Aftermath of the deadly earthquake in Hatay
من هاتاي التركية- رويترز

شهادات مروعة لناجين من الزلزال الذي ضرب جنوبي تركيا وشمالي سوريا فجر الاثنين الماضي، مخلفا دمارا هائلا وعشرات الآلاف بين قتلى ومصابين، عدا عن المفقودين مجهولي المصير هل هم أحياء أم أموات أو مكان إقامتهم بعدما تم انتشالهم، أو الذين ما زالوا أحياء تحت الأنقاض وتُسمع أصواتهم لغاية اليوم.

ويبذل عاملو الإغاثة المحليين والدوليين وفرق الدفاع المدني بجانب جهود السكان من داخل المناطق المتضررة وخارجها، جهوداً جبارة في البحث عن ناجين بين الركام، وانتشال الجثث، وسط طقس عاصف وتحت درجات حرارة أدنى من الصفر.

 

عن الأصوات تحت الركام..

كما تنشط صفحات ومجموعات في مواقع التواصل الاجتماعي، في البحث عن المفقودين وتلبية نداءات تستنجد بانتشال أحياء من تحت الأنقاض.

ومن أبرز هذه الصفحات "أنطاكية بالعربي"، التي تعجّ بصور وجوه عائلات وأفراد، هم آباء وأمهات وأجداد ورضّع وغيرهم... كلهم مفقودون بالنسبة لذويهم الذين عجزوا عن الواصل معهم ولا يعلمون إن كانوا أحياءً أم أمواتاً.

وبعض المنشورات كانت تنشر صوراً من المستشفيات وأماكن الإغاثة العاجلة، لناجين، من أجل إيجاد أقاربهم، بعضهم واعٍ فنعرف اسمه، وآخر ما زال في حالة إغماء. 

كما استعان الكثيرون بتقنية تحديد المواقع جي بي أس، من أجل تحديد أماكن سُمعت فيها أصوات من تحت الأنقاض، كي يتم التواصل مع الإغاثة القريبه منهم.

وفي اتصال "ارفع صوتك" مع طبيب عربي مقيم في مدينة إسطنبول التركية، فضل عدم الكشف عن اسمه، وهو مطلّع عن قرب على المجريات الميدانية من خلال زملائه في الطواقم الإغاثية المساندة داخل مناطق الزلزال جنوب شرق تركيا، يخبرنا عن الألم الذي يعيشه أفراد الطواقم الطبية أثناء تنقلهم بين ركام الأبنية المدمرة، إذ يسمعون أصوات الصراخ والبكاء وطلب النجدة من تحتها، لكنهم لا يستطيعون فعل شيء..

في هذه التغريدة لشابة تركية، تنشر فيديو تُسمع فيه أصوات من تحن الأنقاض. تقول "أتمنى أن يكونوا تلقوا المساعدة.. هذا الفيديو لن يُمحى من ذاكرتي".

وهذا فيديو آخر نشره متطوع سوري في منظمة "الخوذ البيضاء"، الناشطة في عمليات الإغاثة داخل الشمال السوري.

 

ويضيف الطبيب، أنه على الرغم من الألم وربما "الرعب" في سماع الصراخ، إلا أنه يمثل أملاً لأهاليهم الناجين، الذين لا يبرحون مكانهم بجانب الأنقاض، بانتظار إنقاذهم، حتى إذا توقف الصوت، يعني ذلك أنهم لفظوا أنفاسهم الأخيرة,

ويبيّن، أن مقاطع الفيديو أو التسجيلات الصوتية التي تم إرسالها من تحت الأنقاض، كانت في الساعات الست الأولى بعد الزلزال، خصوصاً في مدينة أنطاكية، حيث قام أشخاص يملكون حسابات على تويتر أو إنستاغرام وفيسبوك، بنشر فيديوهات وصور يطالبون بنجدتهم، وأدى ذلك لإنقاذ العديد منهم.

يقول الشاب يوسف الآغا من ريف إدلب، وهو من أكثر المناطق تضررا بالزلزال: "أصوات المحتجزين تحت الركام عالقة في أذني، فهناك العديد من الأشخاص الذين ما زالوا أحياء ينتظرون من يخرجهم..".

"ومنذ الساعات الأولى للكارثة عمل الأهالي والدفاع المدني بإمكانيات متواضعة على رفع الأنقاض بأكفهم وأيديهم وعبر معاول وأدوات بدائية وبإمكانيات محدودة، حيث يسابقون الوقت والطقس العاصف والحرارة التي وصلت إلى ما دون الصفر من أجل انتشال أكبر عدد من الناجين"، يضيف يوسف لـ"ارفع صوتك".

 

"منطقة منكوبة"

وبيّن الدفاع المدني في شمال غرب سوريا (منظمة الخوذ البيضاء)، وجود مئات العوائل تحت الأنقاض، حيث تواصل فرق الإنقاذ عملها وسط صعوبات كبيرة، بسبب الأمطار الغزيرة وانخفاض درجات الحرارة وانقطاع الكهرباء ووجود هزات ارتدادية مستمرة، ما يزيد من احتمال انهيار المباني التي بلغت أكثر من 600 مبنى انهار بشكل كلي، وأكثر من 2000 مبنى انهار بشكل جزئي، كما تصدعت آلاف المباني في شمال غربي سوريا.

ووصف في بيان نشره على صفحاته في مواقع التواصل، الأوضاع بالكارثية، مبينا وجود آلاف العائلات دون مأوى، في حين وصل عدد القتلى بحسب آخر منشوراته "2167، وعدد المصابين 2950".

وأشار الدفاع المدني إلى أن عمليات البحث مستمرة لانتشال جثث المتوفين في عدة أماكن في ريفي إدلب وحلب، وسط ظروف صعبة جداً بالعمل تحت أنقاض المباني المدمرة، في اليوم السادس على الزلزال العنيف الذي ضرب المنطقة.

وكان أعلن، أمس الجمعة، عن الانتهاء من مرحلة البحث والإنقاذ والانتقال لمرحلة البحث والانتشال.

كما دعا الدفاع المدني للتوقيع على عريضة عاجلة تطالب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، بضمان استخدام جميع المعابر إلى شمال غربي سوريا بشكل فعال، وتقديم المساعدات والمعدات والدعم الفني على الأرض فوراً.

في حين كانت مدينة جنديريس شمال مدينة حلب الأكثر تضررا من الزلزال في سوريا، إذ وثق فريق الدفاع المدني السوري حتى نهار السبت، انتشال 515 جثة وأكثر من 830 مصاباً من تحت أنقاض المباني المدمرة هناك.

وأعلن الدفاع المدني، الشمال السوري "منطقة منكوبة"، مناشداً جميع المنظمات الإنسانية والجهات الدولية لتقديم الدعم المادي ومساعدة المنظمات التي تستجيب لهذه الكارثة، ومساعدة ضحايا الزلزال بشكل عاجل.

وأظهرت العديد من مقاطع الفيديو، قيام مجموعة من الشبان السوريين بحفر مقابر جماعية لدفن ضحايا الزلزال في قرية أطمه شمال سوريا على الحدود السورية التركية.

 

"يوم القيامة"

تصف مها العثمان (48 عاما) من مدينة سرمدا شمال سوريا، اللحظات التي تبعت الزلزال، بأنها "مرعبة".

وتبيّن لـ"ارفع صوتك": "أفقت وزوجي على اهتزاز شديد وأصوات مرعبة، فركضنا بأبنائنا إلى الشارع، وبعدها سقط البناء المجاور لنا وتضرر منزلنا بشكل كبير.. كان الجميع يبكي في الشارع.. رعب شديد..  الحمدالله أنني وعائلتي بخير، لكن هناك الكثير من الأقارب والأصدقاء ماتوا، ومنهم عائلات فُقدت بالكامل".

شادية أبو غليون (50 عاماً)، أمضت أيامها بعد حدوث الزلزال في العراء. تتحدث عن مشاعرها إثره وإثر الهزات الارتدادية، لـ"ارفع صوتك": "عشنا خوفاً يضاهي ما عانيناه في القصف والحرب خلال السنوات 12 الفائتة".

وما زالت حتى نشر هذا التقرير تنام في الشارع رغم العواصف والبرد القارس، ولن تعود إلى منزلها قبل أن تطمئن على عائلة أختها العالقة تحت الأنقاض في قرية ملس بريف إدلب، كما تؤكد,

من جهته، يصف علاء الأيوبي من الأتارب في ريف حلب، ما حدث معه بالقول، إنها "كارثة لم نشهد لها مثيل.. شيء لا يصدق كأنه يوم القيامة، اعتقدنا أنها نهاية العالم، فالجميع يصرخ برعب وأصوات التكبير المترافقة مع الأسقف التي تتهاوى والناس التي تفر من الموت والدمار الهائل".

 

ولادة تحت الركام

من مدينة إدلب يقول أحمد عبد الرزاق، إن الوضع "مبكٍ وصادم"، مضيفاً لـ"ارفع صوتك":  "نعيش مأساة حقيقية، فهناك المئات من الضحايا والآلاف من الجرحى والعالقين تحت الأنقاض في إدلب".

فيما يتحدث الناشط الإغاثي علي الخلف، عن الأضرار التي طالت المنازل في منطقة حارم: "معظم بيوت هذه المنطقة مؤلفة من طابق واحد وبعضها أسقفه عازلة أو من التوتيا، أو الخيام، لهذا تضررت بشكل كبير".

ويضيف: "منذ الأمس تقبع العائلات في الشوارع تحت المطر بعد الزلزال، نحاول أن نبتعد عن الجدران الآيلة للسقوط في أي لحظة واتكالنا على الله".

ويشير الخلف إلى أنه فقد ثلاثة من زملائه الإعلاميين وعائلاتهم، بينهم عمار الأسود وغياث أبو أحمد وعائلة الإعلامي محمد شاوردي من باب الهوى الذي فقد ابنتيه التوأم وزوجته.

وعن الوضع في جنديرس، يقول الخلف لـ"ارفع صوتك"، إنه "صعب جدا، وأعداد الضحايا مرتفعة، وهناك الكثير من القصص المأساوية بينها قصة طفل ولد تحت الأنقاض بينما توفيت عائلته بالكامل".

 

كارثة في مناطق النظام

وفي المناطق التابعة للنظام السوري، أعلنت وزارة الصحة عن ارتفاع حصيلة ضحايا الزلزال إلى 1387 وفاة و2326 إصابة وذلك في حصيلة غير نهائية.

في حين ناشدت حكومة النظام السوري الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، والأمانة العامة للمنظمة، ووكالاتها، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والمنظمات الدولية لمد يد العون ودعم الجهود التي تبذلها حكومة النظام في مواجهة تداعيات الزلزال المدمر، لا سيما أعمال البحث عن الأحياء وإنقاذ العالقين تحت الأنقاض، وانتشال الجثث، وتقديم المساعدات الغذائية والصحية ولوازم الإيواء والإطعام للمتضررين من هذه الكارثة الطبيعية في جميع أنحاء الجمهورية العربية السورية.

وفي تركيا، أعلن مدير عام الحد من أخطار الزلازل في "آفاد"، السبت، أن الطاقة المنبعثة من الزلزال الذي بلغت قوته 7.7 درجات تعادل طاقة 500 قنبلة ذرية، وأن عدد الهزات الارتدادية منذ وقوع الزلزال فجر الاثنين الماضي تخطى الـ 2000 هزة.

 

"أزمة صحية كبرى"

وحتى نشر هذا التقرير، تجاوز عدد القتلى في كل من سوريا وتركيا جرّاء الزلزال، أكثر من 25 ألفاً، وأصيب أكثر من 80 ألفاً آخرين.

وشرّد الزلزال نحو 5,3 ملايين شخص في سوريا وحدها، بحسب تقارير الأمم المتحدة.

وأفاد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أثناء زيارة لمدينة شانلي أورفا (جنوب شرق)، أنه عُثر على 21848 جثة في تركيا، فيما أحصت السلطات في سوريا 3553 وفاة.

وحذرت منظمة الصحة العالمية من أن عدد الذين تضرروا بالزلزال قد يبلغ 23 مليون شخص، بما في ذلك في سوريا، بينهم نحو خمسة ملايين في وضع هش.

وأعربت عن خشيتها من أزمة صحية كبرى قد تتجاوز أضرارها خسائر الزلزال. كما عبّرت منظمات إنسانية عن قلقها من انتشار وباء الكوليرا الذي ظهر مجددا في سوريا قبل أشهر.

ووصفت الأمم المتحدة، زلزال تركيا وسوريا، في بيان السبت، بأنه "أسوأ حدث تشهده المنطقة (الشرق الأوسط) مئة عام".

مواضيع ذات صلة:

عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا
عدد اللاجئين السوريين المسجلين في لبنان يصل لنحو 795 ألفا

وسعت السلطات اللبنانية حملتها ضد اللاجئين السوريين لتطال أطفالهم، فوفقا لتقرير صدر قبل أيام عن منظمة "هيومن رايتس ووتش"، جاء فيه أن "السلطات المحلية والسياسيون في لبنان يحاولون فرض قيود تمييزية من شأنها أن تؤدي إلى حرمان عشرات آلاف الأطفال اللاجئين السوريين من حقهم في التعليم"، وتتضمن هذه القيود اشتراط حيازة إقامة صالحة كشرط للتسجيل في المدرسة.

وأشار تقرير المنظمة الدولية، الذي يحمل عنوان "أوقفوا تسييس تعليم الأطفال اللاجئين في لبنان"، إلى تغريدة رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع عبر صفحته في موقع التواصل الاجتماعي "إكس" في يوليو الماضي، والتي طلب من خلالها من وزير التربية عباس الحلبي، أن يصدر تعميماً "للمدارس كلها على اختلافها، بعدم قبول أي طالب أجنبي سوري أو سواه ليس بحوزته إقامة صالحة وصادرة عن الأمن العام اللبناني".

ومن بين البلديات التي اتخذت هذا الإجراء، بلدية القاع، التي أصدرت في 22 يوليو تعميماً دعت فيه مديري المدارس الرسمية والخاصة والجمعيات التعليمية إلى عدم تسجيل أي تلميذ سوري دون التأكد من حيازته وأهله على إقامة شرعية صادرة عن الأمن العام اللبناني ومسجل في البلدية.

بررت البلدية تعميمها، بأنه يستند إلى "قرارات الحكومة اللبنانية وتوصيات مجلس النواب، إضافة إلى رغبة المجتمع المحلي والأحزاب المؤثرة في القاع"، وادعت أن هذه الإجراءات تهدف إلى "الحد من أعباء وجود النازحين السوريين غير الشرعيين وترحيلهم إلى بلدهم".

 

وسبقت بلدية سن الفيل بلدية القاع في إصدار تعميم مشابه، طالبت فيه المدارس الرسمية والخاصة ضمن نطاقها بعدم تسجيل أي تلميذ سوري لا يحمل إقامة شرعية، تحت ذريعة "الحفاظ على حقوق المواطن اللبناني".

تأتي هذه التعميم ضمن سلسلة من الإجراءات التمييزية ضد اللاجئين السوريين التي اتخذتها السلطات المحلية اللبنانية، شملت تقييد قدرتهم على استئجار منازل وفتح محلات تجارية، وإجبارهم على تزويدها ببياناتهم الشخصية، وترحيل من لا يملكون أوراق قانونية من نطاقها.

غطاء حكومي بنكهة عنصرية؟

يؤكد رئيس بلدية سن الفيل، نبيل كحالة، أن التعميم الصادر عن بلديته، والذي يحظر تسجيل اللاجئين السوريين في المدارس إلا إذا كانوا يحملون إقامة قانونية، "يأتي تنفيذاً لقرارات وزير الداخلية بسام مولوي ومجلس الوزراء والأمن العام اللبناني".

ويوضح كحالة في حديث لموقع "الحرة" أنه "لا يكفي أن يكون لدى النازح السوري وثيقة تثبت تسجيله لدى الأمم المتحدة، نحن نطلب إقامة صادرة عن الأمن العام اللبناني لكي يتمكن من استئجار منزل والعمل والتحاق أطفاله بالمدارس."

أي مدرسة تخالف هذا القرار "سيتم تبليغ الجهات المعنية عنها"، كما ينبّه كحالة، مشدداً على أن "هذا الإجراء ليس عنصرياً، بل هو تنفيذ للقوانين اللبنانية وليس (لقوانين) الأمم المتحدة".

ويشير إلى أن "العديد من النازحين يحملون بطاقات مصرفية متعددة، ويقوم بعضهم بفتح مشاريع تجارية وتحويل الأموال إلى سوريا، وهو ما لا يتوافق مع الصورة النمطية للنازح الذي يُفترض ألا يعمل وأن يكون معتمداً على مساعدات الأمم المتحدة".

تصرّ السلطات اللبنانية على مطالبة اللاجئين السوريين بالحصول على إقامات قانونية، رغم "العقبات البيروقراطية والمعايير الصارمة المفروضة على تجديدها"، ونتيجة لذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش" بأن "20% فقط من اللاجئين السوريين في لبنان يمتلكون وضع إقامة صالح".

وتشير المنظمة الدولية إلى أن مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين علّقت التسجيل الرسمي للاجئين السوريين منذ عام 2015 استجابة لقرارات الحكومة اللبنانية، وبسبب ذلك، "يواجه 80% من أطفال اللاجئين السوريين في لبنان، الذين لم يسجلوا رسمياً ويفتقرون إلى الأوراق الثبوتية، خطر فقدان إمكانية الالتحاق بالمدارس".

"جريمة ضد الإنسانية"

يصف المدافع عن حقوق الإنسان، المحامي محمد صبلوح، قرار منع أطفال اللاجئين السوريين غير الحائزين على إقامة قانونية من التسجيل في المدارس بأنه "جريمة ضد الإنسانية"، مشيراً إلى أن "هذا الإجراء لم يسبق له مثيل في أي دولة في العالم، وهو وصمة عار على جبين لبنان، حيث يُمنع الأطفال من حقهم الأساسي في التعليم المكفول بموجب القانون الدولي واتفاقية حقوق الطفل."

على مدى سنوات، واجه اللاجئون السوريون في لبنان، "الذين يقدّر عددهم بنحو 1.5 مليون شخص، خطاباً معادياً يحمّلهم مسؤولية الأزمات المتعاقبة على البلاد"، وفقاً لما ذكرته منظمة "هيومن رايتس ووتش"، "ما أدى إلى تعرّضهم للتمييز والعنف والترحيل الجماعي".

أما الآن، تستهدف السياسات المعادية للاجئين كما تشير المنظمة الدولية "إحدى أبسط الاحتياجات الأساسية لأطفالهم، ألا وهي التعليم".

أظهرت إحصاءات عام 2023 أن "37% من الأطفال اللاجئين في لبنان على مستوى التعليم الأساسي لا يرتادون المدارس"، وفق ما تقوله المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، "وتعود هذه النسبة المرتفعة إلى عدم قدرة الأسر على تحمل تكاليف النقل والمواد التعليمية، مما يحرم العديد من الأطفال من حقهم في التعليم".

وتشدد المفوضية في حديث لموقع "الحرة" على أن "التعليم حق أساسي من حقوق الإنسان وضروري لتنمية الأفراد والمجتمعات"، وفي ظل الوضع الصعب الذي يعيشه اللاجئون السوريون في لبنان، توضح المفوضية أن "تسعة من كل عشرة لاجئين يعتمدون على المساعدات الإنسانية للبقاء على قيد الحياة، مما يدفع العديد من الأطفال لترك مقاعد الدراسة من أجل العمل لإعالة أسرهم".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان لموقع "الحرة" على أن "كل طفل يتمتع بحق أساسي في التعليم، بغض النظر عن جنسيته أو وضعه القانوني"، لافتاً إلى أنه "يوجد في لبنان أكثر من 700 ألف طفل خارج المدارس ولا يتلقون التعليم، وهو رقم لا تستطيع البلاد أن تتحمل ارتفاعه أكثر من ذلك".

تداعيات خطيرة

الإجراءات التي اتخذتها بعض البلديات بحق أطفال اللاجئين السوريين تمثل وفق ما يقوله صبلوح "دعوة غير مباشرة لدفعهم إلى الشوارع وتهديد مستقبل جيل كامل، كما قد تؤدي هذه السياسات إلى تعميق الأزمة الإنسانية في لبنان، وزيادة معدلات الجريمة والعنف، وتدهور الأوضاع الأمنية."

أما مفوضية شؤون اللاجئين فتشير إلى أن "الأطفال الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس يواجهون مخاطر متزايدة بالانخراط في عمالة الأطفال والتعرض لانتهاكات أخرى"، مؤكدة أنه "رغم التحديات الاقتصادية والمالية، تبذل الأمم المتحدة وشركاؤها قصارى جهدهم لضمان التحاق جميع الأطفال بالمدارس".

كذلك يؤكد مكتب منظمة اليونيسف في لبنان على أن "عواقب عدم التحاق الأطفال بالمدرسة وخيمة. فعندما يُحرمون من التعليم، يصبحون أكثر عرضة للمخاطر مثل الزواج المبكر والاستغلال الجنسي والإساءة وعمل الأطفال".

ويشدد المكتب على التزام المنظمة الكامل إلى جانب شركائها بدعم الخطة الخمسية للتعليم العام في لبنان (2021-2025)، التي أطلقتها وزارة التربية والتعليم العالي في يناير 2022، "هذه الجهود تهدف إلى ضمان التعليم الإلزامي من الصف الأول حتى التاسع لجميع الأطفال في لبنان، دون تمييز".

ويوضح أن "اليونيسف تتفهم التحديات الاقتصادية الكبيرة والضغوط المالية التي يواجهها لبنان" مؤكداً على أهمية التعاون المستمر مع وزارة التربية والشركاء الآخرين لضمان استمرار التعليم لجميع الأطفال في البلاد.

وكان وزير التربية والتعليم اللبناني، عباس الحلبي، أعلن خلال مقابلة مع صحيفة "لوريان لوجور" في 13 أغسطس 2024، أن الوزارة ملتزمة بالمبدأ الأساسي لـ "اتفاقية حقوق الطفل"، مؤكداً أن جميع الأطفال سيتم تسجيلهم في المدارس اللبنانية، بصرف النظر عن جنسيتهم أو وضعهم القانوني، كما أوردت "هيومن رايتس ووتش".

ومع بدء العام الدراسي الجديد، دعت المنظمة الدولية الجهات المانحة الأجنبية، التي قدمت تمويلاً كبيراً للتعليم في لبنان، إلى الضغط على الحكومة اللبنانية للالتزام بتصريحات الحلبي.

كذلك يشير صبلوح إلى أن "لبنان يتلقى مساعدات دولية باسم اللاجئين السوريين وتعليمهم، وبالتالي لا يحق له منع أي طالب من التعليم بحجة تسوية الإقامة".

ويؤكد على ضرورة مساءلة من أصدر هذه التعاميم أمام القضاء اللبناني والمجتمع الدولي، معرباً عن دعمه الكامل لتقرير "هيومن رايتس ووتش" الذي انتقد هذه السياسات، داعياً إلى التوقف الفوري عن هذه الإجراءات، التي وصفها بالعنصرية وغير الإنسانية.

ويشدد على أن "معالجة ملف اللاجئين يجب أن تتم بطرق تحترم كرامة الإنسان وتلتزم بأبسط حقوقه وفق الاتفاقيات الدولية التي وقّع عليها لبنان"، مشيراً إلى أن "الهدف من فرض قيود تعجيزية على اللاجئين هو دفعهم إلى المخاطرة بحياتهم من خلال الهجرة غير الشرعية عبر قوارب الموت بحثاً عن مستقبل أفضل".