سوري يقود دراجته في إحدى الليالي المظلمة بسبب غياب الكهرباء- تعبيرية
سوري يقود دراجته في إحدى الليالي المظلمة بسبب غياب الكهرباء- تعبيرية

كشفت دراسة ميدانية أعدها مركز "حرمون" للدراسات المعاصرة، أنّ 3.5% من السوريين في المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، حصلوا على القدر الكافي من الطاقة بأنواعها، مقابل عدم وصولها بالحد الأدنى للغالبية العظمى.

وأشارت الدراسة إلى أنّ تناقص مصادر الطاقة وندرتها في مناطق سيطرة النظام أبرز سمة من سمات زمن الحرب وتداعياتها على السوريين وأسرهم، مقارنة ببقية المناطق السورية الواقعة تحت سيطرة القوات الكردية أو مناطق إدلب وشمال حلب.

الدراسة التي قام بها فريق البحث الميداني في مركز "حرمون"، وأعدها الدكتور طلال مصطفى والباحث السوري وجيه حداد، اعتمدت على 200 استبيان ميداني في العاصمة دمشق ومدينة حماة، كنموذجين عن بقية المناطق التي يسيطر عليها النظام.

وقال 96.5% من المستطلعة آراؤهم، إنهم لم يحصلوا على حاجتهم الضرورية من الطاقة، فيما قال 37.5% من المستطلعة آراؤهم، إن البطاقة الذكية التي تحدد المخصصات الرسمية هي مصدرهم الرئيس، علماً أن البطاقة الذكية لا تغطي أكثر من 10% من الاحتياجات المطلوبة للعائلة.

 

"المعظم يفكر بالهجرة"

في حديثه مع "ارفع صوتك"، يوضح معدّ الدراسة، الدكتور طلال مصطفى، وهو أستاذ علم الاجتماع في جامعة دمشق، أن البدائل التي كان يستخدمها السوريون لإنارة المنزل أصبحت تحتاج للشحن من الكهرباء، والكهرباء غير متوفرة، ومن الممكن أن تأتي ساعة واحدة فقط في اليوم في عدد كبير من المناطق أو حتى أقل من ذلك.

ويضيف: "وبالنسبة للمازوت، كانت الحكومة (حكومة النظام) سابقاً تُعطي كل عائلة 50 ليتر مازوت، ولكن هذا العام لم يستلموا أي كمية منه، ويحصلون على أسطوانة الغاز كل ثلاثة شهور تقريبا، ما استدعاهم أن يعودوا لوسائل بدائية مثل الاعتماد على البابور (يعمل بالكاز)، وفي الأرياف عادوا لطهي الطعام على الحطب".

"أيضاً هذا العام (2022) لم يعد باستطاعتهم الحصول على الحطب نتيجة الغلاء وعدم توفره خاصة في المناطق الوسطى والشمالية والشرقية، التي لا توجد فيها غابات إلا في بعض القرى"، يتابع الدكتور مصطفى.

ويشير إلى أن "عدم توفر هذه البدائل البدائية دفع عدداً كبيراً من السوريين للتفكير بالهجرة"، مردفاً "معظم من قابلناهم يفكرون بالهجرة بعد بيع ممتلكاتهم، والبعض يبيع منزله حتى يرسل فرداً واحداً من أفراد أسرته إلى خارج سوريا، علّه يعمل ويرسل لهم ما يغنيهم ويجعلهم يعيشون بالحد الأدنى".

البطاريات الأعلى استهلاكاً

وحسب دراسة "حرمون"، شكلت البطاريات البديل الأعلى استهلاكاً، بنسبة 56.5%، فيما أكد 20% من المستطلعة آراؤهم أنهم يجدون بديل الطاقة الغائبة في السوق السوداء، و19% قالوا إن لا بدائل ممكنة بالنسبة لهم، بسبب عدم قدرتهم على تحمّل تكاليفها.

بينما شكلت ألواح الطاقة الشمسية بديلاً لـ 9.5%، يليها الحطب بنسبة 8.5%، و"البابور" بنسبة 4.5%، وبلغت نسبة الاعتماد على مولدات الكهرباء 1.5%.

وأكد 17% من عينة البحث أنّ دخلهم المادي يكفي للعيش وبإمكانهم تغطية نفقات مصادر الطاقة البديلة، في حين أنّ الغالبية من عينة البحث بينت عجزها عن تحمّل تكاليف الطاقة من مصادر، ما يشير إلى تجاوز الأزمة بُعدَها الاقتصادي وارتباطها بأنماط العيش والقيم المجتمعية، بحسب الدراسة.

يقول الدكتور مصطفى: "حتى في بعض القرى أصبحوا يقطعون شجرهم المثمر، ويفضلون تدفئة أطفالهم على الحصول على الثمار. وهناك مَن امتهن قطع الأشجار الحرجية والمثمرة لبيعها في الأسواق بأسعار مرتفعة نتيجة زيادة الطلب عليها".

وهذا من شأنه أن يترك "أثراً كارثياً على البيئة والثروة الحرجية، وسيصل إلى دمار حقيقي لسوريا الطبيعية والمجتمعية في المستقبل"، وفق تعبير الدكتور مصطفى.

انعكاسات اجتماعية

يقول الباحث طلال مصطفى لـ"ارفع صوتك"، إن معظم المشمولين في الدراسة، تحدثوا عن انحسار عادة "العزومات" (الدعوات) في مناسبات الأفراح والأتراح (الزواج، تقديم العزاء، عيادة المرضى ...الخ)، وإتمام مراسم الزفاف دون حفل في الصالات، بالإضافة لغياب الهدايا، خاصة الذهب.

ويضيف "حتى في حالات الموت، تم الاكتفاء بالتعازي دون تقديم الطعام عن روح المتوفى، وهي إحدى العادات المتوارثة في سوريا، حيث كان السوريون يتفاخرون بعدد الذبائح التي تُقدَم في اليوم الثالث على وفاة الشخص".

وبحسب نسبة كبيرة من عينة الدراسة، بات تناول الطعام في الخارج (المطاعم) أمراً "معدوماً"، وإذا حصلت لدى قلة منهم، فإن كل شخص يدفع الفاتورة عن نفسه.

كما تراجعت الزيارات المتبادلة بين السوريين، خاصة مع الأقارب والأصدقاء البعيدين جغرافيا، والاقتصار على العلاقات مع الأقارب والأصدقاء المجاورين للسكن، بهدف الحاجة والمساعدة في تأمين متطلبات الحياة اليومية.

ووفق الدراسة أيضاً، انحسرت العلاقات الاجتماعية حتى في المناسبات الدينية والعائلية، التي تعد بعضها "مقدسة" مثل تبادل التهنئة بعيد الفطر، وتقديم التعازي أو التهاني والتبريكات في المناسبات السعيدة.

تأثير هذه المحدودية للطاقة، تجاوز الجماعات إلى الأفراد أنفسهم، يقول الدكتور مصطفى: "معظم أفراد عينة الدراسة ظهرت عليهم علامات التوتر، والعزلة والحزن والإحباط والاستياء".

وعطفاً على ذلك، أظهرت الدراسة أن 4% من المستطلعة آراؤهم فكروا بالانتحار، وعبر %14 منهم عن الشعور بالإحباط والعجز، وتساوى الحزن والاكتئاب بـ %13 لكل منهما، وتساوت حالة اليأس والرغبة في الهرب مع حالة التوتر بـ %12 لكل منهما، وعبر %10 منهم عن الشعور بالغضب، فيما عبر %6 منهم عن ميلهم إلى الشتائم والشجار.

وبناء على كل ما سبق، يؤكد الدكتور مصطفى، أنه وفي حال استمرار ما وصفها بـ"الحالة الكارثية" لعقد آخر "فمن الطبيعي أن تحصل تغيرات جذرية في المنظومة القيمية للسورين".

مواضيع ذات صلة:

رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية
رغبة سورية تركية في إعادة العلاقات - الصورة أرشيفية

تثير احتمالات التقارب التركي مع نظام الرئيس السوري بشار الأسد مخاوف كبيرة لدى المُعارضين السوريين، خاصة في ظل وجود نحو ستة ملايين إنسان يعيشون في مناطق الشمال، التي تضم محافظة إدلب، وريفي حلب الشمالي والشرقي، وأجزاء من محافظتي الرقة والحسكة.

وينقسم الشمال السوري الخارج عن سيطرة النظام إلى منطقتي نفوذ رئيسيتين، هما إدلب وجزء من ريف حلب الغربي، حيث تسيطر "هيئة تحرير الشام"، ومنطقة النفوذ التركي التي تسيطر عليها فصائل "الجيش الوطني" المدعومة من أنقرة.

ومنذ أغسطس 2016، تدخلت تركيا عسكرياً في مناطق الحدود السورية، وخاضت في البداية معارك مع تنظيم داعش. وبعد عامين دخلت في حرب مع قوات سوريا الديمقراطية غرب نهر الفرات ثم في شرقه، موسّعةً مناطق نفوذها.

 

"انسحاب مشروط"

ولّدت التصريحات التركية، وخصوصاً تلك التي أدلى بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان حول رغبته بالتقارب مع دمشق، مخاوف عميقة عند شريحة واسعة من السكان خاصة في المناطق التي لا توجد تحت نفوذ تركي مباشر، مع وجود عدد من نقاط المراقبة في أريافها الشرقية والجنوبية والشمالية.

وتصف تركيا مناطق نفوذها، المسمّاة "درع الفرات" و"غصن الزيتون" و"نبع السلام"، بأنها "مناطق آمنة". وصرح وزير الداخلية التركي بأن تلك المناطق عاد إليها أكثر من 600 ألف سوري "بشكل طوعي" منذ العام 2016.

غير أن سيناريو التقارب التركي مع الأسد حرك المخاوف من أن تؤدي المفاوضات  إلى "انسحاب تركي محتمل"، وعودة تلك المناطق إلى سيطرة النظام السوري، وهي التي تضم الشريحة السكانية الأكبر من معارضي الأسد، بمن فيهم النازحون من بقية المناطق السورية.

وكان وزير الدفاع التركي يشار غولر صرّح، في يونيو الماضي، بأن بلاده "تدرس إمكانية سحب قواتها من سوريا" بشرط أن يتمّ ضمان بيئة آمنة وأن تكون الحدود التركية آمنة.

 

سيناريو "كارثي"

في منتصف أغسطس الحالي، اتّهم غولر النظام السوري برفض العودة إلى "الاستقرار والسلام"، عبر وضعه شرط الانسحاب من شمال سوريا، واصفا هذا الشرط بأنه "يعدّ بمثابة رفض لعودة الاستقرار والسلام".

الخوف من هجمات قد يشنّها النظام السوري والميليشيات الموالية له، عقب أي احتمال انسحاب التركي، يشكّل "سيناريو كارثياً" في مناطق إدلب وعموم الشمال السوري، وفقاً للناشط المعارض سعود عبيدو، المقيم في ريف حلب الشمالي.

يقول عبيدو لـ"ارفع صوتك" إن "مناطق الشمال السوري في الوقت الحالي "لا تعيش وضعاً مثالياً من الناحية الأمنية والاقتصادية. لكن الأوضاع تعدّ أفضل بكثير من الحال التي كانت عليها عندما كانت تئن تحت حكم الأسد ونظامه".

وينقل عبيدو خشية الناس من مصير مجهول في حال قررت تركيا الانسحاب. بالنسبة إليه، فإن "النظام والميليشيات الإيرانية سيبادرون للهجوم على الشمال السوري، وتعود سيناريوهات المجازر والمعارك مجدداً".

 

ترقّب مشوب بالخوف

لا ينظر غالبية السكان في الشمال السوري بإيجابية لعودة نظام الأسد إلى مناطقهم "في ظل استمرار السياسة الأمنية نفسها"، وفقاً للمواطن إياد الراضي، النازح من ريف دمشق.

يتوقع الراضي (62 عاماً)، وهو يقيم في مدينة جرابلس شرق حلب، أن "ينتقم النظام من الجميع" في الشمال السوري، لأنه "يدرك جيداً أن جميع السكان فيه -بمن فيهم النازحون- معارضون ويرفضون العودة للعيش تحت حكمه".

رأي مقارب تدلي به السيدة خالصة العلي، النازحة من ريف حلب الجنوبي إلى منطقة الباب شرق المحافظة. هي التي فرّت في العام 2015 مع طفليها، بعد مقتل زوجها بقصف على منطقة "الحاضر". تقول إن "أي انسحاب تركي من مناطقنا سيُعيدنا إلى الكابوس نفسه، لن يكون أمامنا سوى الهروب نحو الحدود التركية".

ومن جهته، يعبّر مصطفى العبادي، وهو تاجر أثاث منزلي في منطقة الباب، ونازح من ريف دير الزور، عن مخاوف عامة في الشمال السوري من أن تتم التضحية بسكان تلك المناطق "على مذبح" تسويات دولية، أو صفقة قريبة بين أنقرة ودمشق.

يقول العبادي لـ"ارفع صوتك": "نعيش في حالة انتظار وترقّب وتخوّف.. نتحدث يومياً عما يجب فعله في حال انسحاب القوات التركية. ونعرف أن علينا أن نكون مستعدّين للأسوأ، لكن لا نعرف ماذا يمكن أن يحدث ومتى".

 

"العقبة الكبيرة"

يشكل ملف الانسحاب التركي من الشمال السوري "العقبة الكبيرة في مشروع التطبيع بين أنقرة ودمشق"، وفقاً للمحلل السياسي التركي محمود علوش، الذي لا يرى إمكانية لتصوّر مضيّ مسار التقارب، "من دون التوافق على الشكل الذي سيعالج فيه ملف الوجود التركي".

ويربط علوش، في حديثه لـ"ارفع صوتك"، ملف الوجود التركي بديناميكيات التواجد العسكري لدول أخرى مثل إيران والولايات المتحدة. وبالتالي، فإن "حل هذا الملف يتطلب توفّر مجموعة من الظروف المعقدة المحلية والخارجية".

وفي ما يمكن قراءته على أنه "رسائل طمأنة من أنقرة إلى سكان الشمال السوري"، وضعت تركيا، كما يوضح علوش، "شروطاً واضحة للتفاوض مع دمشق على مستقبل وجودها العسكري في سوريا"، وهذه الشروط "تتمثل بمعالجة هواجسها الأمنية وإعادة اللاجئين وحل سياسي للصراع السوري".

وبحسب علوش، "أرادت أنقرة إرسال رسالتين للأسد: الأولى، أنها مُستعدة للتطبيع الذي يعود بالفوائد على الطرفين ولا يمس بجوهر مقاربتها لتسوية الصراع ولكيفية معالجة ملف وجودها. والثانية، أن اندفاعها نحو التطبيع لا تنم عن ضُعف وبأن إصرار الأسد على أولوية معالجة ملف الانسحاب لن يؤدي سوى إلى تقويض فرصة نادرة للتطبيع".