"لم يسبق أن مر علينا شهر رمضان بهذا الكم من الضغوط والآلام والمعاناة"، تقول أم يوسف الأحمد (65 عاما)، التي دمر منزلها في جنديرس شمال سوريا جراء الزلزال كهرمان مرعش الذي ضرب جنوب شرق تركيا وشمال سوريا أوائل فبراير الماضي، ولجأت إلى مخيم إيواء في مدينة أطمة.
تؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن الناجين من الزلزال "يعيشون معاناة مضاعفة خلال شهر رمضان، حيث يمضون أيامهم خارج منازلهم المدمرة وفي خيام تحت البرد والصقيع، بعد أن فقد العديد منهم أفرادا من عائلته ومنزله وتحويشة (مدخرات) عمره".
"حالنا يشبه حال آلاف الأسر التي فقدت منازلها بسبب الزلزال، ومن الصعب علينا أن نتعايش مع الحياة الجديدة، لكننا مجبرون على ذلك"، تضيف أم يوسف.
وتقيم حالياً في خيمة مع أحفادها، وهي مفروشة بشكل بسيط جداً، إذ لم تتمكن من أخذ أي شيء من منزلها الذي تهدّم كلياً.
تبين أم يوسف: "كنت قد جهزت الكثير من المؤونة لاستهلاكها في الشهر الفضيل، لكنها أصبحت بين الأنقاض، ومع قدوم رمضان علينا في الخيمة، أجهز طبخات بسيطة، فالأواني الموجودة صغيرة، ولا تصلح إلا لأطعمة سريعة وبسيطة، كما أجمع الحطب لأطهو الطعام، وأنتظر المساعدات الإنسانية، حيث تؤمن لنا الجمعيات وجبات إفطار بشكل يومي خلال رمضان".
خلدون العبد الله، نازح آخر جرّاء الزلزال، يقيم في مركز إيواء بمدينة عفرين، يقول إن شهر رمضان "زاد من معاناته، لأنه فقد أخاه وثلاثة من أبناء أخيه، إضافة إلى العديد من الأقارب في الزلزال".
ويصف حاله بالقول "ذكريات كثيرة تداهمني خلال شهر رمضان.. كنا نجتمع سويا على مائدة الإفطار، نترافق في صلاة الفجر وصلاة التراويح، واليوم أشعر بغصّة كبيرة وأفتقد أخي وعائلته وأصدقاءه الذين رحلوا".
بالنسبة لمحمود مرعي، الذي ترك منزله في ريف إدلب، وانتقل إلى أحد مخيمات سلقين في ريف إدلب، لا يختلف رمضان عن باقي الأيام بسبب ضعف الأحوال المادية، يشرح لـ"ارفع صوتك": "ربما في مكان آخر يتحضر الناس ويزينون المنازل والساحات، ويرحبون برمضان بفرح وسعادة، أما نحن فمشغولون بأحزاننا وموتانا وألم الفقد، والسعي لتأمين الدفء والطعام، وحماية العائلة من الأمراض كالكوليرا الذي انتشر بين قاطني المخيمات، ومن المطر والبرد، في ظروف جديدة علينا بعد الزلزال الذي أفقدنا كل شيء".
وتفتقد منى السلامة (33 عاما)، المقيمة في مركز إيواء في سلقين شمالي سوريا، أجواء رمضان في المخيم، وتتذكر الحي الذي كانت تقيم فيه ودمر بشكل كبير.
"كان الأطفال في الشارع يلعبون، وكنا نسمع ضحكاتهم ونطمئن عليهم من النافذة أثناء انشغالنا بتحضير وجبات الإفطار، ونطلب منهم العودة إلى المنزل قبيل الأذان، والآن قضى الزلزال على الحي والكثير من أبنائه، لهذا تجد الغالبية مرهقين نفسيا وجسديا وماديا، يفتقدون أجواء الألفة ولمّة العائلة، واجتماع الأقارب على المائدة الرمضانية، فالزلزال قضى على جميع ما جهزناه للشهر الفضيل، وأصبحنا دون مأوى في خيمة ننتظر المساعدات الإنسانية والسلال الغذائية التي تقدمها المنظمات والمحسنون"، تبين منى لـ"ارفع صوتك".
في ذات السياق، تقول رحيمة جبور (48 عاما)، التي نزحت جراء الزلزال إلى مخيمات كفرلوسين بعد أن فقدت منزلها في جنديرس: "فقدت العديد من أفراد عائلتي وفقدت منزلي، إنه أمر صعب جدا أن تفقد منزلك ومصدر عيشك وتعيش في خيمة تداهمك السيول والأمطار، فبعد أن كنا نقدم المساعدات للعائلات المحتاجة في رمضان، أصبحنا نعتمد كليا على المساعدات من المنظمات ومن أهل الخير، حيث دُمرت ورشة زوجي ومصدر رزقنا الوحيد".
"ليتنا لم ننج"
تقطن خديجة الرهواني مع والدتها ووالدة زوجها وأولادها في خيمة واحدة، تفتقد للدفء والإضاءة والبنية التحتية في هذا المخيم، الذي أُنشئ على عجل في مركز إيواء في عفرين.
تقول خديجة لـ"ارفع صوتك": "نحن في وضع سيء جدا ولسنا بخير، لأننا نستقبل رمضان هذا العام بحسرة شديدة، ففي القبور أحبة دفناهم منذ أسابيع، ونفتقدهم كثيرا على السحور وننتظرهم وقت الإفطار، وأمضي اليوم بالدموع والدعاء لمن فقدناهم، وأدعو أن يصبر الله قلوبنا وقلب كل من فقد أحبته".
وفي مركز إيواء بمدينة عفرين شمال سوريا، يشكو المقيمون فيه من سوء الخدمات المقدمة وعدم وجود صرف صحي، تمنى بعضهم لو أنه لم ينج من الزلزال فعلا، بحسب ما تقول الناشطة الإنسانية رفاء قدور لـ"ارفع صوتك".
وتبين وفاء أن وضع المخيم "سيء جدا، رغم رفده بهنغارات (كرفانان، مجمع خيم بحمام مشترك) جيدة وعوازل، إلا أن الصرف الصحي غير متوفر، حيث حفر المكان كتمويه، ولكن لم يتم إنشاؤه، وهناك أمور كثيرة تحصل، ويخاف الناس من التصريح عنها، كذلك المساعدات الغذائية متقطعة وغير منتظمة، وسكان مركز الإيواء مستاؤون جدا من الوضع، والبعض يتمنى لو أنه لم ينج من الزلزال".
