الرئيس السوري بشار الأسد خلال زيارته الأخيرة لسلطنة عمان حيث التقى سلطانها هيثم بن طارق.
الرئيس السوري بشار الأسد خلال زيارته الأخيرة لسلطنة عمان حيث التقى سلطانها هيثم بن طارق.

في الأسابيع الأخيرة ارتفع إيقاع الجهود التي يبذلها النظام السوري للعودة إلى الساحة الدولية، وسط اتهامات له باستغلال الأزمة الإنسانية التي خلفها الزلزال الأخير للتطبيع مع المجتمع الدولي.

وقبل يومين فقط، زار الرئيس السوري بشار الأسد سلطنة عمان في أول زيارة رسمية له منذ اندلاع الثورة في بلاده عام 2011. وكان في استقباله سلطان عمان هيثم بن طارق.

على الطرف الآخر، تواصل تركيا ودول إقليمية بدورها السير باتجاه إبرام اتفاقيات مصالحة وتطبيع مع نظام بشار الأسد.

ففي 28 من ديسمبر الماضي، جرى أول لقاء على المستوى الوزاري بين تركيا ونظام دمشق برعاية روسية في موسكو. أسفر الاجتماع الذي حضره وزراء الدفاع ورؤساء أجهزة المخابرات السورية والتركية على المضي قدما في مسار التطبيع وتشكيل لجان عمل مشتركة تضم مسؤولين عسكريين واستخباراتيين لمعالجة العراقيل التي تحول دون الإسراع في استئناف العلاقات بين الجانبين.

وأكد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عقب اتصاله بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، الشهر الماضي، عن إمكانية انعقاد اجتماع ثلاثي يجمعه بالرئيسين السوري والروسي، يسبقه لقاء بين وزيري خارجية دمشق وأنقرة. فهل ستنجح تركيا في جهودها الرامية إلى إعادة تأهيل بشار الأسد من بوابة المصالحة الشاملة والتسوية السياسية؟

 

رفض فصائلي وشعبي

 

واصلت الفصائل السورية في شمال وشمال غرب سوريا إصدار بيانات الرفض والإدانة لمساعي المصالحة مع نظام بشار الأسد واعتبرت ذلك مسا مباشرا بحقوق الشعب السوري التي ناضل من أجلها لأكثر من 10 سنوات، كما تواصلت الفعاليات الشعبية المنددة بالمصالحة. ورغم أن وزير الدفاع التركي خلوصي أكار طمأن المعارضة بالقول بأن تركيا لن تقول "نعم" لأي قرار يكون ضد السوريين وينتهك حقوقهم، إلا ذلك لم يخفف من زخم النشاط الشعبي الرافض لأي شكل من أشكال التطبيع مع نظام دمشق.

وفي ذات الإطار، عقد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو الشهر الماضي اجتماعا مع رئيس الائتلاف الوطني السوري سالم المسلط، ورئيس هيئة التفاوض بدر جاموس، ورئيس الحكومة المؤقتة عبد الرحمن مصطفى شرح فيه الموقف التركي من المصالحة مع النظام، وأكد "أن المحادثات التي أجرتها تركيا مع المسؤولين السوريين تركزت على القتال ضد وحدات حماية الشعب الكردية".

جاء موقف هذه الهيئات المعارضة متناغما مع الموقف التركي، إذ عبر رئيس الحكومة المؤقتة عبد الرحمن مصطفى عن دعمه للتقارب بين تركيا ونظام الأسد، ورأى أن من شأن ذلك إعطاء دفعة للحل السياسي للأزمة، وشدد على دعمه لأي خيار تتبناه أنقرة في هذا الصدد.

في المقابل، عبرت فصائل مسلحة سورية عن رفضها التام لخيار التطبيع، بما فيها فصائل محسوبة على تركيا مثل الجبهة الوطنية للتحرير التي تضم تحالفا من فصائل الجيش الوطني السوري، وحركة أحرار الشام التي أعربت في بيان لها عن تفهمها "لوضع الحليف التركي.. إلا أننا لن نتراجع عن قضية شعبنا المقدسة وهي إسقاط النظام".

هذا إلى جانب الرفض القاطع الذي عبرت عنه هيئة تحرير الشام (مصنفة كحركة إرهابية)، الفصيل المقاتل الذي يسيطر على محافظة إدلب ويشرف على حكومة موازية تدير مناطق واسعة من شمال غرب سوريا، وتحذيره من أي تقارب أيا كان نوعه ومستواه مع النظام في دمشق.

وتكاد تكون مهمة إقناع الفصائل المقاتلة بجدوى التطبيع مستحيلة، خاصة أن الفصائل ذات الولاء التركي ليس لها تأثير كبير على الشارع المعارض، وثقلها العسكري موزع على مجموعات مسلحة تفتقد للتنظيم والانسجام.

وتمكنت سريعا هيئة تحرير الشام وحلفائها في الصيف الماضي من التوغل شرقا واختراق مناطقها قبل الاتفاق على وقف لإطلاق النار.

 

"قيصر" والرفض الغربي

 

من جانبها، ما تزال الولايات المتحدة الأميركية ترفض الجهود الرامية إلى تطبيع العلاقات مع بشار الأسد.

وقال نيد برايس الناطق باسم الخارجية الأميركية الشهر الماضي: "نحن لا ندعم الدول التي تعزز علاقاتها أو تعرب عن دعمها لإعادة الاعتبار لبشار الأسد، الديكتاتور الوحشي".

وأضاف: "نحض الدول على أن تدرس بعناية سجل حقوق الإنسان المروع لنظام الأسد على مدى السنوات الاثنتي عشرة الماضية، في الوقت الذي يواصل فيه ارتكاب فظائع ضد الشعب السوري ويمنع وصول مساعدات إنسانية منقذة للحياة إلى محتاجيها في المناطق الخارجة عن سيطرة قواته".

وتعمل الولايات المتحدة مع كل من باريس ولندن وبرلين للخروج بموقف موحد ضد التطبيع.

ويعتبر "قانون قيصر لحماية المدنيين في سوريا"، الذي أقره الكونغرس الأميركي، ودخل حيز التنفيذ في يونيو 2020، أداة قانونية رادعة لأي شكل من أشكال الدعم الاقتصادي والعسكري للنظام السوري. ويتوعد القانون بعقوبات قاسية الأفراد والكيانات التي انخرطت في دعم الجيش السوري والميليشيات المرتبطة به إلى جانب قطاعي النفط والغاز وإعادة الإعمار.

وشملت الدفعة الأولى من العقوبات التي أقرتها الولايات المتحدة بموجبه 39 شخصا وكيانا، بينهم الرئيس بشار وزوجته أسماء. وقد فرض القانون عزلة شبه تامة على النظام السوري، وجعل مد يد العون له مهمة بالغة الصعوبة.

في ظل قانون قيصر الذي يظل ساريا المفعول إلى حين إحلال نظام سياسي جديد مكان نظام الأسد يكون خيار التطبيع مكلفا ومحفوفا بالمخاطر حتى بالنسبة لشركاء الولايات المتحدة. وبالتالي فأي استئناف للعلاقات الاقتصادية أو تنشيط لحركة رؤوس الأموال من وإلى دمشق أو ضخ للاستثمارات في البنية الاقتصادية للنظام سيتم ردعه وتجميده ومحاسبة رعاته.

أحدث القوانين التي أصدرتها الولايات المتحدة ذات الصلة بالنظام السوري كان توقيع الرئيس الأمريكي جو بايدن، على ميزانية الدفاع الأميركية عن السنة المالية لعام 2023، والمتضمنة لقانون "مكافحة المخدرات المرتبطة بالنظام السوري".

واعتبر القانون أن تجارة المخدرات التي يديرها نظام الأسد تشكل "تهديدا أمنيا عابرا"، تجب مكافحته.

ووصفت بعض وسائل الإعلام الأسد بـ"ملك المخدرات" نتيجة لتحول مناطق سيطرته إلى مصدر لأنواع مختلفة من المخدرات خاصة حبوب "الكبتاجون" التي ضخت شبكاته أطنانا منها إلى الدول المجاورة ودول الخليج.

 

عودة اللاجئين

 

تقول تركيا إن هدفها من التطبيع مع النظام السوري هو التمهيد لعودة اللاجئين السوريين إلى ديارهم، وتأمين شريطها الحدودي وإنهاء سيطرة قوات سوريا الديمقراطية على المناطق المحادية لها.

وستتيح المنطقة الآمنة المزمع إقامتها بالتنسيق مع دمشق إعادة توطين مليون لاجئ سوري في الشمال.

ويُتهم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان باستخدام ملف اللاجئين كمناورة انتخابية يسعى من خلالها إلى تجريد المعارضة التركية من ورقة اللاجئين التي تلوح بها دائما.

ولم تعلن تركيا حتى الآن عن الآلية التي يمكن من خلالها إعادة جزء من 4 ملايين لاجئ سوري يقيمون في تركيا، وإذا ما كان خيار الترحيل القسري سيكون مطروحا، خاصة في ظل عدم وجود ضمانات بعدم تعرض العائدين لأعمال انتقامية.

ومقابل ورقة اللاجئين ودخول قوات النظام مناطق الإدارة الذاتية في شمال شرق سوريا، يتوقع أن تشهر دمشق لائحة مطالبها أيضا. وسيكون من بينها، حسب ما يتم تداوله في وسائل الإعلام الموالية للنظام، كف تركيا عن رعاية عدد من الفصائل المسلحة، وانسحابها الكامل من سوريا وفرض سيطرة النظام على معبر باب الهوى الحدودي في الشمال الغربي.

ويعني القبول بشروط دمشق أن القضية السورية على مشارف منعطف حاسم، يمكن أن يعود بسببه القتال إلى مناطق الشمال التي سيسعى الأسد للسيطرة عليها.

وستتغير أيضا الخريطة الفصائلية بشكل جذري، حيث ينتظر أن تدخل الكثير من المجموعات المسلحة المحسوبة على تركيا في تحالفات مع فصائل أخرى. وقد تجلت البوادر المبكرة لهذا التحول في انشقاق فصيل "أحرار تل رفعت" ومجموعات عسكرية أخرى تابعة لـ"أحرار التوحيد" وانضمامها إلى هيئة تحرير الشام بعد قطع تركيا رواتبها، وتخفيض الميزانية المرصودة لها.

مواضيع ذات صلة:

قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.
قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من الشعيطات، 700 منهم في يوم واحد.

في منتصف عام 2014 كانت مدن وبلدات محافظة دير الزور السورية قد بدأت بالسقوط في قبضة تنظيم "داعش" واحدة تلو أخرى. كان التنظيم في قمة عنجهيته وتمدّده، مدججاً بترسانة هائلة من الأسلحة التي استولى عليها من مخازن الجيش العراقي، وبأسراب من المقاتلين الأجانب المتعطشين للدماء.

قررت عشيرة الشعيطات التصدي لزحفه نحو مناطقها بكل ما تملك من قوة. ولأن الفظائع التي ارتكبها لتوه في سنجار بدأت تصل أصداؤها إلى العالم، فقد بدا واضحاً أن التنظيم بصدد التوقيع على أولى مجازره المروعة في سوريا.

 

لا للبيعة

بمزيج من الإرهاب والخديعة والوعود الكاذبة تقدمت قوات "داعش" للسيطرة على أغلب مناطق دير الزور شرقي سوريا. ولم تفلح عشرات الكتائب المسلحة في التصدي لها. سقطت مدينة الشحيل في يوليو 2014، وكانت معقلاً لجبهة النصرة أكبر الفصائل في المنطقة، والتي دخلت في تحالف ضم عددا من الجماعات الأخرى كجيش الإسلام وأحرار الشام وكتائب الجيش الحر تحت اسم "مجلس شورى المجاهدين" لمنع سقوط المدينة في يد التنظيم، لكن دون جدوى.

نصب التنظيم مدافعه الثقيلة على تخوم المدينة، وتقدمت دباباته وعرباته الثقيلة نحوها، مع مئات المقاتلين؛ أكثرهم استقدمهم من العراق لهذه المهمة. في النهاية، وافقت فصائل من الشحيل على مبايعة أبي بكر البغدادي، فيما غادر أفراد الفصائل التي لم توافق على البيعة إلى البادية أو إلى القلمون.

بعد سقوط الشحيل، بدأت البلدات الأخرى في مبايعة التنظيم الإرهابي نتيجة لأجواء الرعب التي سادت في تلك الفترة، فبايعت مدن الميادين وبلدات العشارة وصور والقورية والبوكمال والموحسن. وكان تركيز التنظيم منصباً على حقول النفط والبلدات القريبة منها، وفي مقدمتها بلدات الكشكية وأبو حمام و غرانيج وهي البلدات التي تنتشر فيها عشيرة "الشعيطات" إحدى أكبر العشائر السورية، التي يبلغ عدد أفرادها حوالي  130 ألف نسمة والمتفرعة عن قبيلة "العكيدات" العريقة.

اجتاحت مظاهرات عديدة بلدات الشعيطات الثلاث (الكشكية وأبو حمام و غرانيج) رافضة دخول التنظيم إليها، ورافعة شعار "لا للبيعة" في تحدٍ صريح لخطط البغدادي الرامية إلى إخضاع كامل محافظة دير الزور.

 

بداية الأحداث

لم يكن هناك مجال للمقارنة بين قوة وقدرات داعش وبين قوة العشائر. يملك التنظيم ترسانة كبيرة من الأسلحة الثقيلة والمفخخات وآلاف المقاتلين المتمرسين في المعارك، وذوي الخبرة الطويلة في إدارة حروب العصابات والمدن، يتقدمهم الرقيب السابق في الجيش الجورجي طرخان تيمورازوفيتش باتيرشفيلي المعروف بأبي عمر الشيشاني.

وسط إرهاب المدافع والمفخخات الذي خيّم على المنطقة، وولاء البلدات الأخرى للتنظيم؛ لم تجد عشيرة الشعيطات بدا من عقد اتفاق مع التنظيم، قضى بدخول بلدات الشعيطات الثلاث تحت سلطته، والكفّ عن مقاتلته، لكن من دون دخول عناصره إليها أو إقامة مقرّات عسكرية له وسط أحيائها، أو تسيير دوريات الحسبة إليها، وعدم إلحاق أي أذى بأفراد العشيرة، بالإضافة إلى اقتسام عائدات حقول النفط مناصفة بين التنظيم والعشيرة.

لم يكد يمر شهر واحد على الاتفاق حتى تنصّل التنظيم منه. ففي 30 يوليو 2014 دخلت دورية للتنظيم إلى بلدة "أبو حمام" لاعتقال عدد من أفراد أسرة "آل النهاب". لم يستجب أحدهم لأمر الاعتقال، فأطلق عليه عناصر داعش النار وأردوه قتيلاً. وكان هذا الحادث بمثابة الشرارة التي أجّجت القتال بين التنظيم والعشيرة.

انتفض مسلحو العشيرة، وطاردوا عناصر الدورية التي دخلت بلدتهم، فقتلوا بعض أفرادها وكان أغلبهم أجانب، وهاجموا مبنى بلدية الكشكية التي يتخذها التنظيم مقرا له فقتلوا عنصرين داخله، وخرج التنظيم من البلدات الثلاث.

على ضوء ذلك، أطلق "داعش" حملة دعائية مكثفة لحشد أنصاره ومقاتليه ضد ما سماه "غدر الشعيطات". في هذه الأثناء وجّه شيوخ ووجهاء عشيرة الشعيطات نداءات استغاثة إلى العشائر الأخرى والفصائل المقاتلة في سوريا لدعمهم في حربهم ضد داعش.

وفي ما يشبه النبوءة، خرج شيخ عشيرة الشعيطات "رافع عكلة الرجو" مناشداً العشائر والفصائل إرسال المؤازرات إلى البلدات المنتفضة، ومحذراً من أن "القبائل والمناطق الأخرى في سوريا ستلاقي كلها مصير الشعيطات إذا لم يتم التصدي للتنظيم الآن".

فتوى الدم

أحرز مقاتلو العشائر بعض التقدم في الأيام الثلاثة الأولى من المعارك. لكن تنظيم داعش استقدم مئات المقاتلين من العراق، ومجموعات أخرى من المقاتلين الأجانب تتقدمهم كتيبة "البتّار" الليبية، ونصب المدافع الثقيلة في محيط البلدات الثلاث، وفرض حصاراً خانقاً عليها، وشرع في قصفها بشكل عشوائي، وإرسال العربات المفخخة إلى داخلها.

أصدر أبو عبد الله الكويتي، أحد "شرعيي" داعش فتوى بشأن الشعيطات. وصفت الفتوى العشيرة بأنها "طائفة ممتنعة عن شرائع الإسلام بشوكة". وحكمت عليها بالردة الجماعية.

تقول الفتوى المروعة إنه يجب قتال الشعيطات "قتال الكفار بإجماع العلماء.. ولَا يجوز أن يُعقد لهم ذمة ولا هدنة، ولا أمان، ولا يطلق أسيرهم ولا يفادى بمال ولا رجال، ولا تؤكل ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم ولا يسترقون، ويجوز قتل أسيرهم واتباع مدبرهم، والإجهاز على جريحهم، ويجب قصدهم بالقتال ولو لم يقاتلونا ابتداء". وأوصت رسالة من قيادة "داعش" بتطبيق فتوى الكويتي " بنداً بنداً".

بحلول الخامس من أغسطس 2014 نجح التنظيم في دخول بلدات الشعيطات، وشرع في إبادة جميع سكانها ممن لم يتمكنوا من الفرار، ولم يستثنِ الأطفال والشيوخ الكبار في السن، دون أي تمييز بين المسلحين و المدنيين أو بين من شارك في المعارك ومن لم يشارك.

في العاشر من أغسطس، قتل التنظيم أكثر من 700 شخص من أبناء بلدات "الكشكية" و"أبوحمام" و"غرانيج"، وبثّ مقاطع فيديو توثّق عمليات الذبح بدم بارد للعشرات من الشباب والشيوخ، وعمليات إعدام جماعية بالرصاص. وتناثرت الجثث في الشوارع والأزقة، وصلب كثير منها على الأعمدة الكهربائية. وداهم عناصر التنظيم المدارس التي تجمّع فيها الأهالي وذبحوا كل الرجال اللاجئين إليها. حتى العمال المياومون الذين يشتغلون في آبار النفط تمت تصفيتهم مع أن حصة كبيرة من عوائد عملهم تذهب إلى خزينة التنظيم.

اقتحم مقاتلو التنظيم أيضا المشافي وأجهزوا على كل الجرحى والمرضى، بما في ذلك بعض المستشفيات في البلدات البعيدة مثل مستشفى "نبض الحياة" في هجين الذي اقتحموه وقتلوا مصابين داخله يتحدّرون من الشعيطات.

وحتى العمال الذين كانوا يعملون مع التنظيم في توصيل صهاريج المياه إلى مقراتهم تمت تصفيتهم، بل نشر عناصر التنظيم مقطعاً مصورا يُظهر عملية إعدام شخص يعاني من مرض عقلي بواسطة قذيفة RBG مضادة للدبابات. العشرات من أبناء العشيرة تم استخدامهم في عمليات حفر المقابر الجماعية التي ضمت مئات من الضحايا وبعضها لم يتم اكتشافها حتى الآن.

الملفت هنا أن معظم قادة داعش الذين أشرفوا على هذه المجازر استناداً إلى فتوى أبي عبد الله الكويتي، هم إما أجانب حديثو عهد بالإسلام مثل مغني الراب الألماني دينيس كوسبيرت المعروف بأبي طلحة الألماني، أو ممن كان يشتغل في تهريب السجائر قبل أشهر قليلة من بيعته لداعش مثل القيادي السوري صدام الجمل، أو ممن لم يتجاوز مستواه الدراسي المرحلة الابتدائية مثل أبي سيف الشعيطي. بل قام التنظيم في وقت لاحق بإعدام أبي عبد الله الكويتي نفسه صاحب فتوى الإبادة بتهمة التخابر مع أجهزة المخابرات الدولية، لكن أصوات داخل التنظيم رجحت أن يكون إعدامه بسبب مواقفه من قادة التنظيم.

 

العودة

استمرت عمليات الإبادة حوالي شهر، مع أن التنظيم أحكم سيطرته على مناطق الشعيطات في العاشر من أغسطس، لكنه تتبّع الفارين والنازحين، ونصب الحواجز في الطرقات بحثاً عن أي شخص من الشعيطات.

لمدة ثلاثة أشهر استمر رفض التنظيم لكل الوساطات التي قادتها بعض العشائر المبايعة له، من أجل وقف المذابح والسماح للنازحين بالعودة إلى منازلهم. في نوفمبر 2014 وافق أبو بكر البغدادي أخيراً على السماح بعودة المهجرين إلى ديارهم بشروط.

اشترط البغدادي على العائدين تسليم كافة أسلحتهم، على أن من يُضبط بحوزته سلاح سيقتل به. اشترط داعش أيضا أن تكون عودة المهجرين على دفعات بحيث تكون الأولوية لمن لم يقاتل التنظيم، كما اشترط ترحيل من ثبت عليهم القتال إلى مناطق أخرى. وكل شخص يتستر على أحد المطلوبين فسيهدم منزله فوق رأسه هو وعائلته. جرى أيضا منع كافة أنواع التجمعات، وفرض حظر للتجوال لمدة شهرين على بلدات الكشكية وأبو حمام وغرانيج، وأن يحضر الجميع بشكل إجباري دورات استتابة في المساجد. وتسليم وثيقة توبة بها صورة شخصية للمعني بعد رضوخه لهذه الشروط وخضوعه لدورات الاستتابة.

في أغسطس من كل عام يستذكر أهالي الشعيطات بمزيج من مشاعر الحسرة والألم والخذلان والقهر الدفين مأساتهم. لقد قتل تنظيم داعش 1700 شخصاً من أبنائهم، 700  منهم في يوم واحد، وشرّد أكثر من 100 ألف، بينما لا يزال مصير المئات غامضا حتى الآن.