عمليات جمع الكمأة تتم في البادية السورية - صورة تعبيرية. أرشيف
عمليات جمع الكمأة تتم في البادية السورية - صورة تعبيرية. أرشيف

داخل منطقة البادية السورية مترامية الأطراف أو كما تعرف بـ"الثقب الأسود لتنظيم داعش" فَقد مئات المدنيين أرواحهم هناك بين شهري فبراير وأبريل الماضيين في أثناء بحثهم عن "فطر الكمأة"، وعلى الرغم من تسجيل العديد من هذه الحوادث من جانب جهات حقوقية، إلا أن كثير من الناس الفقراء ما يزالون يسلكون هذه المغامرة حتى الآن، مع علمهم بأنها قد تنتهي بالموت.

ويعتبر موسم "الكمأة" في سوريا هذا العام الأفضل والأكثر سخاء قياسا بالأعوام السابقة، ما دفع كثير من العمال الفقراء في عدة محافظات سورية تتقاطع أطرافها الصحراوية في "البادية" لجمع ما يستطيعون من نبشه، وخاصة أن سعر الكيلو غرام الواحد بات يساوي ضعف الراتب الذي يتقاضاه الموظف في المؤسسات الحكومية، وفي وقت تعيش البلاد ظروفا اقتصادية صعبة، منذ 12 عاما.

لكن وبينما كان هؤلاء ينبشون في المناطق المعروفة بغناها بـ"الكمأة"، خلال الأشهر الماضية، تعرضوا لهجمات بإطلاق الرصاص المباشر من جانب خلايا تنظيم "داعش"، ما أسفر عن مقتل المئات منهم، في وقت كانوا يواجهون موتا من نوع آخر، بسبب الألغام المزروعة في كل بقعة هناك، إثر العمليات العسكرية.

وتشير إحصائية حديثة نشرها "المرصد السوري لحقوق الإنسان"، الأربعاء، إلى أنه وثق "مقتل واستشهاد" 177 من جامعي الكمأة، بينهم 30 من قوات النظام السوري و147 من المدنيين بينهم طفلين و5 سيدات.

وجاء في الإحصائية أن العشرات من عمال الكمأة أصيبوا أيضا، إثر انفجار ألغام من مخلفات الحرب وهجمات لعناصر تنظيم "داعش"، استهدفتهم أثناء عملهم في البحث عن الفطر، وذلك منذ مطلع شهر فبراير وحتى الرابع من شهر أبريل الحالي.

وكانت آخر الحوادث التي وثقها المرصد في الخامس من أبريل الحالي، إذ قتل مدنيين اثنين، جراء انفجار لغم أرضي من مخلفات الحرب بسيارة كانت تقلهما أثناء عملهما في جمع "الكمأة" في بادية البشري ضمن مناطق سيطرة قوات النظام في ريف دير الزور الغربي.

وقبل هذه الحادثة، في الثالث من أبريل، عثر الأهالي على 4 جثث تعود لمدنيين قتلوا بهجوم عناصر مسلحين يرجح تبعيتهم لخلايا "داعش" أثناء بحثهم عن الفطر، شرقي دويزين بجبل أم الفهود جنوب شرق سلمية بريف حماة الشرقي، بعدما كانوا قد فقدوا لمدى أسبوع.

من ينفذ المجازر؟

وبعدما انتهى نفوذ تنظيم داعش في منطقة الباغوز بريف دير الزور، أواخر العام 2019 باتت منطقة البادية الملاذ الآمن لخلاياه، التي فرّت من العمليات العسكرية التي أطلقها التحالف الدولي، بقيادة الولايات المتحدة.

ومنذ تلك الفترة لم تتوقف الهجمات داخل منطقة البادية من جانب الخلايا، سواء باتجاه مناطق القوات الكردية في شمال وشرق سوريا أو حيث تسيطر قوات النظام السوري، وصولا إلى المناطق التي كانت سابقا ضمن نفوذ فصائل المعارضة.

وفي غضون ذلك كان أكثر ما ميز المنطقة الصحراوية، منذ عام 2019 الهجمات التي استهدفت قوافل وأرتال عسكرية معظمها تتبع لقوات النظام السوري، حتى تطور هذا المشهد ليطال العمال الفقراء، الذين يقصدون المنطقة بحثا عن لقمة العيش من داخل الأرض.

وتبلغ مساحة البادية السورية نحو 80 ألف كيلومتر مربع، وتتوزع على محافظات: دير الزور، الرقة، حلب، حماة، حمص، ريف دمشق، والسويداء.

وحسب مراقبين فإن نشاط خلايا "داعش" في البادية يأتي ضمن استراتيجية مختلفة بشكل جذري عن استراتيجياته السابقة في القتال، خاصة من ناحية تنقّل المقاتلين أو أساليب الاستهداف المحددة.

لكن ومع ذلك وحتى الآن لا يعرف بالتحديد أعداد عناصر خلايا داعش هناك، والموارد التي يحصلون عليها، وتقف وراء استمرار هجماتهم وأعمالهم الأمنية، ولاسيما أن المنطقة الصحراوية التي يمكثون فيها لا توجد فيها أي مقومات للبقاء على قيد الحياة.

ويقول مدير "المرصد السوري"، رامي عبد الرحمن لموقع "الحرة" إن الهجمات التي تم توثيقها بحق جامعي الكمأة يقف وراءها بشكل أساسي تنظيم داعش"، من كونه المسيطر على المنطقة هناك.

ويضيف عبد الرحمن: "عندما يقتل داعش العمال يعتبرهم مرتدين ويعملون مع النظام السوري، وفي ذات الوقت يحاول توجيه رسالة للمجتمع الدولي بأنه موجود ويضرب في المنطقة".

وبينما توجه أصابع الاتهام على نحو أكبر لخلايا داعش، إلا أن ذوي ضحايا كانوا قد حملوا الميليشيات الإيرانية مسؤولية هجمات استهدفت جامعي الفطر أيضا في أرياف دير الزور وحمص.

وفي بيان لها نشر في شهر فبراير حمّلت "قبيلة بني خالد مسؤولية مقتل أبنائها للميليشيات الإيرانية العاملة في منطقة البادية"، وأصدرت بيانا مع عدة قبائل حينها اتهمت فيه "لواء فاطميون" الأفغاني بقتل 75 شخصا من أبنائها في مجزرة بشعة حصلت في منطقة الضبيات بريف السخنة شمال مدينة تدمر الأثرية.

وأشارت القبائل إلى أن أغلب القتلى هم من قبيلة "بني خالد"، وأن جميع القتلى هم من "المدنيين العزّل الذين كانوا يعملون في جني الكمأة".

لكن مدير "المرصد السوري" وبينما أوضح أن الميليشيات الإيرانية وقوات النظام السوري "هم قتلة وهذا شيء معروف"، إلا أنه قال: "مسؤوليتهم عن هجمات جامعي الكمأة قد تبدو غير دقيقة".

وترتبط فكرة عبد الرحمن بأن العديد من عناصر قوات النظام السوري وميليشيا "الدفاع الوطني" كانوا قد تعرضوا لهجمات من جانب تنظيم "داعش" في أثناء بحثهم عن الكمأة أيضا، بعدما تسللوا خلسة من داخل قطعهم العسكرية.

"احتكار وقوده الفقراء"

ونادرا ما يعلق تنظيم داعش على الهجمات التي اتهم بتنفيذها ضد عمال الكمأة، على خلاف العمليات التي ينفذها باستمرار في مناطق شرق سوريا وشمالها، وفي الجنوب السوري بمحافظة درعا.

وعلى غير ما كانت عليه هجماته بعد خسارته الباغوز شرق سوريا في مارس 2019، زاد التنظيم عملياته خلال العامين 2020 و2021، بينما قلصها خلال النصف الثاني من عام 2022 والربع الأول من هذا العام إلى حدودها الدنيا.

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، رائد الحامد، أن "مجلة النبأ التي توثق عمليات التنظيم الأسبوعية والتي تصدر كل خميس لم تسجل في بعض الأسابيع أكثر من عملية واحدة إلى ثلاث عمليات في عموم ما يعرف باسم ولاية الشام".

ومع ذلك هناك المزيد من الأخبار التي تتحدث عن كمائن للتنظيم على سيارات "مبيت" جنود النظام أو الميليشيات المتحالفة معها، أو هجمات على مدنيين يقومون بجمع فطر الكمأة من الصحراء، وهو ما لم تتبناه منصات إعلام داعش.

ويقول الحامد لموقع "الحرة": "التنظيم ومن خلال ما تنفذه قوات التحالف من عمليات استهداف لقياداته في محافظة دير الزور، لديه خلايا تنشط في جمع الأموال عبر الابتزاز".

كما لديه "خلايا لجمع المعلومات الاستخباراتية وتصفية المتعاونين مع قوات سوريا الديمقراطية أو قوات النظام، دون أن تشهد هذه المناطق عمليات قتالية أو اشتباكات واسعة"، وفق الحامد.

وفي مطلع شهر مارس الماضي نقلت صحيفة "الوطن" شبه الرسمية عن مصدر عسكري مناشدته المواطنين "عدم التوجه إلى البادية لجمع الكمأة، لكونها مناطق لم تعلن آمنة بعد، وتشهد عمليات تطهير من خلايا تنظيم داعش". وأفاد بوجود "العديد من القطاعات مزروعة بالألغام والعبوات الناسفة".

وجاء ذلك بعدما انكشفت مجزرة شنيعة، أسفرت عن مقتل 15 شخصا من جامعي فطر الكمأة ذبحا بالسكاكين، حسب "المرصد السوري".

وعُرف من الضحايا خمسة أشخاص من أبناء عشيرة "الإبراهيم" التابعة لقبيلة "الحديديين"، بالإضافة إلى خمسة أشخاص آخرين من أبناء عشيرة "البوفاتلة"، بينهم عناصر في صفوف قوات النظام.

ويشير عبد الرحمن إلى أن "هناك عناصر من النظام والدفاع الوطني يتركون قطعهم العسكرية ويبحثون عن الكمأة"، ولذلك تحولوا خلال الأشهر الماضية إلى هدف أساسي لخلايا التنظيم.

ومع ذلك تحدث عبد الرحمن عن وجود 3 تجار محتكرين لـ"الكمأة" في سوريا، ويتبعون لـ"الفرقة الرابعة"، موضحا أنهم "يقومون بجمعها من السخنة ودير الزور وتدمر، ومن ثم يعملون على المتاجرة بها وتصديرها إلى خارج الحدود".

"الناس مهددة بالموت ومع ذلك تستمر بالبحث عن الكمأة وتخاطر بحياتها"، ويضيف عبد الرحمن: "هذا العام هناك محصول وفير في سوريا، بينما أعداد الضحايا كبيرة".

الناشط الإعلامي، عبد الرزاق، الموجود في منطقة التنف القريبة من مسرح المجازر والهجمات ضد العمال الفقراء يقول لموقع "الحرة" إن الكثير من الضحايا "كانوا يعرفون أنهم قد لا يعودوا إلى منازلهم بعد هذه المغامرة".

ويضيف أنه "رغم هجمات داعش من جانب والألغام من جانب آخر.. وتابع بلهجة محلية "الناس عم تطلع على دمها مشان تترزق".. و"إلى الآن مستمرة بهذا الأمر".

ويرجح الصحفي السوري، محمد العايد و"مدير شبكة تدمر الإخبارية" مسؤولية خلايا داعش في الهجمات التي حصدت أرواح المئات، لكنه يضيف لموقع "الحرة" أن "استمرار الموضوع وتوسعه وعدم تبنيه يثير شبهات".

"ارتياب وعوامل مجتمعة"

وكثيرة هي التسجيلات المصورة التي تظهر توجه مئات العمال للبحث عن الكمأة في البادية السورية، وهناك تسجيلات أخرى تظهر تعرضهم لإطلاق رصاص مباشر وملاحقتهم من قبل أشخاص مسلحين.

وبالإضافة إلى ذلك وثقت تسجيلات مصورة أخرى نشرها مستخدمون عبر مواقع التواصل الاجتماعي كيف يخاطر أحد جامعي الكمأة في انتزاع الألغام التي عثر عليها في أثناء نبشه لإحدى البقع المليئة بالفطر.

ومع استمرار أعداد الضحايا بالازدياد لا تعرف الأسباب التي تدفع خلايا داعش إلى قتل هؤلاء العمال الفقراء، وما إذا كان ذلك مرتبط بكون المنطقة التي يدخلون إليها تخضع لسيطرته أم يتعلق بدوافع أخرى.

ومنذ فترة بعيدة وفي أعقاب نهاية سيطرته المكانية في الباغوز أصبحت البادية السورية بالنسبة لداعش "منطقة ملجأ وملاذا آمنا"، حسب ما يقول الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية.

ويضيف الباحث لموقع "الحرة": "من خبرته في العراق خلال حقبة الزرقاوي وأبو عمر البغدادي وصولا لأبو بكر البغدادي أصبحت الصحاري الملاذات الآمنة له للعودة مرة أخرى إلى المدن".

ويرى أبو هنية أن الهجمات التي تطال العمال الفقراء قد ترتبط بمرحلة الارتياب التي يدخل فيها "داعش"، وخاصة بعد تحوله من الظهور المباشر إلى السيطرة على الولايات الأمنية فقط.

"التنظيم يرتاب من أي شخص، وهو لا يريد أن يستخدم المدنيون ملاذه الآمن، حتى لو لجمع فطر الكمأة".

وإلى جانب "الارتياب" هناك حالة "انتقامية يمر بها التنظيم"، ويشير أبو هنية إلى أن هذه المرحلة تفرض عليه أن "لا يتسامح في أماكن سيطرته ونفوذه، كما فعل حيث تمكن في الولايات سابقا".

علاوة على ذلك، يوضح أبو هنية أن "التنظيم يعتبر البادية السورية كالأنبار سابقا كملاذ آمن لفرض النفوذ والسيطرة"، وأن الهجمات قد تكون مرتبطة أيضا "بالأتاوة والضريبة التي يفرضها داخل مناطق نفوذه، ومن لا يدفع يكون مصيره القتل".

مواضيع ذات صلة:

بشار الأسد متهم بارتكاب جرائم حرب ضد السوريين
عدة مصالح تجمع موسكو وطهران منها تثبيت نظام الأسد

خلال تهنئته بمنصبه الجديد أبلغ وزير الدفاع في حكومة النظام السوري، علي محمود عباس، نظيره الإيراني العميد عزيز نصير زاده بأن "سوريا مع إيران على نفس الجبهة، وأن أمن البلدين واحد، لأن الإخوة في محور المقاومة على نفس القارب"، على حد تعبيره، وكما نقلت وكالات إيرانية.

ورغم أن هذه اللهجة الخارجة من دمشق ليست جديدة على صعيد العلاقة مع طهران، المتشكلة منذ عقود، فإنها تبدو لافتة عندما تقاس بالتوقيت الذي جاءت فيه، وبالتحركات والمشروع الذي يحاول تكريسه الحليف الثاني لبشار الأسد على الأرض، المتمثل في روسيا.

وترعى روسيا في الوقت الحالي مسار التقارب بين تركيا والنظام السوري، في مسعى منها لفرض حالة من "التهدئة والاستقرار" على الأرض، ولاعتبارات تتعلق بإنعاش الأسد اقتصاديا وفي مجالات أخرى، كما يقول خبراء ومراقبون، تحدث معهم موقع "الحرة".

وكانت موسكو قد اتبعت سياسة "هادئة" فيما يتعلق بالحرب المندلعة في غزة، وسعت لإبعاد نفسها عن دائرة المواجهة، بمواقف ترجمتها على الأرض وبالتصريحات.

وفي المقابل لا تزال إيران تؤكد على "هوية سوريا كدولة مقاومة".

وبينما شدد على ذلك المرشد الإيراني الأعلى، علي خامنئي، قبل ثلاثة أشهر عاد وزير دفاع الأسد، محمود عباس، ليثير ذات الفكرة مع نظيره الإيراني، يوم الأحد، مستخدما مصطلحات من قبيل: "مواجهة قوى الشر والمحور المتغطرس"، في إشارة منه لإسرائيل والولايات المتحدة.

ولروسيا قوات وقواعد عسكرية في سوريا، أبرزها "حميميم"، ويأخذ وجودها هناك طابع الجيش الرسمي المتمركز في مواقع استراتيجية ومعروفة في اللاذقية والعاصمة السورية دمشق.

وكان تدخلها عسكريا عام 2015 قد حرف دفة الصراع في البلاد لصالح النظام السوري ورئيسه بشار الأسد، وجاء ذلك بعدما زجت إيران بالكثير من الميليشيات على الأرض لمساندة قوات الأخير ضد فصائل المعارضة.

وفي حين أن كلا الدولتين تدعمان الأسد على الأرض وفي الأروقة الدبلوماسية لا يعني ذلك أنهما تشتركان وتتقاطعان بكامل المصالح في سوريا، دون أن يعني ذلك التضارب الكامل الذي قد يؤدي للتصادم بصورته العامة، كما يقول الخبير في الشؤون السورية بمؤسسة القرن، آرون لوند.

"يختلفان.. ولكن"

ووفقا للخبير لوند من الواضح أن إيران وروسيا لديهما أولويات مختلفة في الشرق الأوسط، بما في ذلك وإلى حد ما في سوريا، ويطرح مثالا على ذلك، بقوله إن لديهما مواقف مختلفة للغاية تجاه إسرائيل.

وتحاول روسيا تجنب الصراع مع إسرائيل، بينما تخوض إيران "حربا فعلية" ضدها. كما تختلف كل من موسكو وطهران في موقفهما من تورط دول الخليج العربية في سوريا حيث يسيطر النظام السوري.

ومع ذلك، يضيف لوند أنهما "متوافقان جيدا فيما يتعلق بالقضايا السورية الأكثر أهمية، وقد تعاونا بشكل فعال لسنوات، كما يريد كلاهما ضمان بقاء بشار الأسد وإدارة الصراع لصالحه".

وغالبا ما تتكهن المعارضة السورية بوجود منافسة خطيرة مستمرة بين روسيا وإيران، وأن التحالف الروسي الإيراني سوف ينهار، مما يقوض موقف الأسد، لكن وحتى الآن لم نشهد حدوث ذلك أبدا، وفق لوند.

ويشير من ناحية أخرى إلى أنه، وبينما سيكون هناك "بعض الاحتكاك" بين موسكو وطهران، إلا أن كلاهما "يستفيد من استمرار التعاون بشأن القضايا الرئيسية".

ويتوقع لوند أن يظل الوضع على هذا النحو، "ما لم يحدث شيء استثنائي".

وكانت العلاقة بين روسيا وإيران قد أخذت منحا تصاعديا بعدما بدأت موسكو حربها ضد أوكرانيا، ومن هذا المطلق يوضح الباحث في مركز "الحوار السوري"، أحمد القربي، أن "دائرة التعاون والمصالح بينهما أكبر من نطاق سوريا".

ويقول القربي لموقع "الحرة": "هناك أوجه تعاون كثيرة ما بين إيران وروسيا تدعمها نقاط كثيرة، يرتبط جزء منها بتطورات سياسية وعسكرية والآخر بسياقات إقليمية ودولية".

ولا يمكن القول في الوقت الحالي إنه يوجد "تنافس بين روسيا وإيران في سوريا"، ويشير الباحث السوري إلى "عدة مصالح تجمعهما منها تثبيت نظام الأسد".

وانعكس ذاك المشهد المتعلق بحماية الأسد من السقوط، منذ عام 2015، حيث دائما ما كان الروس ينفذون الغارات الداعمة له من الجو بينما ينتشر ويقاتل الإيرانيون وميليشياتهم على الأرض.

ماذا عن "نموذج الدولة"؟

ومن مصلحة روسيا في الوقت الحالي أن يستعيد النظام السوري كل أراضيه وأن تكون سوريا مركزا مهما باعتبارها دولة عربية "مستقرة"، مما يزيد من نقاط موسكو ويعزز من مصالحها، كما يرى المحلل السياسي السوري، محمود الفندي.

ويقول الفندي المقيم في موسكو لموقع "الحرة" إنه في المقابل "تريد طهران أن تظّل الحكومة السورية ضعيفة، وأن تبقى في إطار ما يعرف بمحور المقاومة والممانعة".

وحتى الآن لا ترى إيران مصلحة في "إعادة القوة" لسوريا، وأن تعود إلى الحضن العربي أو تعيد علاقاتها كاملة مع تركيا، وفق الفندي.

ويعتبر أن تحقيق ذلك "سيؤدي إلى فقدان إيران لأسهمها في سوريا"، مردفا أن "مصلحة إيران في سوريا الآن كما عمل النظام السوري في لبنان قبل سنوات. كان يريده ضعيفا بشكل دائم".

ومن جهته يشير الباحث السوري القربي إلى أن وجهة نظر إيران في سوريا تقوم على "تشكيل ميليشيات خارج مؤسسات الدولة"، وتختلف بذلك عن روسيا التي تدعم "نموذج الدولة المركزية".

لكن القربي لا يرى أن ما سبق يعني أن موسكو وطهران بينهما الكثير من المشاكل والتنافس.

ويضيف أنه "توجد مصلحة استراتيجية للطرفين في الحفاظ على نظام الأسد"، والتصدي للنفوذ الأميركي في شرق سوريا والحد منه، فضلا عن موقفهما المشترك ضد المعارضة السورية ورفض "قضية الثورة".

"القارب" روسي أم إيراني؟

ولا يعرف حتى الآن الشكل الذي ستكون عليه سوريا المقسمة بين 4 مناطق تشرف عليها جهات تتضارب فيما بينها بالكثير من القضايا العسكرية والسياسية والاقتصادية ونماذج الحكم.

وتتجه الأنظار في الوقت الحالي إلى ما ستؤول إليه التطورات المتعلقة بخط التطبيع ما بين أنقرة والنظام السوري، الذي تدعمه روسيا على نحو كبير.

وتشترك تركيا وروسيا وإيران في مسار "أستانة"، وتضبط هذه الدول الثلاث منذ سنوات خطوط الجبهة التي تفصل بين مناطق الصراع.

ويعتقد الباحث السوري القربي أن "الاختبار المرتبط بالتطبيع بين الأسد وتركيا سيقدم مؤشرا جيدا بشأن إلى أي مدى يمكن أن تتخلى موسكو وطهران عن بعضهما في سوريا".

ويؤكد في المقابل أن جملة المصالح السياسية الاستراتيجية بين إيران وروسيا لا تعني أن حليفي الأسد "يتوافقان في جميع المجالات"، خاصة الجانب الاقتصادي وتركيبة النظام السوري ككل.

ويعتقد المحلل السياسي الفندي أن "إيران تحاول عرقلة مسار التطبيع السوري التركي"، ولذلك تحرض من الخلف بشأن مسألة انسحاب القوات التركية من سوريا.

ويقول من ناحية أخرى، إن "الوجود الإيراني كميليشيات يرتبط بضعف سوريا، وعندما يكون هناك جيش فلا داعي لبقاء الميليشيات والحرس الثوري".

لكن الفندي يستبعد أن يكون هناك تصادم كبير بين الروس والإيرانيين في سوريا، ويضيف أن موسكو تحاول إدارة علاقتها مع طهران بالتوازي مع "تقوية سوريا من خلف الستار على صعيد المؤسسات والجيش".

ومن المستبعد أن يضحي النظام السوري بعلاقاته الاستراتيجية والعضوية مع إيران في المستقبل القريب، كما يرجح الباحث السوري، أحمد القربي، وذلك لأن الأمر "خارج إرادته"، وهو ما بدا واضحا بعد التطبيع العربي مع دمشق.

ويوضح الباحث أن "كل المؤشرات تذهب باتجاه أن نظام الأسد لا يمتلك الإرادة في التخلي عن إيران.. ولو كانت هناك ضغوط روسية".