صورة أرشيفية لأحد أحياء مدينة حلب- ا ف ب
صورة أرشيفية لأحد أحياء مدينة حلب- ا ف ب

أثارت تصريحات مستشار رئيس حزب العدالة والتنمية التركي، ياسين أقطاي،  بشأن مدينة حلب السورية، تفاعلاً واسعا في صفحات السوريين على مواقع التواصل.

وقال أقطاي في مقابلة مع تلفزيون محلي (7 يناير الجاري)، إن بلده "تدخلت سابقاً في حلب لمنع وقوع مجازر كبيرة، ويجب أن نطالب بوضع حلب تحت السيطرة التركية".

 

 

وتزامنت تصريحات أقطاي مع تطورات جديدة في مسار تطبيع العلاقات بين أنقرة ودمشق، كان أبرزها تصريحات رئيس النظام السوري بشار الأسد، بأن التقارب مع تركيا بوساطة روسيا يجب أن يهدف إلى "إنهاء احتلال" أنقرة لأجزاء من سوريا، وهو ما يؤشر إلى تعثر مسار التطبيع خصوصا مع ضبابية موعد لقاء وزيري خارجية البلدين.

في حين تناقلت وسائل إعلام سورية محلية، منها المرصد السوري لحقوق الإنسان، مقتل عدد من ضباط وجنود تابعين لقوات النظام بقصف تركي لموقع قرب منطقة عفرين شمالي حلب، ونعت صفحات موالية مقتل اللواء ركن عمار جودت تيشوري العامل ضمن تشكيلات "الحرس الجمهوري"، في وقت امتنعت وسائل إعلام النظام الرسمية التعليق عن الخبر. 

وتصريحات أقطاي عن تسلّم تركيا إدارة الأمور لمدينة حلب ليست جديدة، إذ أشارت صحيفة "يني شفق" التركية المقربة من الحكومة، قبل سنوات إلى مفاوضات بين تركيا وروسيا بشأن صيغة ينسحب بموجبها الأسد من حلب لتنتقل السيطرة إلى تركيا.

وتحدثت الصحيفة حينذاك أنه في حال التوصل إلى اتفاق، سيُعاد إعمار حلب، ثاني أكبر المدن السورية، وسيتمكن أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ يعيشون في تركيا وأوروبا من العودة إلى وطنهم.

وبعد موجة الجدل بسبب تصريحاته، قال أقطاي في حديث مع فضائية عربية، إن  ما قاله يعبّر عن "موقف شخصي وتحليل سياسي لا علاقة لحزب العدالة والتنمية أو الحكومة التركية به". 

وأكد أن "حديثه عن حلب كان استناداً إلى مقال صحافي"، مبيناً: "ليس بالضرورة تسليم مدينة حلب لتركيا بهدف عودة اللاجئين السوريين، ولكن يمكن أن تكون الأمم المتحدة هي من تتسلم الأمور في حلب لتوفير مناخ آمن ومستقر للاجئين السوريين".

 

"ما المقابل بالنسبة للنظام؟"

عبر تطبيق "تيك توك"، طالب الناشط السوري البارز عثمان صالح، تركيا بـ"تحرير مدينة حلب من المد الشيعي الإيراني، إن كانت أنقرة تهتم بالفعل بأمنها القومي الإستراتيجي".

وقال إن "تحقيق ذلك يكمن بالاستفادة من علاقاتها الجيدة مع دول الخليج لمساعدتها في هذه المهمة، وغير ذلك ستكون الحرب داخل تركيا".

وتعرضت مدينة حلب لقصف هو الأعنف بين المدن السورية خلال الأزمة السورية، ونزح منها أكثر من 75% خلال المعارك بين قوات النظام المدعومة من روسيا، وقوات المعارضة، عام 2016.

في حينه، طالب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان بفتح الممرات الإنسانية فورا وإجلاء الناس بشكل سليم من شرق حلب دون أية عرقلة أو تخريب، قائلاً إن "النظام السوري يرتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في حلب، وعلى الجميع بمن فيهم الأطراف الداعمة له، رؤية هذه الحقيقة".

من جهته، يعلق الخبير العسكري والإستراتيجي العميد أحمد رحال، لـ"ارفع صوتك" بشأن "إمكانية سيطرة تركيا على حلب"، بقوله: "هناك نوعان من الطروحات، إحداها لأهداف سياسية ونسمعها أحياناً من المسؤولين الأتراك، والنوع الآخر، طروحات لأهداف انتخابية، أما تصريحات أقطاي فهي غير مفهومة".

"فكيف تخضع حلب للسيطرة التركية، في الوقت الذي تسعى أنقرة لمصالحة النظام، وعلى الجانب الآخر يبرز سؤال جوهري لماذا يستغني النظام عن حلب... ما المقابل الذي سيحصل عليه؟!"، يضيف رحّال.

ويتابع: "تصريحات أقطاي لمجرد الكلام لا غير، خصوصا أن النظام السوري يطالب بانسحاب الجيش التركي من الأراضي السورية، والسيطرة على معبر باب الهوى والطرق الدولية".

ويرى رحّال أن السيناريو المطروح اليوم في حال تعثرت مفاوضات التطبيع، هو العودة لما كانت عليه الأمور قبل طرح المصالحة، أي "تفاهمات أستانا"، ولا يوجد خطة باء أخرى غير ذلك، وفق تعبيره.

 

غياب الأمان والاستقرار

في شهر مايو 2022، أورد تقرير لمجموعة الأزمات الدولية، بعنوان "سورية: الحكم فوق أنقاض حلب"،  أن المدينة "تفتقر إلى الاستقرار والأمان رغم سيطرة قوات النظام السوري والمليشيات الموالية لها عليها منذ 6 سنوات".

وأضاف بأن "حلب كانت أكبر مدن البلاد ومحركها الاقتصادي قبل أن يحول قصف مدفعية النظام السوري والغارات الجوية الروسية أحياء كاملة فيها إلى ركام، ويتسبب في تهجير معظم سكانها".

وجاء في التقرير: "لم يعد كثيرون إلى المدينة ولم تتعافَ الشركات والأعمال الأخرى، في الوقت الذي توسّع الميليشيات المرتبطة بالحكومة حضورها، ولا يزال الوضع الأمني هشاً؛ علاوة على ذلك، فإن معظم سكان المدينة الذين هُجِّروا إلى المناطق التي تسيطر عليها المعارضة أو إلى الخارج لم يتمكنوا من العودة، بشكل رئيس لأنهم يخشون التجنيد الإجباري أو الانتقام بسبب مشاركتهم المحتملة في الثورة.

وامتنع رئيس النظام السوري عن زيارة حلب بعد سيطرة قواته عليها أواخر العام 2016، ما فسر حينها أنه شروط وتفاهمات تركية روسية أرغمت الأسد على عدم زيارة المدينة، قبل أن يفعل ذلك في يوليو 2022 لأول مرة منذ 11 عاما وليس منذ إعادة سيطرة قواته على المدينة فحسب.

مواضيع ذات صلة:

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

وسعت السلطات اللبنانية حملتها ضد اللاجئين السوريين لتطال أطفالهم، فوفقا لتقرير صدر قبل أيام عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، جاء فيه أن "السلطات المحلية والسياسيون في لبنان يحاولون فرض قيود تمييزية من شأنها أن تؤدي إلى حرمان عشرات آلاف الأطفال اللاجئين السوريين من حقهم في التعليم"، وتتضمن هذه القيود اشتراط حيازة إقامة صالحة كشرط للتسجيل في المدرسة.

وأشار تقرير المنظمة الدولية، الذي يحمل عنوان "أوقفوا تسييس تعليم الأطفال اللاجئين في لبنان"، إلى تغريدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "إكس" في يوليو الماضي، والتي طلب من خلالها من وزير التربية عباس الحلبي، أن يصدر تعميماً "للمدارس كلها على اختلافها، بعدم قبول أي طالب أجنبي سوري أو سواه ليس بحوزته إقامة صالحة وصادرة عن الأمن العام اللبناني".

ومن بين البلديات التي اتخذت هذا الإجراء، بلدية القاع، التي أصدرت في 22 يوليو تعميماً دعت فيه مديري المدارس الرسمية والخاصة والجمعيات التعليمية إلى عدم تسجيل أي تلميذ سوري دون التأكد من حيازته وأهله على إقامة شرعية صادرة عن الأمن العام اللبناني ومسجل في البلدية.

بررت البلدية تعميمها، بأنه يستند إلى "قرارات الحكومة اللبنانية وتوصيات مجلس النواب، إضافة إلى رغبة المجتمع المحلي والأحزاب المؤثرة في القاع"، وادعت أن هذه الإجراءات تهدف إلى "الحد من أعباء وجود النازحين السوريين غير الشرعيين وترحيلهم إلى بلدهم".

 

وسبقت بلدية سن الفيل بلدية القاع في إصدار تعميم مشابه، طالبت فيه المدارس الرسمية والخاصة ضمن نطاقها بعدم تسجيل أي تلميذ سوري لا يحمل إقامة شرعية، تحت ذريعة "الحفاظ على حقوق المواطن اللبناني".

تأتي هذه التعميم ضمن سلسلة من الإجراءات التمييزية ضد اللاجئين السوريين التي اتخذتها السلطات المحلية اللبنانية، شملت تقييد قدرتهم على استئجار منازل وفتح محلات تجارية، وإجبارهم على تزويدها ببياناتهم الشخصية، وترحيل من لا يملكون أوراق قانونية من نطاقها.

غطاء حكومي بنكهة عنصرية؟

يؤكد رئيس بلدية سن الفيل، نبيل كحالة، أن التعميم الصادر عن بلديته، والذي يحظر تسجيل اللاجئين السوريين في المدارس إلا إذا كانوا يحملون إقامة قانونية، "يأتي تنفيذاً لقرارات وزير الداخلية بسام مولوي ومجلس الوزراء والأمن العام اللبناني".

ويوضح كحالة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يكفي أن يكون لدى النازح السوري وثيقة تثبت تسجيله لدى الأمم المتحدة، نحن نطلب إقامة صادرة عن الأمن العام اللبناني لكي يتمكن من استئجار منزل والعمل والتحاق أطفاله بالمدارس."

أي مدرسة تخالف هذا القرار "سيتم تبليغ الجهات المعنية عنها"، كما ينبّه كحالة، مشدداً على أن "هذا الإجراء ليس عنصرياً، بل هو تنفيذ للقوانين اللبنانية وليس (لقوانين) الأمم المتحدة".

ويشير إلى أن "العديد من النازحين يحملون بطاقات مصرفية متعددة، ويقوم بعضهم بفتح مشاريع تجارية وتحويل الأموال إلى سوريا، وهو ما لا يتوافق مع الصورة النمطية للنازح الذي يُفترض ألا يعمل وأن يكون معتمداً على مساعدات الأمم المتحدة".

تصرّ السلطات اللبنانية على مطالبة اللاجئين السوريين بالحصول على إقامات قانونية، رغم "العقبات البيروقراطية والمعايير الصارمة المفروضة على تجديدها"، ونتيجة لذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأن "20% فقط من اللاجئين السوريين في لبنان يمتلكون وضع إقامة صالح".

وتشير المنظمة الدولية إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين علّقت التسجيل الرسمي للاجئين السوريين منذ عام 2015 استجابة لقرارات الحكومة اللبنانية، وبسبب ذلك، "يواجه 80% من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان، الذين لم يسجلوا رسمياً ويفتقرون إلى الأوراق الثبوتية، خطر فقدان إمكانية الالتحاق بالمدارس".

"جريمة ضد الإنسانية"

يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، قرار منع أطفال اللاجئين السوريين غير الحائزين على إقامة قانونية من التسجيل في المدارس بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، مشيراً إلى أن "هذا الإجراء لم يسبق له مثيل في أي دولة في العالم، وهو وصمة عار على جبين لبنان، حيث يُمنع الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم المكفول بموجب القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل."

على مدى سنوات، واجه اللاجئون السوريون في لبنان، "الذين يقدّر عددهم بنحو 1.5 مليون شخص، خطاباً معادياً يحمّلهم مسؤولية الأزمات المتعاقبة على البلاد"، وفقاً لما ذكرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، "ما أدى إلى تعرّضهم للتمييز والعنف والترحيل الجماعي".

أما الآن، تستهدف السياسات المعادية للاجئين كما تشير المنظمة الدولية "إحدى أبسط الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، ألا وهي التعليم".

أظهرت إحصاءات عام 2023 أن "37% من الأطفال اللاجئين في لبنان على مستوى التعليم الأساسي لا يرتادون المدارس"، وفق ما تقوله المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، "وتعود هذه النسبة المرتفعة إلى عدم قدرة الأسر على تحمل تكاليف النقل والمواد التعليمية، مما يحرم العديد من الأطفال من حقهم في التعليم".

وتشدد المفوضية في حديث لموقع "الحرة" على أن "التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وضروري لتنمية الأفراد والمجتمعات"، وفي ظل الوضع الصعب الذي يعيشه اللاجئون السوريون في لبنان، توضح المفوضية أن "تسعة من كل عشرة لاجئين يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، مما يدفع العديد من الأطفال لترك مقاعد الدراسة من أجل العمل لإعالة أسرهم".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان لموقع "الحرة" على أن "كل طفل يتمتع بحق أساسي في التعليم، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني"، لافتاً إلى أنه "يوجد في لبنان أكثر من 700 ألف طفل خارج المدارس ولا يتلقون التعليم، وهو رقم لا تستطيع البلاد أن تتحمل ارتفاعه أكثر من ذلك".

تداعيات خطيرة

الإجراءات التي اتخذتها بعض البلديات بحق أطفال اللاجئين السوريين تمثل وفق ما يقوله صبلوح "دعوة غير مباشرة لدفعهم إلى الشوارع وتهديد مستقبل جيل كامل، كما قد تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، وزيادة معدلات الجريمة والعنف، وتدهور الأوضاع الأمنية."

أما مفوضية شؤون اللاجئين فتشير إلى أن "الأطفال الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس يواجهون مخاطر متزايدة بالانخراط في عمالة الأطفال والتعرض لانتهاكات أخرى"، مؤكدة أنه "رغم التحديات الاقتصادية والمالية، تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها قصارى جهدهم لضمان التحاق جميع الأطفال بالمدارس".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان على أن "عواقب عدم التحاق الأطفال بالمدرسة وخيمة. فعندما يُحرمون من التعليم، يصبحون أكثر عرضة للمخاطر مثل الزواج المبكر والاستغلال الجنسي والإساءة وعمل الأطفال".

ويشدد المكتب على التزام المنظمة الكامل إلى جانب شركائها بدعم الخطة الخمسية للتعليم العام في لبنان (2021-2025)، التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم العالي في يناير 2022، "هذه الجهود تهدف إلى ضمان التعليم الإلزامي من الصف الأول حتى التاسع لجميع الأطفال في لبنان، دون تمييز".

ويوضح أن "اليونيسف تتفهم التحديات الاقتصادية الكبيرة والضغوط المالية التي يواجهها لبنان" مؤكداً على أهمية التعاون المستمر مع وزارة التربية والشركاء الآخرين لضمان استمرار التعليم لجميع الأطفال في البلاد.

وكان وزير التربية والتعليم اللبناني، عباس الحلبي، أعلن خلال مقابلة مع صحيفة "لوريان لوجور" في 13 أغسطس 2024، أن الوزارة ملتزمة بالمبدأ الأساسي لـ "اتفاقية حقوق الطفل"، مؤكداً أن جميع الأطفال سيتم تسجيلهم في المدارس اللبنانية، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما أوردت "هيومن رايتس ووتش".

ومع بدء العام الدراسي الجديد، دعت المنظمة الدولية الجهات المانحة الأجنبية، التي قدمت تمويلاً كبيراً للتعليم في لبنان، إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للالتزام بتصريحات الحلبي.

كذلك يشير صبلوح إلى أن "لبنان يتلقى مساعدات دولية باسم اللاجئين السوريين وتعليمهم، وبالتالي لا يحق له منع أي طالب من التعليم بحجة تسوية الإقامة".

ويؤكد على ضرورة مساءلة من أصدر هذه التعاميم أمام القضاء اللبناني والمجتمع الدولي، معرباً عن دعمه الكامل لتقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي انتقد هذه السياسات، داعياً إلى التوقف الفوري عن هذه الإجراءات، التي وصفها بالعنصرية وغير الإنسانية.

ويشدد على أن "معالجة ملف اللاجئين يجب أن تتم بطرق تحترم كرامة الإنسان وتلتزم بأبسط حقوقه وفق الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان"، مشيراً إلى أن "الهدف من فرض قيود تعجيزية على اللاجئين هو دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم من خلال الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت بحثاً عن مستقبل أفضل".