مشهد تجمهر المواطنين حول وسائل النقل في العاصمة السورية دمشق- فرانس برس
مشهد تجمهر المواطنين حول وسائل النقل في العاصمة السورية دمشق- فرانس برس

شهدت العاصمة السورية دمشق وريفها أزمة كبيرة جداً في المواصلات، بسبب تخفيض كمية المحروقات المدعومة حكوميا، أدت لاعتماد المواطنين على وسائل نقل بديلة وغير تقليدية، بينما وجد البعض الآخر أن المشي أفضل وسيلة للتنقل.

وشهدت معظم المناطق التابعة للنظام السوري شللاً كبيراً، خلال الأٍسبوعين الأول والثاني من ديسمبر الجاري، في خدمات النقل الداخلي والخارجي بين المحافظات.

وكانت وزارة النفط في حكومة النظام خفّضت مخصصات المحروقات من مادتي المازوت والبنزين، بنسبة وصلت إلى 50% خلال نوفمبر الفائت، ما دفع بعض السائقين للتوقف عن العمل، وأدى لارتفاع أجور النقل في التكاسي بسبب قلة أعداد الحافلات العمومية (سرفيس) وبعض التكاسي.

وبسبب أزمة الوقود وما تبعها من مضاعفات في المواصلات، أعلنت حكومة النظام عن عطلة رسمية يومي الأحد الموافقين لـ 11 و18 ديسمبر الجاري.

وقالت في بيانها: "نتيجة للمداولات التي جرت في جلسة مجلس الوزراء اليوم، ونظرا للظروف التي يشهدها سوق المشتقات النفطية بسبب الحصار والعقوبات الاقتصادية الجائرة، وبسبب الظروف التي أخّرت وصول توريدات النفط والمشتقات النفطية، أصدر رئيس مجلس الوزراء المهندس حسين عرنوس بلاغا بتعطيل الجهات العامة يومي الأحد الموافق لـ 11 من الشهر الجاري، والأحد الموافق لـ 18 من الشهر الجاري".

وأعلن الاتحاد الرياضي السوري، في وقت سابق، تعليق مباريات دوري كرة القدم حتى مطلع عام 2023 بسبب صعوبة تنقل لاعبي الأندية، لعدم توفر الوقود.

دمشق 13 ديسمبر 2022، فرانس برس

"نصف راتبي مواصلات"

يقول أحمد الحو (39 عاما)، من مدينة داريا في ريف دمشق، إنه يعاني منذ عامين من أزمة المواصلات، إذ يستقل الحافلة بشكل يومي من مدينة الكسوة التي نزح إليها، ويعاني في طريق العودة، إذ يضطر لانتظار حافلة لمدة تتجاوز ساعة أحياناً.

وفي الأزمة الحالية، اضطر أحمد للانتظار أكثر من ثلاث ساعات، كما يضيف لـ"ارفع صوتك"، مردفاً  "كان الازدحام كبيراً بسبب قلة الباصات التي تعمل على الخط".

"هذا الشهر صرفت نصف راتبي (65 دولارا) على المواصلات، أحيانا أضطر لركوب تاكسي، لأنني لا أستطيع الانتظار لساعات حتى أجد مكانا لي في الباص، واليوم مع هذه الأزمة، يبدو أن الجلوس في المنزل وانتظار الفرج هو أفضل حل"، يتابع أحمد.

من جهته، يقول رامي السيد، من مدينة جديدة عرطوز في ريف دمشق: "اضطررت للمشي أكثر من ساعة ونصف للوصول إلى كراج (موقف حافلات) السومرية، ومنه أحجز مكانا في أحد الباصات الذاهبة لدمشق حتى أصل مكان عملي".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "راتبي الشهري لا يتجاوز 40 دولارا.. حرمنا أنفسنا من اللحوم ومن الكثير من الأشياء الأخرى، وهذا الراتب لا يكفيني سوى أول عشرة أيام من الشهر، لذلك أضطر للعمل بمهنة أخرى غير وظيفتي الحكومية، ورغم ذلك لا أستطيع استكمال الشهر بهذه الرواتب، وأبقى مديونا كل شهر لأصدقائي".

ويبين رامي أنه يضطر أحيانا لاستخدام وسائل نقل غير مألوفة في حال فوّت الباص، مثل السيارات المكشوفة، والدراجة النارية، لقاء مبلغ كبير يدفعه أيضاً.

مروى العبد الله وهي موظفة حكومية في دمشق، تعاني أيضاً آثار الأزمة. تقول لـ"ارفع صوتك": "اضطررت لترك عملي لأنني كنت أستخدم التاكسي يومياً، بالتالي كان معظم راتبي يذهب إليه".

وتأمل في إيجاد عمل إلكتروني، بحيث لا تضطر للدفع مقابل المواصلات. 

وتلفت مروى إلى أن "عددا كبيرا" من أصدقائها ومعارفها "تركوا عملهم وتوجهوا للعمل الإلكتروني".

"الوضع سيء للغاية، لا أفهم إلى أين نتجه في هذا البلد، حتى الاتصالات أصبحت تنقطع أحيانا"، تتابع مروى.

 

تفاعل في مواقع التواصل

جرّاء الأزمة، تفاعل الكثير من السوريين في مواقع التواصل، مبدين انزعاجاً وغضباً مما يحصل، ومشيراً بعضهم إلى مفارقة وجود أزمة مواصلات وكهرباء في مدينة كبيرة كدمشق.

من بينهم، السياسي السوري بسام جعارة، الذي عرّد قائلاً "دمشق بلا كهرباء ولا مواصلات ولا بنزين ومازوت ولا …. ومعظم المحلات أقفلت أبوابها و.. الطرطور ما زال متمسكا بالكرسي!".

ونشر الإعلامي السوري ماجد شمعة صورة لحافلة نقل عمومي داخلي، يجلس فوقها عدد من الركاب في طريقهم لعملهم.

فيما نشر الدكتور محمد الشامي تغريدة قال فيها: "كما وردني من دمشق، ماحدا عم يروح على الوظيفة الدوائر كلها مسكرة الموظفين والعمال في البيوت كل شي معطل.. ما في مواصلات ما في بنزين، الشوارع خالية تماما من الناس ظلام دامس. يومين جدد للعطلة فوق اليومين الاساسيين 4 العطلة الأسبوعية، دمشق مدينة أشباح لا خبز لا ماء لا كهرباء لا دواء لا خبز".

ونشر الصحافي قتيبة ياسين، مقطع فيديو لمذيعة سورية تسأل أحد التجار عن متابعته لكأس العالم، فيجيبها: "هاتي كهربا منشوف كأس العالم".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".