مراسل موقع "ارفع صوتك" محمد ناموس، مختص بالكتابة عن سوريا، أثناء تصويره في غازي عنتاب
مراسل موقع "ارفع صوتك" محمد ناموس، مختص بالكتابة عن سوريا، أثناء تصويره في غازي عنتاب

نجا مراسل "ارفع صوتك" في تركيا، المقيم في غازي عنتاب، هو وعائلته من زلزال 6 فبراير، الذي اعتبرته الأمم المتحدة "أسوأ حدث في المنطقة منذ مئة عام"، وقال عنه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إنه "كان بحجم القنبلة الذرية". 

حصيلة الضحايا حتى النشر: أكثر من 41 ألف قتيل، ونحو 115 ألف إصابة، وحوالي 2.4 مليون نازح، وأثر على 24 مليون شخص.(رويترز)

ولجأ محمد ناموس إلى تركيا منذ بداية عام 2014، وينقل لموقع "ارفع صوتك" منذ عدة أعوام قصصاً وتقارير عن أبرز القضايا التي تشغل السوريين في داخل وطنهم وفي أماكن اللجوء: بعضها عن إنجازاتهم ونجاحاتهم، وأغلبها عن الحياة تحت الحرب المستمرة منذ حوالي 12 سنة، والصعوبات والتحديات التي يعيشها السوري في بلاد اللجوء.

في اليوم الأول بعد وقوع الزلزال، نقل محمد مشاهد مباشرة عبر صفحة قناة الحرة على فيسبوك، من مدينة غازي عنتاب.
 

واليوم يروي محمد قصته، التي توثق تجربة المئات وربما آلاف السوريين الذين كُتبت لهم حياة ثالثة، بعد الحياة الثانية التي بنوها في تركيا، لكنها تبدأ من نقطة الصفر، مجدداً. ومجدداً كذلك، ستكون محمّلة بذكريات قاسية ومُشاهَدات صادمة، للزمن القادم.

"ليس الأمر سهلاً" يقول محمد، بالنسبة لإعادة الزمن للحظات الأولى بعد وقوع الزلزال، وترتيب الأحداث عبر رسائل صوتية، وصلتنا منه، وهو بالكاد استعاد أنفاسه، خصوصاً أنه كان للتو قد خرج من موقع الزلزال، بعد أيام من المبيت في سيارته مع أربعة أفراد آخرين من عائلته.

يتذكر الساعة بشكل دقيق: 4:18 فجر الاثنين، 6 فبراير 2023.. حينها بدأت الكارثة!

 

الخروج الجماعي.. الصراخ ملء الشوارع

شعرتُ بوجود هزة، لكن ظننت أنها هلوسات ما بين النوم واليقظة.. وقبل أن أغمض عيني، سمعتُ أصواتاً لا أعلم مصدرها، ثم تكررت الهزة، فأشعلت الإضاءة فيما الهزة الأرضية مستمرة، ثم خرجتُ من غرفتي، لأفاجَأ بالتلفاز وقد انقلب داخل غرفة الجلوس. توقعت أن تكون هزة أرضية خفيفة كسابقاتها،  إذ شهدتُ شيئاً مماثلاً خلال عشر سنوات من العيش في تركيا.

"يا لطيف يا لطيف" يردد أبي بصوتٍ عالٍ، وأختي تمسك بيده مرتجفة، بينما يبدو القلق على أمي، هذا ما رأيته حين هرعت لرؤية عائلتي، أما أخي فظلّ في غرفته، متردداً في الخروج، ثم سمعتُ صوت بكائه. كنا جميعنا في حيرة من أمر مجهول، على الرغم من أنها ليست المرة الأولى لمعايشتنا هزة أرضية. كسر أخي هذا القلق بالسؤال فور خروجه إلينا "ماذا يحدث؟ ماذا تفعلون؟"، مقترحاً علينا النزول للشارع.

في خضم ذلك، ما زلتُ أظن أنها هزة بسيطة ستنتهي، وبالفعل انتهت، لكن لتبدأ هزة ثانية، كانت بمثابة المنبّه الأخير لنا، لأنها كانت أقوى، حيث بدأت الأشياء من حولنا تقع وتتحرك من مكانها، وسمعنا أصوات صراخ الجيران الذين هرعوا خارج بيوتهم، ثم بسرعة ومن دون وعي ارتدينا ملابس وأحذية، وغادرنا المنزل سريعاً.

شاهدنا الجميع يخرجون من بيوتهم، ربما البعض لم يحمل هاتفه، وآخر لم يرتد حذاءه، ورأيتُ الواجهات الرخامية للمبنى متكسرة بينما امتلأت جدران أخرى بالحفر والشقوق، وفي الخارج كان جمع كبير من الناس، تمركز في منطقة فاصلة بين المباني السكنية، قرب الرصيف، خوفاً من تهدّمها.

استمرت الهزة أكثر من دقيقة، وحين هدأَت شعرنا بأن الأرض ما زالت تهتز.. الجو كان باردا جداً، وبعض الثلوج كانت لا تزال على الشارع من عاصفة ثلجية منذ أيام، ودرجة الحرارة كانت خمسة تحت الصفر. الساعة صارت 4:30 فجراً ولكن المشهد كأنه في نهاية موعد دوام عمل، حيث الجميع في الشارع، وأزمة سيارات تتحرك بشكل عشوائي، كأنها لا تعرف وُجهتها، ونحن في ذهول.

كل شيء دفعنا أخيراً لأن نستقل سيارتنا، ونتجه إلى إحدى الحدائق العامة، نأياً عن المباني التي قد تقع في أي لحظة، واعتقاداً بأنها منطقة آمنة، ولكن في الحقيقة، لم يكن من مكان آمن تماماً، فبعض الشوارع والطُرقات تصدّعت وخُسفت. 

بقينا هناك حتى الساعة العاشرة صباحاً، وشهدنا الهزات الارتدادية، وكنا لا نعلم ما التصرف المناسب، وما الذي يجب فعله؟! لنقرر وسط البرد الشديد، والشعور بالاطمئنان نوعاً ما أن الزلزال توقف، أن نعود للمنزل، دون أن نعلم أن القادم أعظم!

قرابة الساعة الواحدة ظهراً، ونحن في البيت، بدأ الزلزال الثاني وكان أقوى من الأول، ما أدى إلى تهدّم المباني التي تصدّعت وتشققت في البداية، وقعت على الأرض... وهنا وقع حجم الضحايا الأكبر. 

نزلنا مباشرة، أخذنا معنا حقيبة جهزناها تحسّباً، ونجونا. لغاية الآن لم نَعُد للبيت. في الأيام الثلاثة الأولى، كانت السيارة مكان نومنا. ولكن الجو كان بارداً جداً جداً. لجأنا لبعض المدارس والمساجد، لكننا لم نستطع البقاء هناك، كان الازدحام شديداً جداً، ففضلنا البقاء في السيارة. دعانا أحد الأصدقاء للإقامة بمزرعته، وفيما نحن هناك، حدثت هزة ارتدادية، لتصرّ أمي وأختي حينها أن نعود للسيارة.

أتذكر الآن كل ذلك.. أربعة أيام من المبيت في السيارة، وكل لحظة خوف وتوتر من القادم ومما لا نعلمه، كأن كل يوم سنة.. ومن تبعات الزلزال، شعور ملازم بالدُوار وأن الأشياء تهتز حولنا. لنعلم بعد البحث أن هناك ما يُسمى "متلازمة دُوار ما بعد الزلازل" وبالفعل كلما دخلنا لمكان مغلق شعرنا بذلك. وحتى الآن رغم أننا انتقلنا لمدينة أخرى (إسطنبول) ما زال الدُوار يرافقنا!

إنفوغرافيك يوضح أعراض دوار ما بعد الزلازل، نشره موقع "الباحثون السوريون"

لم نتمكن من مغادرة غازي عنتاب مباشرة بعد الزلزال، بسبب إغلاق المطارات والعديد من الطرق نتيجة التشققات الأرضية، وكان الازدحام شديداً في المطار، والحجوزات ممتلئة حتى أسبوع قادم، لنقرر السفر بالسيارة. وفي الطريق مررنا بالمناطق التي ضربها الزلزال، وشاهدنا عددا أكبر من المباني المدمرة، والتشققات في بعض الشوارع..

من خرائط غوغل، هذه المسافة التقديرية بين غازي عنتاب وإسطنبول، لتقريب الصورة.
من آثار الزلزال المدمر في غازي عنتاب، صورها محمد ناموس
من آثار الزلزال المدمر في غازي عنتاب، صورها محمد ناموس

 

في إسطنبول.. مساعدة ومحبة وكوابيس

تلقينا الكثير من الدعم والمساندة والمساعدة، من الأصدقاء والمعارف، حتى أن صديقاً لنا سلمنا بيته للإقامة فيه، ورأينا الكثير من المبادرات للمساعدة، في تقديم الخبز والمواد الغذائية و"صوبيات" تعمل بالكهربا، خصوصاً بعد انقطاع الغاز والماء في المدينة.

في نفس الوقت، استغل البعض هذه الأزمة من أجل عمليات السرقة والنهب... وفي بعض المخيمات التي تمت إقامتها داخل حدائق المدينة، تعرض العديد من السوريين لتعليقات ومواقف عنصرية من أتراك آخرين متضررين من الزلزال، رأوا أنهم أحق بالمساعدة من اللاجئين.. تفاجأت من ذلك رغم أن الخسارة واحدة للطرفين! 

وعلى الرغم من أننا في منطقة بعيدة عن مركز الزلزال، لم أستطع النوم في إسطنبول، ولازمني شعور بالخوف والقلق من تكرار الأمر، خصوصاً أننا أقمنا في طابق مرتفع ضمن البناية، إلى جانب الدُوار. 

وفي إسطنبول كان الكثير غيرنا خائفون أيضاً من سكان المدينة، الذين تركوا بيوتهم وناموا في مدن أخرى، حتى شعرت أنهم خائفون أكثر من الناس الذين عايشوا الزلزال، وذلك نتيجة الانتشار الكبير للإشاعات والمعلومات الكاذبة، خصوصاً أن في المدينة أبراجاً مرتفعة، لكنه فعلياً تصرف غريزي نتيجة الخوف من كل ما شاهده الناس من صور وفيديوهات فظيعة في وسائل الإعلام.

لا تزال الكوابس ترافقني أنا وعائلتي، نستيقظ مفزوعين، ننظر حولنا، وحين نطمئن أنه لا يوجد زلزال، نعود للنوم...

 

العودة لنقطة الصفر!

خسائرنا لا توازي أبداً من فقد أحد أفراد عائلته أو كلها والكثير من الأرواح التي رحلت. خسائرنا مادية في ممتلكاتنا، وخسرتُ أيضاً الاستقرار، هذا الذي بنيته طيلة السنوات الماضية. 

مشهدية الزلزال والتشققات في البيت.. كل شيء أعادني لتلك اللحظة، قبل أكثر من عشر سنوات في سوريا، حين تهدّم بيتنا، والمدينة كلها دُمرّت.. صور آخذة بالتكرار... لا أعرف إن كان يأساً ما أشعر به الآن، لكنها خسارة كبيرة، على المستوى المعنوي والنفسي، فقد عدتُ للصفر.. أي حياة هذه؟ لستُ وحدي، فهناك الكثير من السوريين يعيشون الآن شيئاً مماثلاً،  ففي أنطاكية توجد نسبة كبيرة من السوريين.

يعيش في المقاطعات التركية المتضررة من الزلزال 1.7 مليون من إجمالي 3.5 لاجئ سوري في البلاد. ويشكل اللاجئون السوريون نصف سكان مدينة كِلس، و20% من إجمالي سكان غازي عنتاب وهاتاي وسانليورفا. (مفوضية اللاجئين-تركيا)

أخيراً.. لا أعلم إن كنتُ عبرت عن مشاعري والتقطتُ كل التفاصيل التي يجب أن تُذكر، لكن استعادتها أيضاً أمر مؤلم.. هناك مشاعر من الصعب أن تُوصف بالكلمات، وقد لا يعلم أو يُدرك الذي يشاهد الحدث أبداً ما يعيشه صاحبه في تلك اللحظات.. 

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية من داخل أحد محال البقالة في سوريا- أرشيف فرانس برس

خلال سنوات الحرب في سوريا، التي أفرزت تراجعاً اقتصاديا ومعيشيا وملايين المهاجرين واللاجئين في الداخل وإلى الخارج، بالإضافة لخسارة أعداد كبيرة من السوريين أراضيهم أو بيوتهم، اضطرّ الكثير من سكان البلاد في الوقت الحالي لإلغاء عادات كثيرة متوارثة، منها عادة التموين الشهري والسنوي.

والمونة، هي عبارة عن تقليد سنوي قديم لدى السوريين يعتمد على تخزين لأنواع متعددة من الخضراوات والمواد الأولية بطرق معينة، لاستخدامها خلال فترات أخرى خلال العام، خاصة خلال فصل الشتاء، لعدم توافرها خلال هذا الموسم، مثل الأرز والبقوليات والحبوب والملوخية والباذنجان والكوسا والبامية والفول والبازلاء، وغيرها. وتعتمد في كمياتها على عدد أفراد العائلة ومعدّل استهلاكهم.

وكانت البيوت في سوريا تتحول إلى ورشات عمل خلال شهري أغسطس وسبتمبر من كل عام، حيث أنهما شهرا حصاد أنواع عديدة من الخضراوات والبقوليات، ويقوم الأهالي، خصوصاً النساء، بتحضير المونة عبر آليات التجفيف والتجميد.

ولم يكن السوريون سابقاً يفكرون بوضعهم المادي أو بأسعار المنتجات عند تخزين المونة، إلا أن سوء الأوضاع الاقتصادية لم يعد يسمح لهم بالتخزين حتى ولو لشهر واحد، وأصبح معظمهم يشترون احتياجاتهم بما يكفيهم ليوم واحد.

غرف خاصة بالمونة

"كان في بيتنا غرفة خاصة بالمونة، نسميها بيت المونة"، تقول بشرى عبد الهادي (47 عاما)، التي تقطن ريف دمشق. 

فقدت بشرى بيتها بسبب القصف ضمن العمليات الحربية التي طالت منطقتها، وتقيم حالياً في منزل مستأجر.

توضح لـ"ارفع صوتك": "لم يكن هناك بيت لا توجد فيه غرفة للمونة تقريبا، وكانت غرفة حقيقية داخل البيت نفسه أو على سطحه، نسميها السقيفة. كنا نضع فيها كميات كبيرة ومتنوعة من البقوليات والخضار المجفف".

"وعند انتشار البرادات (الثلاجات) أصبحنا نجمّد بعض المنتجات فيها، وهي ألذ بكثير من المجففة حيث يكون طعمها كأنه طازج. نضع كل منتج في وعاء خاص به لنضمن أن يحافظ على جودته ونكهته الخاصة على مدار العام"، تتابع بشرى.

وتشير إلى أنها منذ أكثر من عشر سنوات لم تعد تستطيع تخزين المونة بسبب فقدانها لبيتها أولا، وبسبب انخفاض قيمة الدخل الذي يحصل عليه زوجها.

رشا قطان من مدينة دمشق، تلفت إلى سبب آخر جعل من التخزين أصعب من ذي قبل، وهو الانقطاع شبه المستمر للتيار الكهربائي. تقول لـ"ارفع صوتك "لدينا براد في المنزل وثلاجة مستقلة (خاصة بالتجميد) كنا نخزن فيها ونملأها خلال فصل الصيف تحضيرا لفصل الشتاء، لكن انقطاع الكهرباء الدائم أجبرنا على عدم تخزين أي منتج، فمعظم المنتجات بدأت تتعفن=".

 كما أن ارتفاع أسعار الخضراوات "لمستويات غير مسبوقة سبب "كافٍ" لانقطاع العائلات عن تخزين المونة، بحسب رشا.

تبيّن "في منزلي استغنيت عن استخدام البراد، فالكهرباء غير متوفرة إلا لأوقات قليلة جدا، لذلك عدت للمونة التي تعتمد على التجفيف، ولكن بكميات قليلة جدا جدا، أما المونة التي تعتمد على التفريز فهي غير متوفرة في منزلنا منذ سنوات".

من جهته، يقول بائع الخضار في سوق "باب سريحة" وسط دمشق، عبد الرزاق الدباس، إن معظم زبائنه يشترون الخضار بالعدد وقلّة قليلة تشتريها بالكيلو، بسبب انقطاع الكهرباء وسوء الأوضاع الاقتصادية.

ويشرح لـ"ارفع صوتك": "كنا نبيع خلال الموسم الصيفي كميات كبيرة من الملوخية الخضراء بهدف التخزين لفصل الشتاء، وكذلك الفول والبازلاء، ولكن اليوم نعيش جميعنا أوضاعا اقتصادية صعبة جدا، ومن يستطيع تأمين لقمة عيشه لشهر واحد، فهو شخص ميسور الحال ونحسده على وضعه".

في نفس السياق، تقول غيداء المصري وهي أم سورية لخمسة أبناء معظمهم يعيشون خارج سوريا، إن هناك "فكرة خاطئة لدى العائلات في مفهوم المونة" معللة أن المونة "توفر التكاليف بشكل كبير".

توضح لـ"ارفع صوتك": "لا أتفق بالرأي مع معظم جيراني، فأنا أقوم بتخزين المونة في كل عام خلال شهري تموز وآب وأيلول (يوليو وأغسطس وسبتمبر)، مثل الملوخية والفول والبازلاء والزيتون. وأعتمد على ما يرسله لي ابني المقيم في ألمانيا، وأعتقد أن من يقوم بتوفير أمواله ولا يخزن المونة، سيضطر خلال موسم الشتاء لشراء الزيتون بسعر عال في حال رغب في أكل الزيتون، أو حتى البازلاء والفول المجمد، لذلك أعتقد أن المونة توفّر المال وليس العكس".