نبات الزعفران في أحد حقول سوريا- ارفع صوتك
نبات الزعفران في أحد حقول سوريا- ارفع صوتك

أعلن الكثير من المزارعين السوريين عدم رغبتهم بزراعة القمح، الذي انخفض إنتاجه إلى النصف، بحسب تقرير بعثة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو)، إلى سوريا لتقييم المحاصيل والإمداد بالأغذية.

وقالت إن إنتاج القمح كان يبلغ قبل الحرب حوالي 4.1 مليون طن، وتراجع في عام 2020 إلى 2.8 مليون طن، حتى وصل نهاية عام 2021إلى نحو 1.05 مليون طن.

ولجأ المزارعون لزراعات بديلة، لتحقيق مكاسب أكبر، مثل القهوة والشاي، وتحولت أنظارهم إلى زراعة أغلى النباتات العطرية في العالم، وهو الزعفران، بعد أن نجحت تجارب زراعته السابقة.

وفي أراضي الساحل السوري، زُرعت نباتات استوائية وشبه استوائية، مثل الكيوي والبابايا والقشطة والمانغا، حتى أن عددا من المزارعين، عمد إلى اقتلاع أشجار الحمضيات وزراعة أشجار استوائية بديلة.

 

دوافع المزارعين 

يقول المزارع السوري المقيم في اللاذقية، معتصم الصباغ (53 عاما)، إن "الجفاف وقلة الهطولات المطرية، وغلاء المحروقات ومستلزمات الإنتاج ونقص الدعم، أثر على الإنتاج الزراعي، وكان الحل الوحيد بالنسبة لنا اعتماد زراعات بديلة".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "كان اعتمادنا في السابق على إنتاج بساتين الحمضيات من ليمون وبرتقال ويوسفي، ولكن بعد تدني أسعار الحمضيات، مقارنة بكلفة الإنتاج، بالإضافة لكثرة العرض وقلة الطلب وتوقف التصدير، انخفضت الأسعار وأصيب الموسم بالكساد، وأصبحنا نخسر، ومن يربح يكون هامش ربحه قليل لا يعوض التعب والجهد". 

ويشير الصباغ إلى أنه فكر مؤخرا باستبدال أشجار الحمضيات بأشجار الأفوكادو والكيوي والجوافة، والسبب "مساحة الأرض المحدودة والمزروعة بالكامل".

"قمتُ باقتلاع أشجار الحمضيات وزرعت فواكه استوائية وعنباً صينياً، وقشطة هندية ومانجا مصرية، وهذه منتجات غالية الثمن وأتمنى أن يكون لها مستقبل واعد"، يتابع الصباغ.

أبو صالح، مزارع آخر، فضّل الاكتفاء بذكر كنيته، وهو من سكان غرب بلاطة على الساحل السوري.

يقول لـ"ارفع صوتك"، إنه اقتلع أشجار اليوسفي وزرع تشكيلة من أشجار الأفوكادو والمانجا والقشطة والكاكا والدراغون فروت (فاكهة التنين) والباولونيا والشوكولاتة، وذلك "نتيجة الخسارات المتعاقبة في إنتاج موسم اليوسفي والبرتقال".

واعتبر أبو صالح، أن ما فعله "استثمار جيد"، مؤكداً أنه "قرار شخصي دون تشجيع من أحد".

لنفس الأسباب، قام  المزارع رضوان كريش (48 عاما) من مدينة حمص، باستبدال مزروعاته الرئيسة.

يبيّن لـ"ارفع صوتك": "كنت أزرع أرضي بالقمح، لكن بعد الخسارات الكبيرة التي تكبدناها في تسعيرة غير منصفة للمحصول، قررت عدم العودة إلى هذه الزراعة التي مارسها أجدادي من قبلي، فاليوم القمح لا يطعم خبزا".

"في المقابل، أزرع الأرض بأصناف عدة مربحة مثل الزعفران، ويطلق عليه الذهب الأحمر، وأتمنى أن تنجح هذه الزراعة لتعويض خسائري خلال السنوات السابقة، فأرباحها كبيرة جدا ومستقبلها واعد"، يضيف كريش. 

ويلفت إلى أن المردود الاقتصادي "مرتفع"، إذ يُباع بالغرام، ويتراوح سعر الكيلو بين ثلاثة آلاف دولار وخمسة آلاف دولار، وفوائده كبيرة صحيا وطبياً، على حد تعبير كريش.

وكان مدير زراعة حمص يونس حمدان، قال في تصريح لصحيفة "الوطن المحلية"، إن سعر الغرام الواحد من الزعفران يتراوح بين 10 و15 ألف ليرة سورية محليا، وحوالي 30 ألف ليرة سورية عالمياً، وأن المساحة المزروعة هذا الموسم بلغت 2.5 دونم على امتداد محافظة حمص، وبلغ عدد الكورمات (بصيلات الزعفران) المنتجة نحو مليون كورمه، كما يوجد حوالي 10 ملايين بصلة على مستوى القطر.

وأكد حمدان "ملاءمة" زراعة نبات الزعفران لمعظم أنواع التربة السورية، فموطنه الأصلي حوض البحر المتوسط، وبيئته الأساسية هي البيئة الجافة المعتدلة، وتتم حالياً دراسة الأماكن التي تنجح زراعته فيها، كما تم تشكيل لجنة بالتعاون مع خبراء لمتابعة ودعم هذه الزراعة في سورية.

ومن السويداء، يقول المزارع الخمسيني زهير نصرالدين، إن الزراعات البديلة في سوريا "ظاهرة إيجابية، حيث ستوفر فرص عمل كثيرة، وتدعم الاقتصاد لأنها ستخفف من استيراد بعض المنتجات بالعملة الصعبة".

في نفس الوقت، من المهم دراسة أماكن زراعة النباتات البديلة، وأن تكون بشكل منظم وغير عشوائي، كما يضيف نصر الدين لـ"ارفع صوتك".

ويتابع: "جربت زراعة بعض الأصناف بكميات قليلة متل القهوة والمتة والشاي والزعفران، كبديل عن زراعة القمح، وزرعت شجرة الباولونيا على سبيل التجربة، ولكني أسمع تحذيرات من أضرارها البيئية، كما زرعت أصنافاً استوائية عدة".

وبالنسبة للمزارع نصر الدين، كل شيء تحت التجربة، وينتظر النتائج عند المزارعين والأراضي المشابهة، فليست كل الأراضي صالحة لجميع الأصناف.

ويوضح، أن المزارعين في السويداء، يحاولون الاستفادة من بعضهم البعض، فمن لم يزرع بعد نباتات بديلة، يتابع نتائج ما جناه مزارعون سبقوه إلى التجربة، وهكذا.

ويؤكد نصر الدين: "لا دراسات ولا نصائح تقدم لنا من مراكز البحوث والتطوير الزراعية، وجهودنا في هذا المجال فردية".

 

ماذا يقول المهندس الزراعي؟

المزارعون متضررون أيضا في الشمال السوري، من نقص الدعم وقلة الري وارتفاع تكاليف الإنتاج، لذلك لجأوا للزراعات البديلة.

يقول المزارع الثلاثيني محمد البكور، من إدلب: "نحن بحاجة للبحث عن زراعات بديلة مدرة للدخل الجيد، فجهدنا وتعبنا يذهب سدى في نهاية كل موسم، والمزارع يزداد فقرا بينما الربح للتجار".

"لن ننتظر حتى نجوع، بالتالي أنا اخترت أن أزرع أرضي بأي شيء بديل يجلب الربح، وحاليا أزرع حبة البركة والكمون والقليل من الزعفران، آملاً بتوسيع زراعة هذه المحاصيل في السنوات المقبلة"، يضيف البكور.

في نفس السياق، يقول المهندس الزراعي علي أبو دماغ: "الزراعة البديلة تعد العمود الفقري للمزارع في سوريا، لأنها تؤمن دخلا لا بأس به، ويفضلها المزارع على التقليدية، لأسباب عدة أهمها الدخل الأعلى، ولعدم الحاجة لمساحات شاسعة في ظل شح بعض موارد المياه".

ويصف هذه التجارب الجديدة على المزارعين السوريين بأنها "إيجابية"، مستدركاً  أن البيئة السورية رغم تنوع مناخها وأراضيها "غير مؤهلة" لجميع الزراعات.

وأكثر الزراعات المنتشرة في الشمال السوري، بحسب أبو دماغ، هي "زراعات البيوت المحمية لكافة أنواع الخضروات وزراعة الفراولة والزراعات المائية وزراعة الأنفاق، بالإضافة إلى زراعة الزعفران والنباتات العطرية".

"وهي من الزراعات الاقتصادية عالية الدخل، التي تعتبر الأعلى دخلا للدولة في حال الاعتماد عليها للتصدير، ولكن هذا غير مناسب للوضع في سوريا التي تعاني من نقص في الزراعات الأساسية"، يتابع أبو دماغ.

ويشير إلى أن هذه الزراعات تسوق محليا بشكل كبير وأسعارها أعلى من المستورد، حيث أن سوقا محلية قوية لها لكن لا يوجد سوق تصديري لها.

وعن مستقبل الزراعات البديلة يقول المهندس الزراعي، إن "الزراعات التي لا تؤمن مستوى إنتاجياً مرضياً لن يكون لها مستقبل، أما التي أثبتت جدارتها وأصبح المزارع ملّماً بها، ستبقى وتتطور".

من جانبه، يقول إدريس العمر، وهو مهندس زراعي ومالك صيدلية زراعية في إدلب شمال سوريا، إن المزارعين في الشمال توجهوا للزراعة البديلة بسبب الإمكانية المادية والسوق المحصورة في هذه المنطقة الجغرافية المحدودة، بعد أن كان اعتمادهم على المحاصيل الإستراتيجية مثل القمح والشمندر والقطن والبطاطا، التي كانت مدعومة قديما من قبل الدولة". 

ويعدد أنواع الزراعات البديلة في الشمال السوري، وهي: حبة البركة والشعير والعدس والحمص والكمون.

وسبب زراعتها، بحسب العمر، قلة التكاليف ومردودها المالي الجيد، وهي تصدر للخارج. 

ويضيف أن المنطقة لا تخلو من زراعة الخضار وبكمية لا بأس بها، لكن زراعتها تعتبر "مغامرة ومخاطرة"، بسبب التكاليف العالية والرقعة الجغرافية المحصورة التي يعيش بها المزارعون.

وخلال حديثه مع "ارفع صوتك"، اعتبر العمر، أن الزراعة المستحدثة لنبات الأزولا وزهرة النيل "فكرة جيدة ويقوم بها العديد من المزارعين، بالأخص في قطاع الإنتاج الحيواني حيث تعتبر مصدر أعلاف للمواشي".

ينظر المهندس الزراعي مصطفى سلوم، إلى الزراعات البديلة، بعين المزارعين، بخصوص المردود الاقتصادي والأهمية على المستوى المحلي، ولكنه أيضاً يؤشر على أنواع مرزوعات مضرة بالبيئة السورية.

يقول سلوم لـ"ارفع صوتك": "بالنسبة للمزارع، فإن حيث مردودها المادي وخصوصا في ظروف الحرب وتدهور الوضع الاقتصادي، مهم جداً، فمنتجات الزراعات البديلة تُباع في الأسواق بالدولار، كما أن تكلفة زراعتها قليلة، وتحتاج لمياه أقل من الزراعات التقليدية".

"ويمكن للزراعة البديلة إنقاذ القطاع الزراعي، وذلك عن طريق توعية المزارعين بمدى أهميتها وتقديم الدعم المناسب لهم من إرشادات زراعية وغيرها"، يضيف سلوم.

ويقول عن نبتة "لازولا"، إنها "زرع سرخسي علفي أو ما يعرف عالميا بالعلف المجاني، مقارنة بباقي أنواع الأعلاف وهي غنية بالبروتين، وتعدّ علفاً لأغلب المواشي، بالتالي يمكن الاستغناء عن القمح والصويا وغيرها من المواد العلفية".

ويشير سلوم في نفس الوقت، إلى نبتة "زهرة النيل"، مبيناً أن "أضرارها كبيرة حيث تعتبر مرتعاً للحشرات مثل البعوض وذبابة الرمل، فهذه الزهرة تمتص كمية كبيرة من المياه وتصدر رائحة كريهة في الشتاء بعد جفافها".

 

تحذيرات من "مخاطر مدمرة"

في نوفمبر الماضي، نشرت صحيفة "تشرين" المحلية تقريرا بعنوان "الإفلاس.. يستدرج الفلاح إلى أصنافٍ بديلة مدمّرة للتربة والبيئة".

وجاءت فيه، تصريحات لمعاون المدير العام لهيئة البحوث العلمية الزراعية د. بهاء الرهبان، قال فيها، إنه "تم إدخال مجموعة من النباتات  التي كان لها آثار سلبية واضحة، ومنها عشبة الباذنجان البري التي غزت المناطق الشرقية من سوريا، وأخذت بالانتشار في معظم المحافظات السورية، وهي من الأنواع صعبة المكافحة وتحتاج السيطرة عليها إلى برنامج لعدة سنوات من المكافحات الكيميائية والميكانيكية".  

وأوضح الرهبان: "من الأنواع الغازية أيضاً عشبة وردة النيل (الايكورنيا) وتعد من الأعشاب المائية صعبة المكافحة وتتسبب بتبخير كميات كبيرة من المياه، وتؤثر سلبا على الكائنات الحية الأخرى، وتخل بالتوازن البيئي، وقد احتلت المسطحات المائية في منطقة الغاب وسد محرده وانتقلت إلى الأنهار وأقنية الري في كل من إدلب وحماة وحمص والساحل السوري، واستطاع العاملون في مجال الوقاية بمديريات الزراعة والبحوث استئصالها من المنطقة الساحلية وبقيت المعاناة كبيرة في مناطق الغاب وحماة".

وأكد أن إدخال أي نوع نباتي يحتاج إلى جملة من الشروط والمعايير الدقيقة، إضافة إلى إجراء الدراسات والبحوث المتعلقة ببيئة النبات القادم وسلوكه، من حيث النمو والتكاثر والانتشار والمتطلبات البيئية، كي لا تصبح نباتات غازية تحتل مكان زراعة الأشجار المحلية المتكيفة مع البيئة السورية.

وأشار الرهبان، إلى أنه "تم اتخاذ قرار بمنع زراعة وتداول هذه الأنواع من النباتات الغازية والدخيلة كالباولونيا والأزولا وزهرة النيل وغيرها من النباتات، وتقوم الهيئة العامة للبحوث الزراعية بالتنسيق مع مديرية الحراج ومديرية وقاية النبات بدراسة ومتابعة أشجار الباولونيا المزروعة بشكل فردي للتعرف على خصائص هذه النباتات وتكيفها مع البيئة، والآفات التي من الممكن أن تصيبها واحتياجاتها المائية والسمادية".

وتعقيبا على ما سبق، يقول المهندس الزراعي علي أبو دماغ: "ليست جميع الزراعات البديلة جيدة، حيث تتم زراعتها بشكل عشوائي ولبعضها تأثير سلبي ومدمر على البيئة والتربة".

ويحذر بدوره، من وجود أصناف "تخل بالتوازن البيئي، وتؤثر على الأشجار والنباتات الأصلية التي تعيش في المنطقة وتنافسها على المكان، ويمكن أن تنقرض بعض تلك النباتات ويختلف الغطاء الذي يعد مهدا لكثير من الطيور والحشرات والحيوانات التي ألفت الغطاء الأصلي، كما يمكن لبعض النباتات كالأزولا وزهرة النيل أن تؤدي لسد مجاري الأنهار والتأثير بعض الحيوانات التي تعيش في المنطقة".

ويبين أبو دماغ لـ"ارفع صوتك"، أن الزراعات البديلة "غير قادرة على إنقاذ القطاع الزراعي المتدهور، ولكن بإمكانها أن تخفف من الصدمة والشرخ الكبير في هذا القطاع".

ويرى أن "الاعتماد الكلي على الزراعات التي تؤمن دخلا عاليا على حساب الزراعات الاقتصادية التقليدية كالقمح والحبوب والقطن، سيكون له تأثير سلبي كبير ومدمر لبعض الزراعات التي تعد من أهم الزراعات التي يعتمد عليها السكان".

 

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية

يُعد مشروب المتّة الأرجنتينية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للكثير من السوريين، حيث لا تخلو الجلسات العائلية من هذا المشروب الذي صار تقليديا وشعبياً، تميزه طقوس وأساليب خاصة لتحضيره وتقديمه.

وانتشر هذا المشروب منذ عقود في سوريا، خاصة المحافظات الساحلية ومحافظة السويداء، حتى أصبح منافسًا قويًا للشاي والقهوة، ويتفوق عليهما في الكثير من الأحيان. 

ويَعتبر عشاق المتّة في سوريا أنها جزء من التراث والثقافة الاجتماعية، وترمز إلى الترحيب والكرم وتجمع الناس في الأوقات الجيدة والعصيبة.

وإن زرت في زيارة إلى أحد منازل مدن السويداء، أو طرطوس، أو بانياس، أو اللاذقية، ستجد أصحاب المنزل يقدمون لك  المتة تلقائياً. 

تقول منى مرعي (51 عاما) من السويداء، إن مشروب المتة "علامة على الترحيب بالضيف والسعادة باستقباله، والقيام بواجب تكريمه، والرغبة ببقائه لوقت أطول". 

تاريخها في سوريا

انتقلت المتة إلى سوريا من موطنها الأصلي في أميركا الجنوبية على يد المهاجرين السوريين الذين قصدوا تلك البلاد في القرن التاسع عشر بحثاً عن فرص حياة أفضل خلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أزمات اقتصادية. 

وبمجرد استقرارهم هناك، بدأوا في التأقلم مع العادات والتقاليد المحلية، كان من بينها تناول من مشروب المتة، الذي صار جزءا من حياتهم اليومية. 

بعد سنوات الهجرة، عاد الكثير من السوريين إلى وطنهم الأم خلال ستينيات القرن الماضي، وحينها جلبوا معهم المتة، التي انتشرت رويداً رويداً ولاقت استحسانا كبيرا لدى السوريين، وأُعجب الناس بطعمها فكثر الطلب عليها. 

وبعد الأزمة السورية واللجوء، نقل السوريون هذا المشروب إلى بلدان أوروبا والعالم، حيث أصبحت المتة تُعرض على رفوف المتاجر، وتباع في أسواق أوروبا وتركيا وأمريكا وبعض الدول العربية. 

يقول المهندس ماجد عكاش من مدينة حماة، إنه وفور وصوله إلى ألمانيا افتقد المتة بشكل كبير وكان دائم البحث عنها في أولى سنوات اللجوء ولكن دون جدوى. اختلف الوضع الآن حيث صارت تُباع في الكثير من المتاجر.

يضيف لـ"ارفع صوتك": "أعتبر المتة جزءا من هويتي السورية، فهي تذكرني بالأوقات الجميلة مع الأصدقاء والعائلة، وتربطني بالوطن، وسعيد جدا لأن السوريين حملوها معهم إلى أوروبا، كما حملها أجدادنا من أميركا الجنوبية إلى سوريا". 

يُعتبر شراب المتة مفضلاً لدى شريحة كبيرة من السوريين، ويتم تحضيره بطريقة خاصة، إذ تُنقع أوراق المتة في الماء البارد لدقيقة أو اثنتين، ثم يُضاف إليها الماء الساخن. 

وتُشرب المتّة في قرعة مخصصة لذلك، والقرعة كأس خاصة مصنوعة من الخشب في الأساس، ولاحقا أصبحت تُصنع من الزجاج والبورسلان، و"البومبيجة" التي يتم الشرب فيها، وهي مصاصة معدنية. 

تتنوع طرق شرب المتة بحسب المناطق في سوريا، ففي  السويداء والقلمون يتم تداول قرعة المتة بعد تعقيمها بالماء الساخن والليمون بين مجموعة من الأشخاص، بينما في كطرطوس واللاذقية وحلب يشرب كل فرد بقرعة مخصصة له. 

يقول ماهر إسماعيل من السويداء، إن المتة من المشروبات الأشهر شعبياً، وفي محافظته "يمكن أن ترى المتة في كل بيت تقريبا، حتى أنها تدخل ضمن جهاز العروس". 

عن طريقة الشرب، يشرح ماهر لـ"ارفع صوتك": "الكثير يتناولونها دون أية إضافات، ولكن يمكن إضافة الهيل لها أو الزنجبيل أو العقدة الصفراء، والبعض يشربها بالحليب بدلا من الماء الساخن، والبعض يفضل إضافة السكر فقط مع الماء". 

هل لها طقس معين في السويداء؟ يقول ماهر "يجلس الحاضرون في حلقة، ويتم تداور جوزة أو قرعة المتة بين الحاضرين بالدور الذي يبدأ من الطرف الأيمن". 

من الأولويات 

خلال السنوات السابقة شهدت المتة ارتفاعا كبيرا في سعرها، كما فُقدت لفترات من الأسواق السورية، وعند عودتها اصطف الناس في طوابير للحصول عليها، واتجهوا لتخزينها بكميات كبيرة كي لا ينقطعوا عن شربها. 

وفي عام ٢٠٢٣ وضعت وزارة التجارة التابعة لحكومة النظام السوري، المتة، على البطاقة الذكية.  

تقول منى  عليان (29 عاما) من مدينة طرطوس: "المتة رفيقتنا في اجتماعاتنا، وهي  مشروب اجتماعي بامتياز، ولازَمَتنا في سوريا ولم نتخلّ عنها رغم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لأننا نعتبرها من الأولويات التي لا يمكن الاستغناء عنها".

"وحين انتشرت إشاعات عن إمكانية انقطاعها، أصيب بعض الناس بالهلع، واصطفت عائلات بأكملها للحصول على حصتها من المتة"، تضيف منى لـ"ارفع صوتك".

سحر، عاملة في مؤسسة "مياه حلب"، تؤكد لنا "لا أستطيع بدء يومي دون كأس من المتّة، أعددت عدة خاصة للعمل وأخرى للمنزل. وهي تمدني بالنشاط والحيوية". 

من جانبه، يقول علي حيدر، وهو بائع لشركة توزيع المتة في اللاذقية، إن الإقبال على المتة كبير جدًا "فالناس يحبونها ويستهلكونها يوميا، ما يجعل الطلب عليها مستمرا على مدار العام، أما الأصناف الأكثر رواجاً فهي متة الخارطة وبيبوري التي تستورد من الأرجنتين وتُعبأ في معمل يبرود في ريف دمشق، ويفضلها الناس بسبب طعمها الثقيل وسعرها المناسب".  

ما فوائدها؟

يُستخلص مشروب المتة من أوراق نبات ليربا ماتي، وهو نبات مشهور في الأرجنتين والأوروغواي والبرازيل وباراغواي، ويمتاز بطعمه الفريد وخصائصه المنشطة.

يقول طبيب الأعشاب سامر كرامة إن المتّة "من مشروبات الطاقة والتنبيه، وتحتوي على مضادات الأكسدة والكافايين الطبيعي، وتساعد على تعزيز التركيز، كما تحتوي على الفيتامينات والمعادن المفيدة لصحة القلب والجهاز الهضمي". 

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "مشروب المتّة يفيد في خسارة الوزن، وإذابة دهون البطن، وخفض نسبة السكر في الدم. كما أنه مدر للبول، ومليّن للمعدة والأمعاء، ويساهم في علاج عسر الهضم، والتخفيف من حدة الصداع". 

بسبب الشعبية الكبيرة لمشروب المتة، أصبحت سوريا واحدة من أكبر مستوردي المتة في العالم، حيث تستوردها بكميات كبيرة سنويًا من الأرجنتين لتلبية الطلب المحلي المتزايد.

ووفق بيانات  المعهد الوطني لليرباماتي (INYM) الأرجنتيني، فإن سوريا تعتبر من أكبر مستهلكي المتة في الشرق الأوسط. في عام 2018 حققت الصادرات  نسبة قياسية مع تصدير 43 مليون كيلوغرام من المتة. 

وقال المعهد إنه من المثير للدهشة أن أحد الأسباب الرئيسية لزيادة الصادرات الأرجنتينية هو سوريا، وهي أكبر مستورد أجنبي للمتّة في العالم. 

وأظهرت البيانات أن دول الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان تمثل في المجمل 75 بالمئة من صادرات ليربا ماتي الأرجنتينية، تليهما جمهورية التشيلي التي تعتبر ثاني أكبر وجهة تصدير.