التقى وزير الدفاع التركي مع نظيره السوري في موسكو نهاية 2022.
التقى وزير الدفاع التركي مع نظيره السوري في موسكو نهاية 2022.

يُطْبق الصمت على مواقف أغلب أطياف المعارضة السورية تجاه التقارب التركي مع النظام السوري، فيما تتصاعد الانتقادات القادمة من فصائل مسلحة وناشطين ونازحين في الشمال السوري رفضاً للمساعي التركية "التصالحية" مع النظام، وهي الانتقادات التي لم تسلم منها مؤسسات المعارضة نفسها، خاصة تلك الموجودة في تركيا.

وفيما شهدت نهاية العام 2022 خرقاً جديدا على طريق أنقرة-دمشق، عندما التقى في العاصمة الروسية، موسكو، وزير الدفاع التركي خلوص آكاد نظيره السوري على محمود عباس، افتتح العام 2023 بالحديث عن لقاء مرتقب بين وزراء خارجية البلدين.

ويعود التقارب "المُعلن" بين الطرفين إلى أغسطس من العام الماضي، عندما كشف وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، عن "محادثة قصيرة" أجراها مع نظيره السوري، فيصل مقداد، وهو ما تبعه صدور العديد من الإشارات والتصريحات التركية في هذا الخصوص، أرفعها كان على لسان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، الذي رد على سؤال حول إمكانية لقاء الرئيس السوري بشار الأسد، بالقول: "لا مكان للخصومة الدائمة في السياسة".

وفيما لم يصدر أي تعليق رسمي عن الائتلاف السوري حول الخطوات التركية، أعلن وزير الخارجية التركي، مولود جاووش أوغلو، أن بلاده لن تقدم على أي خطوة للتطبيع مع النظام السوري بشكل يتجاوز المعارضة.

صَمت المعارضة التي تقع غالبية مقراتها في تركيا، إضافة إلى قياداتها، أثار موجة كبيرة من الاستياء بين الكثير من السوريين، الذين عبّروا عن رفضهم للتقارب التركي مع النظام السوري بتجديد التظاهرات والاعتصامات في مناطق الشمال السوري، وإطلاق حملة على مواقع التواصل الاجتماعي، تحت عنوان "#لن_نصالح"، يرفضون فيها أي إملاءات تركية لعقد اتفاق بين المعارضة والنظام.

 

رافضون ومنتقدون

 

صدرت الانتقادات لهذا التقارب حتى من الجماعات المصنفة على قائمة الإرهاب. القائد العام لهيئة تحرير الشام، جبهة النصّرة سابقاً، أو محمد الجولاني، وصف المباحثات التركية مع النظام بـ"انحراف خطيرة يمس أهداف الثورة السورية"، وعبّر في تسجيل مصوّر، جرى تداوله بشكل كبير على مواقع التواصل الاجتماعي عن رفضه المصالحه مع النظام.

وتخوض الهيئة، والتي تسيطر على مساحات واسعة في شمال غرب سوريا، معارك مع فصائل مسلحة مدعومة من تركيا بهدف توسيع النفوذ، وهو ما دفع العديد من السوريين لاعتبار كلمة الجولاني محاولة لإحراج مؤسسات المعارضة السورية "الصامتة".

وشهدت مناطق سيطرة المعارضة اعتصامات ووقفات احتجاجية وجه المشاركون فيها رسائل للحكومة التركية برفض الاتفاق مع النظام السوري، وعبّروا فيها عن معارضة الوصاية على "الثورة"، ومحاولات القضاء عليها.

ودعا معارضون رؤساء الائتلاف السوري، واللجنة الدستورية، وهيئة التفاوض إلى اتخاذ موقف واضح من السياسة التركية أو الاستقالة من مناصبهم لعدم قدرتهم على تمثيل مصالح وتطلعات الشعب السوري.

وحذّر ناشطون أن تلاقي المعارضة السورية مصير شخصيات وتنظيمات معارضة من دول عربية مارست عليها تركيا أشكالاً من التضييق بعد تحسن علاقاتها مع دول هذه الشخصيات والتنظيمات.

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".