كنيسة للسريان الآشوريين في مدينة سودرتاليه السويدية- وكالات
كنيسة للسريان الآشوريين في مدينة سودرتاليه السويدية- الصورة من موقع راديو إن بي آر الأميركي

يوم الخميس 9 مارس 1967، غادر 108 من السريان الآشوريين عديمي الجنسية  مطار بيروت في لبنان في طريقهم إلى السويد،  حيث هبطوا في مطار خارج مدينة مالمو جنوب السويد، وبعد أكثر من شهر، تحديداً يوم الخميس 13 أبريل، وصلت مجموعة ثانية من 98 لاجئا سريانياً آشورياً آخر  إلى مقاطعة سمولاند (Småland). 

كان السبب وراء هجرتهم إلى السويد هو إدخال حصة من 200 مسيحي من لبنان قررت دائرة التوظيف العامة السويدية استقبالهم، بعد التنسيق مع مجلس الكنائس العالمي والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. 

وجاء ذلك بعد زيارة مجموعة من المسؤولين الحكوميين السويديين بيروت، حيث تم قبول مجموعة مختارة من العائلات الشابة التي فرّت إلى لبنان من تركيا وسوريا، بعد الحديث عن الاضطهاد الذي تعرضت له مع تنامي النزعة القومية التركية تلو سقوط دولة الخلافة العثمانية. 

نظرت السلطات السويدية في بيروت إليهم على أنهم مجموعة مسيحية واحدة من جنوب شرق الأناضول، وهو تصور سرعان ما ثبت خطأه.

كان هؤلاء أشخاصاً ينتمون إلى عدة كنائس شرقية مختلفة وأيضا مناطق لغوية مختلفة. كما كانوا أعضاء في الكنيسة السريانية الأرثوذكسية، بالإضافة إلى البروتستانت وأعضاء الكنيسة الآشورية الشرقية، وفق الدكتور سفانتي ليندجرين، الباحث في مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة لوند. 

من جهة أخرى، يقول الباحث و الكاتب منير مجيد، إن افتتاح مكتب هجرة في لبنان لمن يرغب من هؤلاء إلى السويد كانت في الحقيقة "ضربة معلّم من رئيس الوزراء السويدي من الحزب الاشتراكي الديمقراطي أولوف بالمه، فهو من جهة أرضى الكنيسة التي كانت تهاجمه وتتهمه بالشيوعية والإلحاد، ومن جهة أخرى كانت البلاد في حاجة مزمنة إلى الأيدي العاملة. لتتلخص الفكرة بأن (السويد تريد أن تحافظ على بقايا الحضارة الآشورية)".

ويشير إلى "التداخل اللغوي اللاتيني في الأسماء والمُسميّات، فكلمة Assyirian تعني آشوري، بينما كلمة Syrian تعني سرياني أو آرامي سوري ولغته الآرامية. وآخرون يسمون أنفسهم سوريين أو كلداناً أو مسيحيين من العراق".

 

البدايات

بعد الوصول تم وضع المجموعة الأولى في منازل إيواء مجهزة، حيث تلقوا دورة تدريبية سريعة في التوجيه السويدي والمجتمعي، ثم تم إرسالهم إلى البلديات والبلدات الأصغر حيث يمكنهم توفير السكن الدائم والعمل. 

كانت بينها ضاحية سودِرتاليهِ، وبعض أحياء الطبقة العاملة في دولة الرفاهية السويدية "رونا" و"هوفشو" التي تدخل ضمن برنامج المليون للإسكان الذي نفذه أولوف بالمه.

وسودِرتاليهِ ذات تاريخ حديث، تبعد 30 دقيقة بالسيارة عن العاصمة ستوكهولم. 

وحتى الستينيات من القرن الماضي، كانت سودرتاليه مدينة صناعية سويدية عادية صغيرة، حيث يذهب الناس إلى العمل وإلى الكنيسة ومشاهدة فريق هوكي الجليد المحلي يلعب.

بعد ذلك، كان الانتعاش الاقتصادي يعني أن الشركتين الرئيسيتين في البلدة - شركة سكانيا (باللغة الإنكليزية Scania) المصنعة للشاحنات والأدوية أسترا زينيكا (باللغة الإنكليزية Astrazeneca)، نمتا بسرعة واحتاجتا إلى يد عاملة لا تستطيع السويد توفيرها.

وجاء العمال من فنلندا واليونان وإيطاليا ويوغوسلافيا في البداية، لكن كانت الحاجة إلى الموظفين في مصانع المدينة لا تزال مرتفعة، وهذه المرة كانت الموجة الكبيرة من المهاجرين من الآشوريين في محاولة لتوفير الطلب المتزايد. 

في كتابه "الآشوريين خمسون سنة في السويد"، يقول الدكتور سفانتي ليندجرين: "في مصانع أسترا زينيكا وسكانيا كان يمكن سماع اليونانية والفنلندية والهنغارية و اليوغوسلافية والتركية. لكن فجأة ظهرت لغة لا يستطيع الناس معرفة ما يجب تسميتها باللغة السويدية". 

"في البداية كانت تسمى الآشورية، ولكن بعد بدأت مجموعة أكثر تديناً  تسميها لغة أهل طورعابدين، وسوريويو، وآراميك، وسورياني، وأخيراً تقرر تسميتها السريانية".

كما يروي الصحافي نوري كينو، أنه وجد نفسه مع الأطفال الآخرين الذين قدموا إلى سودِرتاليهِ يعانون أزمة هوية، يقول "تعلمنا في المدرسة أن نفكر بشكل فردي وأن نفكر في احتياجاتنا أولاً. تلقينا أوامر صارمة في المنزل بعدم التصرف بأنانية. كان لاحتياجات أفراد الأسرة الآخرين اليد العليا. علمنا أن الكذب خطيئة".

"لكن من أجل البقاء في السويد كذبنا على مجلس الهجرة وتظاهرنا بأن أمي كانت أخت عمتي. لقد خدعنا بكل الطرق الممكنة حتى نبقى في السويد وننقذ المزيد من الآشوريين الذين خاطروا بالموت في تركيا"، يضيف كينو.

 

عنصرية ضدهم

اعتقد السريان الآشوريون أنهم قادمون إلى بلد حيث يمكنهم الحفاظ على ثقافتهم. لكن الواقع الذي واجهوه كان مختلفاً جزئياً، ففي عام 1977، نشأ الصراع بين المهاجرين والسويديين، وظل مستمراً إلى الآن.

كانت الشرارة حين قام نحو 250 من مثيري الشغب الذين يتبنون ثقافة "راغارس"، وكانوا مسلحين مبمطارق و مفكات وبراغي وسلاسل وزجاجات كحول فارغة وأدوات أخرى، بمهاجمة 30 سريانياً آشورياً داخل وخارج فندق "بريستول" في سودِرتاليهِ بعد قتال في حديقة المدينة. 

يروي الأستاذ المساعد في جامعة كارلستاد توبياس هو بنيت، في مقال تفصيلي منشور على مدونته الشخصية، كيف أنه في صباح اليوم التالي غُطيت الصفحة الأولى لأفتونبلاديت بعنوان "أعمال شغب عنصرية في سودِرتاليهِ"، وتحدث مراسل الصحيفة ميكا لارسون (1977) عن "أعمال شغب عنصرية دامية" حيث تمت مقابلة سورن إكسلسون من شرطة سودِرتاليهِ وكان عليه تقديم وصف للتسلسل العنيف للأحداث التي أدت إلى نقل 14 آشوريًا ورجل شرطة إلى المستشفى بينما تم القبض على آشوري واحد. 

ويضيف توبياس: "قيل أن نفور الـ(راغارس) من الآشوريين كان لأنهم كانوا يشغلون مساحة كبيرة، ويتحدثون بصوت عالٍ، ويتجولون وهم يرتدون ملابس أنيقة ويرتدون سلاسل ذهبية، كما انتشرت شائعات عن سيطرة الآشوريين على المدينة".

وأضافت وسائل الإعلام الوقود إلى أعمال الشغب مع عناوين رئيسية مثل "أعمال شغب عرقية" و"سودرتاليه.. مدينة يسيطر عليها الخوف".

في الوقت نفسه، كانت هناك أصوات قليلة سلطت الضوء على وضع الآشوريين في سودِرتاليهِ. ففي نهاية يوليو 1977، خرج المفتش الاجتماعي ألان بيورك، كواحد من الاستثناءات القليلة، في صحيفة "داغينز نيهتر" واتهم "مجموعة القيادة في الحزب الاشتراكي الديمقراطي الاجتماعي" في سودِرتاليهِ بأن لديها في الممارسة نفس النظرة السلبية للآشوريين مثل الـ"راغارس"، من التمييز المنهجي والعزل بينهم وقبول أن العديد من الآشوريين كانوا يعيشون في فقر مادي داخل مساكن ضيقة في مناطق برنامج المليون.


بناء الهوية

في سلسلة من ثلاث حلقات أنتجها راديو "السويد" باللغة السويدية بعنوان"قصة سودِرتاليهِ"، تم توثيق قصة وصول مسيحيي الشرق الأوسط إلى السويد.

وجاء فيها، أنه في الخمسين سنة التي تلت قدوم السريان الآشوريين إلى السويد، نشأت أجيال جديدة وأصبحت سودِرتاليهِ معقلًا قويًا للمسيحيين الآشوريين، ليشكلوا اليوم واحدة من أكبر مجموعات المهاجرين في البلاد. 

أسس الآشوريون الكنائس والجمعيات، وكان النقاش حيا حول حقهم في البقاء في البلاد، وكيف أكدوا أنفسهم كرجال أعمال وفي كرة القدم، وكيف تغيرت العلاقات مع المجتمع المحيط.

كما أصبح لهم فريقا كرة قدم، هما: Assyriska و Syrianska، وقناة فضائية اسمها "Suroyo"، تبث وتنتج من سودرتاليه منذ عام 2005، باللغة الآرامية للآشوريين، لتصل إلى 82 دولة، بالإضافة إلى أكبر صحيفة ناطقة بالسريانية في العالم الضوء "Bahro Suryoyo"، التي بدأت عام 1979 في سودرتاليه من الاتحاد الوطني السرياني في السويد.

وفي عام 1980 تم تصميم العلم الذي يمثل الأمة و الوطن والشتات السرياني.، وتعود أصوله إلى اكتشاف أثري استخرجه العالم الفرنسي أندريه دوبونت سومر (1900-1983) في تل حلف في مدينة بيت باهاني السابقة، التي تقع اليوم في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا.

لذلك لم يعد من المستغرب أبداً أن  يطلق على سودِرتاليهِ  عاصمة أوروبا (إن لم تكن في العالم) غير الرسمية للسريان، الذي يأتي العديد من هم في الأصل من مديات في جنوب شرق تركيا، بالتالي يُطلق على سودِرتاليهِ أيضًا اسم  ميديات المصغرة.

لكن منذ حرب العراق، استقبلت سودرتاليه لاجئين عراقيين أكثر من الولايات المتحدة وكندا مجتمعين، ووُصفت أحياناً بالعراق الصغير، وبغداد المسيحية الجديدة، والقدس السويدية- أو بلاد ما بين النهرين.

لا يعرف الكثير من المسيحيين من الشرق الأوسط السويد جيدا، لكنك بالتأكيد تعرف سودرتاليه، كما يقول الباحث سفانتي ليندجرين، حيث  كل شيء كان سيكون على ما يرام إذا لم يكن هناك نزاع داخلي بشأن تسمية الذات. داخل المجموعة، هناك قضية مستمرة حول ما إذا كان يجب تسمية نفسه "الآشوري" (ربط التراث العرقي الشفهي للشعب الآشوري القديم في بلاد ما بين النهرين) أو السريانية (في إشارة إلى الكنيسة الأرثوذكسية ).

هذا النقاش هو واقع بالنسبة للسريان في جميع أنحاء العالم، لكن الصراع ليس قويا وحساسا في أي مكان كما هو الحال في السويد وسودِرتاليهِ. 

وجاء السريان إلى السويد كمجموعة واحدة، لكنهم انقسموا إلى مجموعتين منفصلتين. بعد فترة وجيزة من تشكيل الجمعية الثقافية الآشورية (Assyriska) في السبعينيات، ظهرت جمعية السريان (Syrianska).عندما شكلت Assyriskaفريق كرة قدم في عام 1975، تبعتها Syrianska في عام 1977.

وتمكنت في نفس الوقت أيضا من الحفاظ على جزء من ثقافتها، وأثرت على كل من الرياضة والثقافة والتخطيط الحضري والعمارة والتجارة وغير ذلك.

 

تأثير السريان في المكان

في يوليو 2018، تم نشر مقال مثير للاهتمام في مجلة "Arkitektur" حول هذا الموضوع. كتبت المقالة جينيفر ماك، التي ألفت أيضا كتابا بعنوان "بناء المساواة: الهجرة السريانية والمدينة السويدية".

تعتقد جنيفر ماك أن تأثير السريان الآشوريين أدى إلى تغييرات في البناء والتخطيط الحضري في سودِرتاليهِ، خاصة في ضاحية جينيتا، وتم بناء مدينة آشورية سورية جديدة مع أنواع ومواد جديدة في أماكن غير متوقعة في بعض الأحيان بموافقة عامة رسمية.

وقالت "من خلال الانتقال إلى منطقة هامشية، تمكن السوريون، في عملية مفاوضات نشطة، من تطوير بنية اجتماعية جديدة دون جذب الانتباه السلبي، وتحويل مساحات دولة الرفاهية المعيارية في أحياء المدينة إلى Mesopotälje الخاصة بهم، ومثل هذه المشاريع تحدت مبادئ العمارة والتخطيط اليوتوبيا السويدية التي أكدت صراحة على محو الاختلاف". 

وأظهرت جينيفر ماك في كتابها أيضاً، كيف غيّرت المشاريع المعمارية والممارسات المكانية بتحريض من السريان البيئة المبنية للمدينة "من الأسفل"، مما يوفر منظورا جديدا للفصل العنصري في الضواحي الأوروبية الحداثية.

وتتعامل مع التوترات بين ممارسات "الحصن" لمجموعة أقلية مضطهدة تاريخيا، وسياسات الاندماج لدولة الرفاهية السويدية ومخططيها، والمواطنة الأوروبية.

وترى جينيفر ماك أن التطور في سودِرتاليهِ أمر إيجابي، تم تحديده من خلال منازل ذات تأثيرات البحر الأبيض المتوسط ​​وغيرها من ملعب كرة قدم كبير، وكنائس ضخمة ونوادٍ اجتماعية. 

لكنها ليست متأكدة من ذلك، إذ أصبح المجتمع في سودِرتاليهِ، من خلال تأثير المجموعة السكانية السريانية، أكثر توجهاً نحو السيارات والمكانة، وأكثر بطريركية، ومنقسماً طبقيًا بشكل واضح مع فصل واضح واختلافات طبقية واضحة.

واليوم، يواصل الجيل الثاني والثالث والجيل الرابع من السويديين الآشوريين الانخراط في حياة العامة في السويد متعددة الثقافات، معظمهم من المواطنين الراسخين والسويديين الفخورين الذين نجحوا بشكل جيد في تبني اللغة السويدية. 

كما برعوا في الرياضة مع العديد من أندية كرة القدم الناجحة، بالإضافة إلى ريادة الأعمال والحياة السياسية، ومن النماذج المعروفة، السياسي إبراهيم بيلان، والممثل فارس فارس، والصحافي راكل شكري، والسياسي السابق ميتين أتاسيفين، ورجل الأعمال جونيلا فون بلاتن، ولاعب كرة القدم جيمي دورماز، والمحامي إديب صمويلسون، والشاعر والكاتب المسرحي دانيال بوياسيوغلو، والمخرج والكاتب نوري كينو.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".