"تحرير الشام" دخلت إلى عفرين قبل أربعة أيام- أرشيفية
صورة أرشيفية لأحد عناصر هيئة تحرير الشام (جبهة النصرة سابقاً)- تعبيرية

يؤكد رئيس المنظمة الأيزيدية للتوثيق، حسام عبدالله، لـ"ارفع صوتك"، أن "فصائل المعارضة السورية المتطرفة الموالية لتركيا، تُجبر الأيزيديين في مدينة عفرين وقراها وفي المناطق الأخرى الخاضعة لسيطرتها، على اعتناق الديانة الإسلامية"

"وخلال الفترة الماضية تم توثيق عمليات هدم أربعة أماكن عبادة أيزيدية من قبل هذه الفصائل وهدم مقابر الأيزيديين في مناطق سيطرتها، ولا يمكن لأي كردي أيزيدي أن يعلن بشكل مباشر أنه أيزيدي ويمارس طقوسه في هذه المنطقة، وهذا دليل واضح على أن هذه المليشيات تحاول بطريقة وأخرى السيطرة وفرض هوية محددة وتمحو تراث وتاريخ هذه المناطق"، يبيّن عبدالله لـ"ارفع صوتك".

ويضيف أن "الكرد الأيزيديين متواجدون في هذه المنطقة، إلا أن الهوية الغالبة هي هوية التطرف الإسلامي، بالتالي فإن الأيزيديين يعانون بشكل كبير، واضطرت غالبيتهم للهجرة، بسبب هذه المضايقات، لكن كبار السن ما زالوا متواجدين".

 

"تكسير شواهد قبور وسلب أموال"

في مقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع نهاية مارس الماضي، ظهر "أحمد الزيوك"، وهو أحد رجال الدين التابعين لفصيل "أحرار الشرقية"، على جانبيه رجلين أيزيديين أعلنا اعتناقهما الإسلام.

هذا المشهد أثار حفيظة الأيزيديين في سوريا ومخاوفهم من التعرض للإبادة في ظل استمرار ما اعتبروه "أسلمتهم"، بالإضافة إلى خوف من الاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم وتدمير معابدهم في عفرين وقراها.

عزيز جمو، اسم مستعار لأحد شيوخ العشائر الأيزيدية في عفرين، تمكن "ارفع صوتك" وبعد محاولات عديدة من التواصل معه لمعرفة ما يجري هناك، فالفصائل المسيطرة على الأرض تفرض تعتيما شديدا ورقابة على سكان المدينة واتصالاتهم، وتشن بين الحين والآخر حملات اعتقال ضدهم بتهمة التخابر مع الجهات الأجنبية.

يقول جمو لـ"ارفع صوتك": "تختلف أوضاعنا من قرية لقرية حسب الفصيل الموجود، إذا كان الفصيل إسلامياً راديكالياً، هناك مضايقات أكيدة بشكل رئيسي. مثلاً قرية باصوفان تشهد رمي القمامة أمام مزار الشيخ علي وتكسير شواهد القبور وسلب أموال الناس وقطع الأشجار وكيد التهم لأبناء القرية".

وتشير إحصائيات غير رسمية حصل عليها "ارفع صوتك"، إلى أن عدد الأيزيديين في عفرين، كان قبل سيطرة فصائل المعارضة السورية عليها (مارس 2018)، أكثر من 25 ألف شخص، بينما الآن لم يتبق منهم في المدينة وقراها سوى 3500 شخص، ويعيش البقية كنازحين في المخيمات داخل سوريا أو مهاجرين في أوروبا والعراق ولبنان وتركيا.

يؤكد جمو: "هناك عمليات أسلمة للأيزيديين تجري في المناطق الخاضعة لسيطرة عدد من الفصائل المسلحة المعروفة بتطرفها مثل أحرار الشرقية وفيلق الشام وجماعة الغوطة، هؤلاء يجبرون الأيزيديين على دخول الإسلام تحت تهديد السلاح، وهذه العمليات لم تتوقف منذ 2018 لحد الآن".

بالنسبة للفيديو المذكور سابقاً، يقول جمو إن الشخصين اللذين ظهرا فيه "من قرية قيبارية من عائلة عارف الأيزيدية، تم إجبارهما على اعتناق الإسلام تحت التهديد"، مردفاً "لدينا مخاوف كبيرة من المجهول ضمن هذه الظروف الغامضة وعدم معرفة مصير سوريا... هل سنعيش في ظل دولة ديمقراطية علمانية أم راديكالية أم ستبقى الأوضاع كما هي عليه؟".

وتخضع مدينة عفرين وأطرافها حالياً لسيطرة هيئة تحرير الشام، وهي جماعة سلفية جهادية أعلن عن تشكيلها عام 2017 من تحالف مجموعة من الفصائل والتنظيمات السورية المتطرفة المسلحة ويشكل تنظيم جبهة النصرة السابق أبرز مشكليها.

وينتشر الأيزيديون في أكثر من 22 قرية إلى جانب مركز مدينة عفرين والنواحي والبلدات التابعة لها، ويتهم الأكراد فصائل المعارضة السورية المتطرفة بتنفيذ عمليات تغيير ديمغرافي في عفرين والاستيلاء على الأراضي الزراعية والعقارات وتهجير سكانها الأصليين وتوطين عائلات عربية قادمة من ريف محافظة دير الزور.

ويطالب الأيزيديون والأقليات الأخرى في سوريا، بتوفير حماية دولية لمناطقهم وحمايتهم من تهديدات وهجمات الجماعات المتطرفة المنضوية في المعارضة السورية ومن المليشيات الموالية لإيران.

 

اللجوء لشيوخ العشائر

سمير، اسم مستعار لرجل أيزيدي من أهالي قرية باصوفان، التابعة لعفرين، وتخضع لسيطرة "فيلق الشام"، يروي لـ"ارفع صوتك": "خلال السنوات الماضية كانت عمليات أسلمة الأيزيديين نشطة في قريتنا، إلا أنها توقفت منذ مدة بعد أن أثبتنا وجودنا ونحن مستمرون رغم دفعنا الثمن، لكن الإساءة لنا كأتباع ديانة أيزيدية مستمرة".

"هدموا جزءاً من مزار القرية وتمكنا من بنائه، لكن ما زالوا يرمون النفايات أمام المزار وهدموا وخربوا مقابرنا.. إنهم يستغلون خوف الشعب وجهله وقلة ثقافته، بالتهديد حينا والترغيب أحيانا"، يضيف سمير.

ويتابع أن "عمليات أسلمة الأيزيديين مستمرة في القرى الأخرى" لكنه لا يستطيع الحديث في تفاصيل أكبر خوفاً من اعتقاله من قبل الفصائل.

وبحسب معلومات حصل عليها "ارفع صوتك" من مصادر خاصة، يلجأ العديد من الأيزيديين الذين لم يتمكنوا من الخروج من عفرين إلى شيوخ العشائر العربية، من أجل الضغط على عدد من الفصائل المسلحة، للعدول عن عمليات أسلمة الأيزيديين، فيما يرفض قسم من هذه الفصائل الوساطة بل وتعاقب الأيزديين الذين يرفضون الخضوع لها، بالاستيلاء على أراضيهم وممتلكاتهم واعتقالهم.

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.