خريطة متداولة لحركة الطيران فوق سوريا
صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي

تُظهر صورة ملتقطة من موقع flightradar24، المتخصص في رصد حركة الطيران حول العالم، عشرات الطائرات في المجال الجوي للدول المحيطة بسوريا، وخصوصاً تركيا، فيما لا تشهد الأجواء السورية مرور أي طائرة.

مغردون استخدموا الصورة للقول إن المساعدات الدولية تصل إلى تركيا ولا تصل إلى سوريا بسبب العقوبات وما أسماه البعض "الحظر الجوي". 

في الحقيقة، لا يوجد أي حظر جوي على سوريا، لكن غالبية شركات الطيران المدني تتفادى المرور عبر الأجواء السورية لأسباب أمنية باعتبارها منطقة حرب.

ويستخدم طيران الشرق الأوسط اللبناني مثلا الأجواء السورية في رحلاته إلى الخليج والعراق. ويمكن في أوقات كثيرة عبر موقع flightradar24 ملاحظة وجود بعض الطائرات في الأجواء السورية.

حتى الدول الحليفة لنظام الرئيس السوري بشار الأسد، كروسيا، منعت شركات الطيران الخاصة بها من التحليق في الأجواء السورية.

وقد ذكرت صحيفة "كوميرسانت" الروسية في نهاية العام الماضي أن "عدة شركات طيران روسية طلبت من الوكالة الفيدرالية الروسية للنقل الجوي رفع الحظر عن التحليق فوق سوريا الذي فرض في عام 2013 على خلفية تعرض طائرة مدنية روسية لخطر قصف صاروخي في الأجواء السورية".

إضافة إلى ذلك، شهدت المطارات الخاضعة لسيطرة النظام وصول طائرات تحمل مساعدات من دول حليفة، كسوريا وإيران، أو لم تقطع علاقاتها به كالعراق والجزائر.

وبدورها، أعلنت معظم دول العالم إرسال مساعدات لدعم المتضررين في تركيا وسوريا، وإن كانت هذه المساعدات تصل أولاً إلى المطارات التركية. 

واستخدمت الصورة التي انتشرت بقوة للتأكيد على أن سوريا، وتحديداً المناطق التي يسيطر عليها النظام، متروكة لمحنتها من قبل العالم أجمع، فيما تتركز جهود الإغاثة على تركيا.

وألقى المتابعون أيضا باللائمة على العقوبات، معتبرين أنها السبب في عدم دخول مساعدات إلى الشعب السوري المنكوب بفعل الزلزال. فهل تشكّل العقوبات الدولية المفروضة على النظام السوري عائقاً أمام دخول المساعدات فعلا؟

خبير القانون الدولي في الشؤون المصرفية والاقتصادية علي زبيب يقول لـ"ارفع صوتك" إن العقوبات الاقتصادية تتضمن استثناءات تتعلق بالمساعدات والأنشطة الإنسانية. ولا يجب أن تشكّل هذه العقوبات عائقاً أمام إدخال مساعدات إلى الشعب السوري في مناطق النظام.  و"سيكون على من يرعى تطبيق العقوبات التأكد من عدم استخدام الوضع الإنساني للتحايل على قانون "قيصر" وتمرير بضائع أو سلع خاضعة للعقوبات".

وينص قانون "قيصر" على أن العقوبات على سوريا "لا تشمل عادة المساعدات أو الأنشطة الإنسانية حسنة النية".

وورد فيه أيضا: "العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة على سوريا أو التي تكون ذات صلة بسوريا مصممة لمنع بشار الأسد ونظامه من إساءة استخدام النظام المالي الدولي وسلسلة التوريد الدولية لمواصلة ترويع الشعب السوري". 

لكن يبدو أن هناك جانباً لوجستياً يمنع المساعدات من الوصول إلى الجانب السوري، سواء لمناطق النظام أو المعارضعة، هو إقفال معبر "باب الهوى" الحدودي بين تركيا وسوريا الذي كان يشهد وبشكل يومي دخول قوافل إنسانية، لمساعدة المحتاجين في شمال غربي البلاد.

وقال مدير المكتب الإعلامي لمعبر "باب الهوى" الحدودي، مازن علوش لموقع "الحرة"، إن المعبر الوحيد المفتوح بين تركيا ومحافظة إدلب "مغلق حتى تاريخ لحظة وقوع الزلزال، الذي ضرب طرفي الحدود التركية-السورية".

وأضاف علوش: "لا شاحنات تجارية أو إغاثية ولا مسافرين ولا مرضى. الوضع كارثي، ولا يوجد أي حديث عن إرسال مساعدات دولية لمناطقنا".

متطوعو الإغاثة ينقلون إحدى الجثث من تحت الأنقاض في مدينة إدلب السورية
الشريان الوحيد مغلق.. كارثة مضاعفة في شمال غربي سوريا
تتضاعف كارثة الزلزال الذي ضرب مناطق شمال غربي سوريا مع الدخول باليوم الثاني، وبينما يسابق عمال البحث والإنقاذ الزمن لانتشال الضحايا وإخلاء المصابين العالقين تحت الأنقاض تحدث مسؤولان إعلامي وإغاثي لموقع "الحرة" أن معبر باب الهوى الحدودي مغلق منذ صباح الاثنين أمام جميع المساعدات الإنسانية، وهو الشريان الوحيد الذي يغذي المحتاجين في المنطقة، منذ سنوات.

مسألة أخرى أساسية في إعاقة وصول المساعدات إلى مناطق سيطرة النظام التي ضربها الزلزال يتحدث عنها لـ"ارفع صوتك"، المدير التنفيذي لفريق "ملهم" التطوعي عاطف النعنوع.

وقد أطلق هذا الفريق حملة تبرعات طارئة للاستجابة لاحتياجات المتضررين من الزلزال في شمال غرب سوريا. لكنه لم يتمكن من إيصال مساعدات إلى المناطق المتضررة التي يسيطر عليها النظام السوري.

يقول النعنوع: "منعنا لأن النظام يعتبرنا منظمات إرهابية ولا يسمح لنا بالعمل في مناطق نفوذه".

ويضيف: "النظام يستغل المأساة لمحاولة التخلص من العقوبات".

ويشير النعنوع إلى وجود مكاتب للأمم المتحدة في دمشق وهي تقدم المساعدات للسكان هناك، وهذه دلالة، بحسب النعنوع، إلى ان "النظام ليس محاصراً في الجانب الإنساني، بل يستغل الأزمة الحالية من أجل محاولة رفع العقوبات".

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".