استأنف سكان وناشطون في السويداء السورية احتجاجاتهم ضد النظام السوري، صباح الاثنين، بعد أسبوعين من خطوة مماثلة تطورت لحوادث عنف وإطلاق نار.
ومن أمام "ساحة السير" الشهيرة في المدينة، حمل العشرات لافتات بلونين، كتب على البعض منها عبارة: "إذا جاعت الشعوب تحاسب حكامها"، فيما وجهت أخرى رسائل بصبغة سياسية.
ومنذ سنوات، كانت المدينة الواقعة في جنوب سوريا قد اعتادت على احتجاجات يخرج بها المئات بين الفترة والأخرى، في صورة "استثنائية" قلما تعيشها المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري.
وفي الوقت الذي لم تتحقق فيه المطالب الأساسية لهؤلاء، والمتمثلة بضرورة تحسين الأوضاع المعيشية، "كان لابد من استئناف الاحتجاجات مجددا" قبل أسبوعين وفي الوقت الحالي، حسب ناشطين ومنظمين للحراك تحدثوا لموقع "الحرة".
وعلى خلاف ما كان سائدا خلال الفترة الأخيرة، من المقرر أن تشهد المدينة خلال المرحلة المقبلة وبشكل أسبوعي "كل يوم اثنين" احتجاجات ووقفات من أجل التأكيد على شعارات لا تقتصر على ما يعيشه السكان معيشيا، بل تنسحب إلى شق سياسي، تتصدره: "المطالبة بتطبيق قرار مجلس الأمن 2254، والذي ينص على انتقال سلمي في البلاد".
وقبل أسبوعين، كانت السويداء قد شهدت احتجاجات تخللتها أحداث لم يسبق وأن فرضت نفسها على المشهد الداخلي للمدينة، أولا من ناحية حرق عشرات المحتجين لصور رأس النظام السوري ومبنى المحافظة (السراي الحكومي) والمطالبة بإسقاط بشار الأسد، ومن ثم إقدام عناصر من الأمن على إطلاق النار، ما أسفر عن مقتل مدني ورجل شرطة.
ومنذ توقيت هذه الأحداث، عاشت المحافظة حالة من الهدوء الحذر، إلى أن تجددت احتجاجات الاثنين بطريقة مختلفة، من خلال "وقفات صامتة" لمحتجين حملوا لافتات تحمل عبارات من قبيل: "لا لقمع الحريات"و"لا للسلاح. لا للعنف. لا للتخريب"، و"حرية عدالة مساواة" و"لا للتجويع. لا للتهجير" و"بدنا المعتقلين" و"الشعوب إذا جاعت تحاسب حكامها".
ما المتوقع؟
وتتميز السويداء ذات الغالبية الدرزية برمزية وموقع حساس في سوريا. وعلى الرغم من أن هذه المدينة خاضعة لسيطرة النظام السوري وضمن مناطق نفوذه، إلا أن الاحتجاجات التي تشهدها باستمرار تشكّل "حالة فارقة"، وفق ناشطين.
وحتى الآن، لا يعرف بالتحديد النقطة التي قد تصل إليها الاحتجاجات المتواصلة، وما إذا كانت ستسفر عن أي نتائج أو قد تتصاعد لتفرض تطورات، لاسيما في ظل غياب أي تعاطي من جانب النظام السوري معها، فيما قالت وزارة داخليته مؤخرا إن منفذي الأحداث التي حصلت أمام مبنى المحافظة "خارجون عن القانون".
ويقول ريان معروف، وهو مدير شبكة "السويداء 24" المحلية، إن "الحراك في المدينة مستمر وسوف يتجدد بأشكال مختلفة كل يوم اثنين"، مشيرا إلى وجود "لجنة تنظيمية للحراك، وأنها تسعى لوضع برنامج لاستمرار الاحتجاجات وتنظيمها وعدم السماح لأي طرف باستغلالها".
ويرى الصحفي في حديث لموقع "الحرة" أنه وفي ظل التدهور المستمر بالأوضاع المعيشية والاقتصادية "يوجد إقبال على المشاركة في الاحتجاجات، من أطياف مختلفة، سواء معارضة تقليدية أو أشخاص لديهم مطالب معيشية محددة".
ويوم الأحد، كان وفد ممثل عن المحتجين وعن بعض قادة الفصائل المحلية قد زار منزل شيخ عقل طائفة الموحدين الدروز، أبو وائل حمود الحناوي، وطالب بـ"توحيد موقف مشيخة العقل والخطاب الديني لصالح حقوق ومطالب الناس، بالوصول لحياة كريمة".
ويضيف معروف: "الاحتجاجات تأتي في إطار سياسي واضح. توجد قناعة في الشارع أن البلد لا يمكن تتحسن ظروفها المعيشية والاقتصادية دون تطبيق قرار مجلس الأمن 2254 والوصول لمرحلة انتقال سياسي. الشارع مدرك أن الحلول الاقتصادية مرتبطة بالدرجة الأولى بالحل السياسي".
وقبل أن تدخل المحافظة فيما تشهده اليوم، كانت سوريا دخلت في أسوأ أزماتها المعيشية، بعدما انقطعت المحروقات بالكامل في معظم المناطق، لأسباب ربطتها حكومة النظام السوري بـ"ضعف التوريدات القادمة من إيران".
وعلى إثر هذه الأزمة، باتت حركة النقل في عموم سوريا مشلوشة، بينما زادت ساعات تقنين الكهرباء، المقطوعة لساعات طويلة في الأصل، واشتدت هذه التداعيات لتنسحب على قطاع الاتصالات السلكية، لتصبح جميع المقاسم في البلاد "خارج الخدمة".
وتشير تصريحات مسؤولي النظام السوري إلى أنه "لا حل قريب للأزمة الحاصلة"، والتي تربطها الرواية الرسمية بالعقوبات الغربية والأميركية، بشكل أساسي، فيما تنفي الدول الأوروبية وواشنطن أن تستهدف الإجراءات المتخذة ضد النظام السوري وأركانه مقومات الحياة اليومية للمواطنين.
وعلى مدى الأسبوعين الماضيين، سادت اعتقادات بأن تتطور احتجاجات السويداء إلى محافظات سورية أخرى خاضعة لسيطرة النظام السوري، وبينما استبعد نشطاء أن يتم ذلك بالفعل نظرا للقبضة الأمنية التي يفرضها الأخير، اعتبر آخرون أنه "كل شيء ممكن".
والسويداء ليست هي المدينة الوحيدة التي تعاني من الظروف المعيشية السيئة، بل هي جزء من كل، إذ تضرب هذه الأزمة التي اشتدت تداعياتها منذ مطلع ديسمبر الماضي كل بقعة يسيطر عليها النظام السوري في البلاد.
ومنذ إحكام النظام السوري لقبضته على محافظات مثل حمص ودمشق وحلب، لم تشهد هذه المحافظات أي مظاهرات واحتجاجات شعبية، على خلاف المدينة ذات الغالبية الدرزية التي كسرت "المحرمات" باستمرار، إذ نادى سكان فيها تارة بسقوط النظام، وتارة أخرى بضرورة تطبيق القرار 2254.
ويشير الناشط المدني، حمزة المختار، والمقيم في السويداء، إلى أن الاحتجاجات ستستمر "بطريقة حضارية، من رفع للافتات والاعتصام بشكل صامت. الشعارات التي ننادي بها تعبر عن آراء كل الشعب السوري"، وفق تعبيره.
ويقول المختار لموقع "الحرة": "السويداء ستكون حجر الأساس في المشروع الوطني في سوريا. طالبت بتنفيذ 2254، وأعتقد حتى مؤيدي النظام السوري يرون أن الحل سيكون بموجب القرار المذكور. هو مطلب شعبي ملح يوازي المطالب الخدمية".
ويضيف: "لا إمكانية للبدء باعتصام دائم ونصب خيام بسبب الوضع الاقتصادي. الوضع الاقتصادي صعب جدا ولا يمكن لشخص أن يقطع عمله بشكل دائم. ستستمر الاحتجاجات بناء على ذلك كل اثنين وبشكل أسبوعي".
ويوضح الناشط المدني أن "تكرار الحالة بشكل دوري وفي كل يوم اثنين سيؤدي إلى آثار. هو أثر الفراشة كما نراه. سيصل لقمة الهرم في المحافظة وهم المشايخ. نتأمل أن تتغير مواقفهم لصالح مطالب الشعب في المرحلة المقبلة".
"للداخل والخارج"
ومنذ الأحد، شهدت مناطق ريفية في المحافظة احتجاجات مماثلة لتلك التي شهدتها "ساحة السير" وساحة "مبنى المحافظة"، في بلدتي ملح وامتان جنوب السويداء. ويقول الصحفي ريان معروف: "كان هناك وقفات صامتة ورفع لافتات بشعارات مزدوجة سياسية واقتصادية".
ويضيف معروف: "القبضة الأمنية لا يمكن تكون الحل، ولذلك أعتقد أن نرى مظاهر الاحتجاج بمحافظات ثانية، في حال استمرت الأوضاع بهذا التراجع الحاد". ويتابع: "أخشى أن تذهب البلد لموجات عنف جديدة في ظل تعنت النظام السوري".
ويرى الكاتب والناشط السياسي، حافظ قرقوط، أن "ما يحصل في السويداء يمكن أن يكون محركا المناطق في سيطرة النظام السوري، لتطالب بحاجاتها بطرق سلمية ومبتكرة. أي ضمن حراك بهذا النمط".
ويقول قرقوط لموقع "الحرة": "ما يحصل أن هناك رسائل للداخل أي لبقية المحافظات، وللخارج لكل الدول التي تعمل على تأهيل النظام السوري بأنه ليس قادرا على تشكيل الدولة السورية".
