آلاف القتلى والجرحى في سوريا جراء الزلزال.

خلال الدقائق الأولى التي تبعت الزلزال الذي ضرب جنوب تركيا والشمال السوري، سَرى اعتقاد بين السوريين في مناطق سيطرة المعارضة أنهم يتعرضون لهجمات من قبل طيران النظام، لكنهم سرعان ما أدركوا حقيقة الزلزال الذي خلف ما يزيد على ألفي قتيل ومئات المفقودين وآلاف الجرحى، إلى جانب البيوت والمباني المدمّرة.

وامتد تأثير الزلزال المدمّر إلى محافظات إدلب وحلب وحماة واللاذقية وطرطوس.

وفي حصيلة غير نهائية، أعلنت وزارة الصحة التابعة للنظام السوري عن 812 وفاة في محافظات اللاذقية وحلب وحماة وطرطوس، فيما أعلن الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) عن أكثر من 900 وفاة في محافظة إدلب، فيما يتواصل العمل لإنقاذ عالقين تحت الأنقاض، وسط تقديرات بزيادة أعداد القتلى.

وفيما وضعت حكومة النظام "خطة تحرك طارئة" للتعامل مع تبعات الزلزال ومساعدة المتضررين، أعلنت "الحكومة السورية المؤقتة" (معارضة) مناطق سيطرتها مناطق منكوبة، وناشدت المنظمات الدولية والإنسانية تقديم المساعدة العاجلة، بالتزامن مع حملات أطلقتها منظمات إغاثية أهلية لجميع التبرعات ومساعدة المتضررين.

الأعداد الكبيرة للضحايا، والدمّار الواسع الذي طال "مسرح الزلزال" في الجانب السوري، أعاد التركيز على واقع الأبنية في سوريا والدمار الذي لحق بها خلال سنوات الصراع، بشكل "سهل من مهمة الزلزال"، كما يقول لـ"ارفع صوتك" خبير العمارة السوري، محمود عبد السلام.

 

قبل الزلزال

 

تسبب الصراع السوري بتدمير عشرات آلاف الأبنية بشكل كلي أو جزئي، نتيجة للغارات التي نفذها طيران النظام باستخدام الصواريخ أو البراميل المتفجرة، أو خلال الاشتباكات "العنيفة" التي شهدتها المدن.

وفيما اضطر أصحاب البيوت المدمّرة إلى النزوح، واصل أصحاب بيوت متضررة بشكل جزئي الإقامة فيها، كذلك تحوّلت العديد من البيوت والمباني المتهالكة إلى ملاجئ للنازحين الذين فضلوها على الإقامة في الخيام أو بيوت الطين والصفيح.

ومثلت المباني المتهالكة خلال السنوات الماضية خطراً داهماً بسبب حوادث الانهيار المتكررة، والتي كان آخرها في 22 يناير الماضي، عندما انهار مبنى سكني مؤلف من خمسة طوابق في حي الشيخ مقصود بمدينة حلب، وراح ضحيته 16 شخصاً.

ورغم أن نتائج التحقيقات خلصت حينها إلى أن سبب الانهيار ناتج عن تسرب المياه إلى أساسات المبنى، يعتقد خبير العمارة، محمود عبد السلام، أن "الانهيار عائد إلى الأضرار التي طالت البناء نتيجة لعمليات القصف".

White Helmet rescue workers search for victims and survivors in the rubble of collapsed buildings, following an earthquake in…
الزلزال المدمر.. نصائح بشأن "التصرف الآمن" خلال الهزات وبعدها
هز زلزال مدمر تركيا، صباح الإثنين، وصلت ارتداداته إلى دول شرق أوسطية عدة منها سوريا ولبنان وقبرص. وقال مسؤولان تركيان محليان إن مالا يقل عن عشرة أشخاص لقوا حتفهم في تركيا بعد أن هز زلزال جنوب البلاد وشمال سوريا أيضا.

وتكررت حوادث انهيار المباني في محافظات حلب وحماة خلال السنوات الماضية، إضافة إلى إدلب الواقعة تحت سيطرة هيئة تحرير الشام والتي حذّر الدفاع المدني السوري (الخوذ البيضاء) فيها مراراً من أخطار المباني المتهالكة على حياة المدنيين.

 

"بيئة جاهزة للانهيار"

 

ورغم تأكيد عبد السلام على أن قوة الزلزال التي بلغت  7.8 درجة  كفيلة بالتسبب بأضرار كبيرة، إلا أنه يرى أن واقع الأبنية ساهم في زيادة حجم الخسائر.

بأصابع أيديهم يحفرون، يبحثون، ويحاولون.. هنا الشمال السوري عند كل كارثة وكل مصيبة. لتقديم العون لهم بالتبرع مباشرة عبر الموقع: https://molhamteam.com/campaigns/439 #زلزال_سوريا

Posted by ‎فريق ملهم التطوعي Molham Volunteering Team‎ on Monday, February 6, 2023

يقول: "تعرضت مدن الشمال خلال السنوات الماضية إلى قصف عنيف باستخدام الصواريخ والبراميل المتفجرة. غالبية البيوت والمباني التي نجت من الدمار الكامل لحقتها أضرار كبيرة على مستوى أساسات البناء والتصدعات والهبوطات في السُقوف بشكل جعلها مهيئة للانهيار في أي وقت".

ويدعو عبد السلام إلى إخلاء المباني المتهالكة والتوقف عن استخدامها لإيواء النازحين، إضافة إلى إجراء فحص للأساسات قبل عمليات ترميم المباني والمنازل  وعدم الاكتفاء بالمعالجات الخارجية للبناء.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".