صورة أرشيفية لأحد شوارع العاصمة السورية دمشق- تعبيرية
صورة أرشيفية لأحد شوارع العاصمة السورية دمشق- تعبيرية

"للبيع أو المقايضة على بيدونين (صفيحتي وقود) مازوت"، عنوان لمنشور اعتاد عليه السوريون عبر مجموعات شبكات التواصل الاجتماعي الخاصة بالمقايضة وبيع المستعمل.

هذا المنشور وغيره العشرات، يمكنك العثور عليها بشكل يومي عبر منصات التواصل الاجتماعي، وفي مجموعات خاصة بها، وكل مجموعة بحسب المدينة التي ينشر أهلها منها.

ويعرض السوريون ضمن هذه المجموعات أغراضهم المستعملة لبيعها، أو مقايضتها بمواد غذائية، أو محروقات، أو أشياء أخرى من أساسيات المعيشة.

من بين هذه المجموعات على موقع فيسبوك: "سوق الشام الأول للمستعمل"، "بيع كل شيء قديم وجديد في دمشق وريف دمشق"، و "بيع واشتري بالشام" التي وصل عدد أعضائها لأكثر من 400 ألف.

والمقايضة أسلوب تجاري قديم، كان يستخدم قبل ظهور النقود، أو في المدن النائية الريفية في سوريا، ويتبادل الناس من خلاله السلع دون وجود وسيط، وبحسب سعر السوق للمادة التي تتم مقايضتها أو بفارق بسيط في الأسعار.

ويلجأ العديد من السوريين لأسلوب المقايضة هذا نتيجة الأزمة الاقتصادية وأزمة المحروقات الكبيرة التي تمر بها بلدهم، إذ يؤمن لهم طرقاً جديدة لتأمين احتياجاتهم، مع اعتباره حلاً مؤقتاً، ريثما تتحسن الأحوال.

ويأتي رفع الأسعار على خلفية أزمة حادة في الوقود في مناطق سيطرة النظام، تكاد تكون الأسوأ على الإطلاق بالنظر إلى حالة الشلل التام التي أصابت القطاعات كلها، وأدت إلى توقف كثير من الفعاليات الصناعية والتجارية والخدمية والزراعية، ما تسبب بضغوط معيشية واقتصادية هائلة على الأهالي.

ويواجه سكان دمشق صعوبات في توفير مادة مازوت التدفئة، ما دفع بعضهم لاتباع أساليب المقايضة لتأمينها.

وتجاوز سعر لتر المازوت 7500 ليرة سورية.

الثلاجة مقابل معلّبات!

تقول أم أحمد في حديثها مع "ارفع صوتك"، وهي أم لأربعة أطفال وزوجها يعيش خارج سوريا، إنها اضطرت خلال الشهر الماضي لمقايضة ثلاجة بيتها مقابل الحصول على بعض المعلبات والمواد التموينية.

وتوضح: "عادة يكفيني ما يرسله لي زوجي من خارج سوريا، ولكن الأزمة الكبيرة اليوم أدت لرفع الأسعار بشكل كبير، وطريقة تحويل الأموال من أوروبا إلى سوريا أصبحت صعبة جداً، لذلك اضطررت لعملية المقايضة".

"وأنا أساسا لا أستخدم البراد أبداً، لأن التقنين في الكهرباء في مدينة حرستا يصل لأكثر من 16 ساعة يوميا، فلا حاجة له، خاصة في فصل الشتاء، ولم يعد له أهمية في ظل الوضع الحالي، ومعظم جيراني قاموا بذلك، إذ لا فائدة لوجود البراد وغسالة الملابس في المنزل، مع عدم توفر الكهرباء"، تتابع أم أحمد.

 

المازوت "هو الأهم"

وبخلاف أم أحمد، يلجأ البعض للمقايضة كأسلوب تجاري، والبعض الآخر يلجأ إليها فقط لتأمين مادة المازوت خلال فصل الشتاء، لتأمين تدفئة المنازل.

ووجد السوريون ضالّتهم لهذه المقايضة والحصول على مادة المازوت عن طريق مجموعات في مواقع التواصل الاجتماعي، إذ انتشرت بشكل كبير بين أهالي دمشق وريفها مجموعة "سوق دمشق غاز مازوت بنزين".

ويلجأ البعض عن طريقها لاستبدال جرّة الغاز الموجودة لديهم بعدد من ليترات المازوت بهدف التدفئة، والبعض الآخر يعرض مادة المازوت المتوفرة لديه للاستبدال أو البيع المباشر.

يقول أبو مازن السقباني، وهو رجل خمسيني مقيم في مدينة دمشق، إن المقايضة "حل جزئي لكنه عملي بشكل كبير، واستطاع أن يسد حاجة أعداد كبيرة من الناس المحتاجين، في ظل الأزمة الاقتصادية وغلاء الأسعار وعدم توفر المحروقات وارتفاع أسعارها".

ويضيف لـ"ارفع صوتك": "كنا نستهجن هذا الفعل في البداية، فنحن من الطبقة المتوسطة، لكن اليوم أصبح الجميع تقريباً من ذوي الدخل المحدود، والمقايضة منتشرة بشكل كبير جداً".

 

"عدنا للعصر الحجر"

مريم شابة جامعية تقيم في دمشق، تقول إنها أصبحت تستطيع تأمين الكثير من احتياجاتها عن طريق مجموعات البيع المستعمل والمقايضة.

وتبيّن لـ"ارفع صوتك": "أستطيع الاستغناء عن أي شيء لا أستعمله في المنزل وأستبدله بشيء أحتاجه، لست وحدي فجميع أصدقائي كذلك، حتى أنها أصبحت عادة شائعة بين الجميع اليوم".

"كما أننا نُقايض الأشياء التي لا نستعملها بسعر بخس مقابل أشياء أساسية نضطر لاستخدامها الدائم.. أشعر أننا عدنا للعصر الحجري.. ومن المعيب أن نصل لهنا ونحن نعيش في أقدم عاصمة مأهولة في التاريخ"، تضيف مريم.

مواضيع ذات صلة:

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

وسعت السلطات اللبنانية حملتها ضد اللاجئين السوريين لتطال أطفالهم، فوفقا لتقرير صدر قبل أيام عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، جاء فيه أن "السلطات المحلية والسياسيون في لبنان يحاولون فرض قيود تمييزية من شأنها أن تؤدي إلى حرمان عشرات آلاف الأطفال اللاجئين السوريين من حقهم في التعليم"، وتتضمن هذه القيود اشتراط حيازة إقامة صالحة كشرط للتسجيل في المدرسة.

وأشار تقرير المنظمة الدولية، الذي يحمل عنوان "أوقفوا تسييس تعليم الأطفال اللاجئين في لبنان"، إلى تغريدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "إكس" في يوليو الماضي، والتي طلب من خلالها من وزير التربية عباس الحلبي، أن يصدر تعميماً "للمدارس كلها على اختلافها، بعدم قبول أي طالب أجنبي سوري أو سواه ليس بحوزته إقامة صالحة وصادرة عن الأمن العام اللبناني".

ومن بين البلديات التي اتخذت هذا الإجراء، بلدية القاع، التي أصدرت في 22 يوليو تعميماً دعت فيه مديري المدارس الرسمية والخاصة والجمعيات التعليمية إلى عدم تسجيل أي تلميذ سوري دون التأكد من حيازته وأهله على إقامة شرعية صادرة عن الأمن العام اللبناني ومسجل في البلدية.

بررت البلدية تعميمها، بأنه يستند إلى "قرارات الحكومة اللبنانية وتوصيات مجلس النواب، إضافة إلى رغبة المجتمع المحلي والأحزاب المؤثرة في القاع"، وادعت أن هذه الإجراءات تهدف إلى "الحد من أعباء وجود النازحين السوريين غير الشرعيين وترحيلهم إلى بلدهم".

 

وسبقت بلدية سن الفيل بلدية القاع في إصدار تعميم مشابه، طالبت فيه المدارس الرسمية والخاصة ضمن نطاقها بعدم تسجيل أي تلميذ سوري لا يحمل إقامة شرعية، تحت ذريعة "الحفاظ على حقوق المواطن اللبناني".

تأتي هذه التعميم ضمن سلسلة من الإجراءات التمييزية ضد اللاجئين السوريين التي اتخذتها السلطات المحلية اللبنانية، شملت تقييد قدرتهم على استئجار منازل وفتح محلات تجارية، وإجبارهم على تزويدها ببياناتهم الشخصية، وترحيل من لا يملكون أوراق قانونية من نطاقها.

غطاء حكومي بنكهة عنصرية؟

يؤكد رئيس بلدية سن الفيل، نبيل كحالة، أن التعميم الصادر عن بلديته، والذي يحظر تسجيل اللاجئين السوريين في المدارس إلا إذا كانوا يحملون إقامة قانونية، "يأتي تنفيذاً لقرارات وزير الداخلية بسام مولوي ومجلس الوزراء والأمن العام اللبناني".

ويوضح كحالة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يكفي أن يكون لدى النازح السوري وثيقة تثبت تسجيله لدى الأمم المتحدة، نحن نطلب إقامة صادرة عن الأمن العام اللبناني لكي يتمكن من استئجار منزل والعمل والتحاق أطفاله بالمدارس."

أي مدرسة تخالف هذا القرار "سيتم تبليغ الجهات المعنية عنها"، كما ينبّه كحالة، مشدداً على أن "هذا الإجراء ليس عنصرياً، بل هو تنفيذ للقوانين اللبنانية وليس (لقوانين) الأمم المتحدة".

ويشير إلى أن "العديد من النازحين يحملون بطاقات مصرفية متعددة، ويقوم بعضهم بفتح مشاريع تجارية وتحويل الأموال إلى سوريا، وهو ما لا يتوافق مع الصورة النمطية للنازح الذي يُفترض ألا يعمل وأن يكون معتمداً على مساعدات الأمم المتحدة".

تصرّ السلطات اللبنانية على مطالبة اللاجئين السوريين بالحصول على إقامات قانونية، رغم "العقبات البيروقراطية والمعايير الصارمة المفروضة على تجديدها"، ونتيجة لذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأن "20% فقط من اللاجئين السوريين في لبنان يمتلكون وضع إقامة صالح".

وتشير المنظمة الدولية إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين علّقت التسجيل الرسمي للاجئين السوريين منذ عام 2015 استجابة لقرارات الحكومة اللبنانية، وبسبب ذلك، "يواجه 80% من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان، الذين لم يسجلوا رسمياً ويفتقرون إلى الأوراق الثبوتية، خطر فقدان إمكانية الالتحاق بالمدارس".

"جريمة ضد الإنسانية"

يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، قرار منع أطفال اللاجئين السوريين غير الحائزين على إقامة قانونية من التسجيل في المدارس بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، مشيراً إلى أن "هذا الإجراء لم يسبق له مثيل في أي دولة في العالم، وهو وصمة عار على جبين لبنان، حيث يُمنع الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم المكفول بموجب القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل."

على مدى سنوات، واجه اللاجئون السوريون في لبنان، "الذين يقدّر عددهم بنحو 1.5 مليون شخص، خطاباً معادياً يحمّلهم مسؤولية الأزمات المتعاقبة على البلاد"، وفقاً لما ذكرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، "ما أدى إلى تعرّضهم للتمييز والعنف والترحيل الجماعي".

أما الآن، تستهدف السياسات المعادية للاجئين كما تشير المنظمة الدولية "إحدى أبسط الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، ألا وهي التعليم".

أظهرت إحصاءات عام 2023 أن "37% من الأطفال اللاجئين في لبنان على مستوى التعليم الأساسي لا يرتادون المدارس"، وفق ما تقوله المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، "وتعود هذه النسبة المرتفعة إلى عدم قدرة الأسر على تحمل تكاليف النقل والمواد التعليمية، مما يحرم العديد من الأطفال من حقهم في التعليم".

وتشدد المفوضية في حديث لموقع "الحرة" على أن "التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وضروري لتنمية الأفراد والمجتمعات"، وفي ظل الوضع الصعب الذي يعيشه اللاجئون السوريون في لبنان، توضح المفوضية أن "تسعة من كل عشرة لاجئين يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، مما يدفع العديد من الأطفال لترك مقاعد الدراسة من أجل العمل لإعالة أسرهم".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان لموقع "الحرة" على أن "كل طفل يتمتع بحق أساسي في التعليم، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني"، لافتاً إلى أنه "يوجد في لبنان أكثر من 700 ألف طفل خارج المدارس ولا يتلقون التعليم، وهو رقم لا تستطيع البلاد أن تتحمل ارتفاعه أكثر من ذلك".

تداعيات خطيرة

الإجراءات التي اتخذتها بعض البلديات بحق أطفال اللاجئين السوريين تمثل وفق ما يقوله صبلوح "دعوة غير مباشرة لدفعهم إلى الشوارع وتهديد مستقبل جيل كامل، كما قد تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، وزيادة معدلات الجريمة والعنف، وتدهور الأوضاع الأمنية."

أما مفوضية شؤون اللاجئين فتشير إلى أن "الأطفال الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس يواجهون مخاطر متزايدة بالانخراط في عمالة الأطفال والتعرض لانتهاكات أخرى"، مؤكدة أنه "رغم التحديات الاقتصادية والمالية، تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها قصارى جهدهم لضمان التحاق جميع الأطفال بالمدارس".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان على أن "عواقب عدم التحاق الأطفال بالمدرسة وخيمة. فعندما يُحرمون من التعليم، يصبحون أكثر عرضة للمخاطر مثل الزواج المبكر والاستغلال الجنسي والإساءة وعمل الأطفال".

ويشدد المكتب على التزام المنظمة الكامل إلى جانب شركائها بدعم الخطة الخمسية للتعليم العام في لبنان (2021-2025)، التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم العالي في يناير 2022، "هذه الجهود تهدف إلى ضمان التعليم الإلزامي من الصف الأول حتى التاسع لجميع الأطفال في لبنان، دون تمييز".

ويوضح أن "اليونيسف تتفهم التحديات الاقتصادية الكبيرة والضغوط المالية التي يواجهها لبنان" مؤكداً على أهمية التعاون المستمر مع وزارة التربية والشركاء الآخرين لضمان استمرار التعليم لجميع الأطفال في البلاد.

وكان وزير التربية والتعليم اللبناني، عباس الحلبي، أعلن خلال مقابلة مع صحيفة "لوريان لوجور" في 13 أغسطس 2024، أن الوزارة ملتزمة بالمبدأ الأساسي لـ "اتفاقية حقوق الطفل"، مؤكداً أن جميع الأطفال سيتم تسجيلهم في المدارس اللبنانية، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما أوردت "هيومن رايتس ووتش".

ومع بدء العام الدراسي الجديد، دعت المنظمة الدولية الجهات المانحة الأجنبية، التي قدمت تمويلاً كبيراً للتعليم في لبنان، إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للالتزام بتصريحات الحلبي.

كذلك يشير صبلوح إلى أن "لبنان يتلقى مساعدات دولية باسم اللاجئين السوريين وتعليمهم، وبالتالي لا يحق له منع أي طالب من التعليم بحجة تسوية الإقامة".

ويؤكد على ضرورة مساءلة من أصدر هذه التعاميم أمام القضاء اللبناني والمجتمع الدولي، معرباً عن دعمه الكامل لتقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي انتقد هذه السياسات، داعياً إلى التوقف الفوري عن هذه الإجراءات، التي وصفها بالعنصرية وغير الإنسانية.

ويشدد على أن "معالجة ملف اللاجئين يجب أن تتم بطرق تحترم كرامة الإنسان وتلتزم بأبسط حقوقه وفق الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان"، مشيراً إلى أن "الهدف من فرض قيود تعجيزية على اللاجئين هو دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم من خلال الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت بحثاً عن مستقبل أفضل".