وأفغانستان، تحت عنوان "السفر المُغامر"، لاجتذاب شريحة خاصة من عشاق وهواة هذه التجارب المثيرة للجدل.

"سياحة الدمار" صارت تمثل للراغبين في زيارة سوريا "بديلاً" عن زيارة المناطق الأثرية التقليدية التي كانت أكثر جذباً قبل اندلاع الحرب الأهلية، خصوصاً أن العديد منها تعرض لأضرار ودمار دون أن يتم ترميمه وإعماره وتهيئته لاستقبال السياح لاحقاً، كما أن الوصول لبعضها بات شبه مستحيل.

ترويج للنظام أم إدانة له؟

برأي الصحافي الاستقصائي السوري مختار الإبراهيم، فإن "مشاهدة مناظر الدمار ومواقع الخراب السوري بغرض السياحة، تعكس استخفافاً كبيراً بآلام الضحايا ومآسي ملايين السوريين الذين تضرّروا جرّاء الحرب".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "زيارة سوريا بغرض السياحة بشكل عام تُقدّم خدمة كبيرة للنظام السوري من حيث الترويج لسرديات انتصاره في الحرب، وعودة سوريا إلى ما كانت عليه".

"فالنظام السوري مستعد أن يبذل الكثير في سبيل الترويج للسياحة في مناطقه، فما بالك أن يأتي السياح ويرفدوا خزينته على حساب كارثة عاشها ملايين السوريين!"، يتابع الإبراهيم.   

ويحمّل قسماً كبيراً من المسؤولية لبعض المؤثرين على "يوتيوب" و"تيك توك"، الذين "روّجوا خلال السنوات الماضية للسياحة في سوريا وإظهار أنها آمنة عبر عدسات كاميراتهم، لحصد المشاهدات" وفق تعبيره.

من جانبه، يقو الصحافي السوري أحمد المحمد: "على الرغم من أن سياحة الموت تخدم النظام من جهة ترويج أن مناطقه باتت آمنة لعودة السيّاح، إلا أنها تُدينه أيضاً". 

ويوضح لـ"ارفع صوتك" أن "مشاهدة مناظر الدمار بغرض السياحة يُمثّل توثيقاً حيادياً للتدمير الذي أحدثته آلة النظام العسكرية في البلاد".

وطالما تعرضت مصادر المعارضة السورية في توثيق الدمار للتشكيك من قبل النظام نفسه، بحسب المحمد، مردفاً "تم اتهامهم بالفبركة الإعلامية، بينما منع النظام خلال السنوات الماضية وسائل الإعلام الأجنبية من التغطية الحرّة لمجريات".

في النهاية، يتابع المحمد "مهما بذل النظام من جهود ترويجية حول عودة مناطقه آمنة، فإن واقع الحرب السوري أكبر من الترويج بكثير، لا سيما أننا في كل فترة قصيرة، نسمع عن حالات اختطاف لسيّاح قدموا للترفيه فوق معاناة السوريين".