Aftermath of the deadly earthquake in Adiyaman
ضرب الزلزال مساحة واسعة من تركيا، منها مناطق تأوي أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين- تعبيرية

فور وقوع الزلزال في تركيا، شهد معبر باب الهوى الذي يصل بين سوريا وتركيا، حركة نشطة. ليست لنقل البضائع التجارية أو المساعدات الدولية التي بدأت تتدفّق على المنطقة فور وقوع الكارثة، وإنما لنقلعشرات الجثث من ضحايا الزلزال.

85 جثة نُقلت من تركيا إلى سوريا عبر المعبر للاجئين سوريين ماتوا تحت أنقاض بيوتهم في تركيا. فرَّ هؤلاء اللاجئون بحياتهم من الحرب الأهلية التي تعصف ببلادهم، طمعا في العيش بأمان، لكن الزلزال باغتهم وقضى على حيواتهم بعيداً عن أوطانهم التي عادوا إليها جثثا ملفوفة في أكياس سوداء، كأنهم فرّوا من الموت في سوريا إلى الموت في تركيا!

منذ وقوع الكارثة، تتجمّع حشود من السوريين حول المعبر، يوميا، متحدّيةً البرد القارس في انتظار وصول الشاحنات التي تحمل جثث قتلى الزلزال. 

 

تضرر مناطق اللاجئين

ضرب الزلزال مساحة واسعة من تركيا، منها مناطق تأوي أعدادا كبيرة من اللاجئين السوريين، حسبما أعلن ماثيو سالتمارش، المتحدث باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

والمقاطعات التركية العشرة التي تضرّرت من الزلزال، يعيش فيها 1.7 مليون من إجمالي 3.5 لاجئ سوري يقيم في تركيا، منذ نشوب الحرب في بلادهم وما تلاها.

وأعلن فيليب لوكليرك، ممثل مفوضية اللاجئين في تركيا، أن اللاجئين السوريين يمثلون نصف سكان مدينة كِلس، بينما يمثلون 20% من إجمالي سكان مقاطعات "غازي عنتاب" و"هاتاي" و"سانليورفا".

بسبب تضرّر تلك الكتلة السكانية الضخمة من اللاجئين من الكارثة، اعتبرت مفوضية شؤون اللاجئين أن الزلزال كان بمثابة "ضربة قاصمة" للاجئين السوريين في تركيا.  

 

أوضاع صعبة

في تقرير على شبكة "إن بي آر" الأميركية، قالت لاجئة سورية تعيش في مدينة أنطاكية التركية، إنها نجت من الموت رغم تدمّر منزلها، لكنها عاشت معاناة أخرى بسبب تأخر وصول المساعدات إليها.

"باتت أنطاكية مدينة أشباح، لا توجد شرطة ولا رجال إنقاذ، لا حياة على الإطلاق"، هكذا وصفت أصالة عُمق المأساة التي تمرُّ بها.

وتضيف "بحثتُ طويلاً عن أي جهة تزوّدها بخيمة نحتمي فيها أنا وطفلي، من البرد لكنني لم أجد، فاضطررت للنوم في السيارة".

وتتابع أنها بصحبة آخرين غيرها، اضطروا إلى كسر أبواب المحلات التجارية وسرقة ما وجدوا فيها من أطعمة لإشباع جوع أولادهم.

لاجئ آخر، يقول في حديثه لصحيفة "ذا نيويوركر"، بأن الأوضاع المضطربة التي يعيشها حاليا ذكّرته باليوم الذي اقتحم فيه مقاتلو داعش قريته، وفرَّ منها تجاه الحدود التركية نجاةً بحياته، يقول "انقطعت الكهرباء، غاب إحساسنا بالأمان.. لم أكن قادراً على الوصول لأي شيء".

بينما قال لاجئ ثالث لموقع "لايف ساينس": "نحن السوريون ننتقل من دمارٍ إلى آخر، ربما هذه التجربة أسوأ من الحرب الأهلية، لأننا خسرنا كل شيء في ثانية واحدة".

 

تداعيات سياسية

أتى هذا الزلزال في توقيتٍ بالغ الحساسية، قبيل انتخابات رئاسية وبرلمانية حاسمة بين حزب العدالة والتنمية الحاكم وقوى المعارضة في مايو المقبل. 

وفور وقوع الكارثة، تصاعدت أصوات تنتقد عدم تفاعل الحكومة مع الحدث بشكلٍ مناسب، فضلاً عن تسبّبها في تفاقم مأساة انهيار البيوت بسبب التهاون في إزالة العقارات غير المطابقة للمواصفات الهندسية.

هذه الأخطاء قد يدفع أردوغان ثمنها غاليا في ظِل تصاعد المشاعر المعادية للمهاجرين في تركيا، نتيجة الأزمة الاقتصادية.

رحيل أردوغان عن السُلطة سيكون له تأثير مباشر على حياة ملايين اللاجئين في تركيا، بعدما تعهّدت قوى المعارضة بأن تكون عملية إعادتهم إلى بلادهم ضمن أولوياتها فور وصولها إلى الحُكم.

واستغلَّ قوميون أتراك هذه الأزمة لنشر آراء مناهضة لوجود السوريين في تركيا، مثل المتخصص الجيولوجي التركي أوفغون أحمد أركان، الذي حذّر في تغريدة من أن عمليات هجرة الأتراك من المدن المدمرة ستجعل اللاجئين السوريين أغلبية فيها، لذا طالب بنشر الجيش لمنع حدوث ذلك.

وأشاع آخرون أن السوريين استغلوا وقوع الأزمة لنهب المحلات التجارية وسرقة قوافل مساعدات المدن المنكوبة، أبرزهم أوميت أوزداغ، عضو البرلمان التركي، الذي أكّد عبر حسابه على تويتر، أن اللاجئين نهبوا المدن منذ اللحظات الأولى لوقوع الكارثة، وتوعّد أن يدفع أردوغان ثمن ذلك. 

على جانبٍ آخر، اعتبر محللون أن الحكومة التركية ستضطر إلى تخصيص مبالغ مالية كبيرة لصالح جهود إعادة إعمار المناطق المدمرة، قد تأتي هذه الخطوة على حساب الموارد المخصصة لرعاية اللاجئين في تركيا.

أيضًا قد تسرّع تلك الأزمة من تحسن العلاقات بين أنقرة وبين نظام الأسد، وهو ما سيكون على حساب قوى المعارضة التي تتلقى دعما عسكريا وسياسيا من تركيا.

 

تحذيرات مبكرة

في سبتمبر 2016، حذّر برادلي ويلسون، عالم الجيولوجيا في جامعة أركنساس، من أن المناطق التي لجأ إليها السوريون في تركيا تعاني من صدوع صخرية بالغة الخطورة.

وبحسب الدراسة، فإن منطقة الحدود بين تركيا وسوريا باتت الأعلى من حيث "احتمال التعرض للوفاة"، بسبب تكدس عشرات السوريين في مساكن غير مهيأة لمقاومة الزلازل.

وقدّر ويلسون أن 20% من اللاجئين السوريين سيتعرضون للموت حال تعرّض المنطقة لأي زلزالٍ مباغت،

وفي ختام ورقته البحثية حذّر من أن تجاهل هذه المشاكل قد يؤدي إلى كارثة.

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".