صورة تعبيرية لأحد أسوق دمشق في رمضان- من أرشيف فرانس برس
صورة تعبيرية لأحد أسوق دمشق في رمضان- من أرشيف فرانس برس

على الرغم من أسعاره المرتفعة، يشهد سوق "التنابل"، في العاصمة السورية دمشق، إقبالا كبيرا من مواطنين، يبدو أنهم لم يتأثروا كثيراً بالأزمة الاقتصادية التي تضرب البلاد، ويعانيها غالبية السكان.

ويتميز السوق الذي  يستقبل الزبائن منذ أربعة عقود، ويقع في حي الشعلان، بأنه مخصص لبيع الخضار المقطعة والمجهزة بشكل أنيق، واللحوم المعدة للطبخ بشكل مباشر، بالإضافة إلى جميع أنواع المؤونة، مستهدفاً من لا يملك الوقت الكافي لإنجاز أعمال الطبخ، أو من لا يرغب بذلك.

وكلمة "التنابل" باللهجة السورية الدارجة، تعني الكُسالى، أو من لا يريد بذل أي مجهود لفعل شي ما.

 

"أشتري الوقت"

تقول زينب عجلوني التي تقصد السوق مرتين إلى ثلاث مرات أسبوعيا، إنها تحب سوق "التنابل" كثيراً، ولا تبالي بارتفاع أسعاره، لأنها بالأساس "تشتري الوقت والراحة" وفق تعبيرها.

وبالنسبة لها فنصف ساعة من الوقت كافية لتحضير الطعام، وتستغل بقية وقتها في النشاطات والزيارات.

تضيف زينب لـ"ارفع صوتك": "الكثير من النساء يستغرقن ساعات في التحضير، لكني أحضر طبختي شبه جاهزة، فالخضار مقطعة ومغسولة، والمحاشي جاهزة للحشي، وكذلك ورق العنب، والبطاطا مقشرة ومقطعة وجاهزة للقلي، والكبة، والثوم مقشر، والبامية مقمعة، وكذلك الملوخية والكثير من الطبخات الأخرى، وبوجود هذا السوق أستطيع ممارسة هواياتي ونشاطاتي وزياراتي دون الإخلال بواجباتي المنزلية بنفس الوقت".

 ربى غزال (33 عاما)، المقيمة في حي "المهاجرين"، تقول إنها تقصد السوق "توفيرا للوقت والجهد، وتختار كل شيء نخب أول من خضار وفاكهة وأصناف مأكولات مختلفة، معدة بشكل مرتب وجاذب للعين".

وتوضح لـ"ارفع صوتك": "التجول في سوق التنابل يساعدني على اختيار الوجبة التي سأعدها، فهو مليء بأصناف متنوعة، أما الأسعار فهي مرتفعة بالطبع، وتبلغ أكثر من الضعف وأحيانا ضعفين أو ثلاثة مقارنة بأسواق أخرى".

نسرين المالكي (28 عاما)، أيضاً ترتاد سوق "التنابل"، لكن في حديثها لـ"ارفع صوتك"، تعترض على التسمية وتطالب بتغيير الاسم، مردفة أنه "سوق لبيع الغذاء الجاهز للطبخ، بهدف مساعدة من لا يستطيع تجهيزه أو لا يعرف"، وهي تلجأ له عندما تكون على عجل، ولديها ضيوف ولا يسعفها الوقت في التحضير.

 

"لم يتأثر" بالأزمات

في داخل السوق، نلتقي العامل في أحد المتاجر، ويُدعى محمود الحوراني، الذي يؤكد ارتفاع الأسعار "بشكل كبير" خلال شهر رمضان، وفي نفس الوقت "زاد إقبال الناس".

ويشرح، أن "زبائن سوق التنابل لا يتأثرون بالوضع الاقتصادي، فغالبيتهم من الأثرياء الذين يفضلون الأطعمة المحضّرة وشبه الجاهزة، وهناك طلب دائم على معظم الأصناف التي تجهز بشكل يومي وتباع جميعها، والحركة نشطة".

"البعض يحضر إلى السوق ليختار بنفسه، وآخرون يطلبون من البائع عبر الموبايل، أما الفقير فيبحث في الأسواق الأخرى عن الأرخص"، يتابع محمود.

والأسعار المرتفعة للمواد في السوق، هي فعلياً "ثمن الجهد الذي يبذله العامل في تحضير وإعداد كل شيء، مع هامش ربح للبائع"، بحسب محمود.

من العاملين في تحضير الخضار، آمال محمود (38 عاما)، تقول لـ"ارفع صوتك"، إنها تعد البقدونس المفروم بشكل يومي وتقوم بحفر الكوسا والباذنجان وسواها من الخضار، وتسلّم المواد في وقت يحدده لها التجار والباعة الذين يتعاملون معها.

"أنا سعيدة بهذا العمل، خصوصاً أنه من المنزل. حيث أستطيع تأمين مورد رزق يساعد زوجي في المصاريف، وأبقى بجانب أطفالي"، تضيف آمال.

 

"سوق الدلع"

للسوق مسميات أخرى بحسب راما الصنوفي (45 عاما)، المقيمة في حي الشعلان. تقول: " "يُطلق عليه البعض سوق الدلع، لأن السيدات اللواتي يقصدنه مرفهات ومدللات".

وتبين لـ"ارفع صوتك"، أنه "كان في السابق مقصدا للمرأة العاملة، لأنه يسهل عليها الجمع بين دوام العمل ورعاية المنزل، أما الآن فلم يعد هذا السوق للمرأة العاملة، لأن دخلها متواضع، بل أصبح  للسيدات المخمليات، وهن زوجات كبار التجار والصناعيين، ووتجار الأزمات، فهن الآن مقتدرات وصاحبات دخل المرتفع، والأكثر ارتيادا لهذا السوق".

وتقول الخمسينية أم بشير، التي فضلت كتابة كنيتها فقط، إن أول اسم أطلق عليه كان "سوق الأجانب لأنه كان موقعاً لشركات أجنبية وكبرى الشركات المحلية".

وتستذكر أم بشير بداياتها مع سوق "التنابل": "كنت عروساً جديدة ولم أكن أعرف الطبخ، ومضطرة لدعوة المقربين، وإقامة بعض العزائم العائلية، فذهبت إليه، خاصة محل الحاج شويكي رحمه الله، كان لديه مطبخ خلفي، وكنت أشتري الأوزي والشيشبرك والمحاشي والحلويات المنزلية، وأقوم بتسخين وسكب الأطعمة وترتيبها على الطاولة وأتلقى الثناء، كون الضيوف يظنون أنه من تجهيزي، ولاحقا تعلمت الطبخ ولم أعد أقصد السوق إلا في المناسبات والولائم الكبيرة".

مواضيع ذات صلة:

تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة
تلعب جماعة حراس الدين دورا كبيرا في المعارك في إدلب والمناطق المحيطة

تضيف عملية قتل أبو عبد الرحمن المكي على يد "القيادة المركزية الأميركية" اسما جديدا على قائمة القادة الذين خسرهم تنظيم "حراس الدين" في سوريا، وبينما يعتبر ما وقع قبل يومين ليس بالجديد، تسلط الحادثة، بتوقيتها وحيثياتها، الضوء على حالة لها تفسيران، وفق ما يتحدث خبراء في شؤون الجماعات المتشددة لموقع "الحرة".

ويعتبر المكي من القادة البارزين في "حراس الدين"، وكان يشغل قبل مقتله منصب عضو مجلس شورى التنظيم، كما جاء في بيان القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، في 24 أغسطس الحالي.

وتم تنفيذ عملية قتله بضربة جوية أميركية استهدفته أثناء مروره على إحدى طرقات محافظة إدلب، بذات الطريقة التي أسفرت خلال السنوات الماضية عن مقتل عدد من قادة "حراس الدين"، وآخرهم المسؤولان العسكريان: "أبو حمزة اليمني"، و"أبو البراء التونسي".

ويوضح الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، حسن أبو هنية، أن مقتل "المكّي" يعطي مؤشرا على وجود خشية أميركية من "إعادة بناء تنظيم القاعدة في سوريا"، رغم أن تنظيم "حراس الدين" بات في أضعف حالاته.

وبدوره يقول الباحث السوري في شؤون الجماعات المتشددة، عرابي عرابي، إن التنظيم، وهو فرع "القاعدة" بسوريا، لم يعد لديه أي قوة أو حضور، بعد الإعلان عن تصفية "المكّي".

ويضيف عرابي لموقع "الحرة" أن "قادة الحراس المتبقين إما معتقلين في سجون هيئة تحرير الشام" أو متوارين عن الأنظار، كما حال القائد العام للتنظيم "فارق السوري"، الذي يعرف بأسماء عدة بينها "أبو همام الشامي"، وسامي العريدي، الرجل الثاني، الذي يشغل منصب الشرعي العام.

ما هو "حراس الدين"؟

تأسس تنظيم "حراس الدين"، في أواخر فبراير 2018، وقبل ذلك كانت فصيلا ضمن "هيئة تحرير الشام".

و"تحرير الشام" تهيمن عليها قوة مركزية كانت تعرف في السابق باسم "جبهة النصرة" التي كانت الجناح الرسمي لتنظيم القاعدة حتى عام 2016.

وبعد أن أعلن زعيمها، أبو محمد الجولاني فك ارتباطها عن القاعدة في يوليو 2016، انفصلت جماعة "حراس الدين" عنها.

وفيما بعد انضمت الجماعة لتشكيل سمي بـ"غرفة عمليات وحرض المؤمنين"، لكن الأمر لم يدم طويلا، إذ بدأت "تحرير الشام" سلسلة حملات أمنية واعتقالات بحق قادة وعناصر فيها، في تطورات قرأها باحثون على أنها تندرج في سياق "حب السيطرة والاستحواذ على النفوذ الكامل" في شمال غربي سوريا.

وكان "المكّي" من بين المعتقلين الذين احتجزتهم "تحرير الشام" في سجونها في 2020، وبعد دعوات عدة، أطلقها قادة متشددون، أفرجت عنه بشكل غير معلن في 2022.

ومنذ تلك الفترة لم يعرف عن تحركاته أي شيء كحال بقية أفراد "حراس الدين".

وبينما بقي اسمه في إطار تلك الحالة (الغياب عن المشهد)، عاد ليتردد في تقرير "القيادة المركزية الأميركية"، وعندما أعلن رسميا عن مقتله، قبل يومين.

ماذا بقي لـ"الحراس" في سوريا؟

لم تكن الضربات الأميركية المتواترة التي قضت على قادة بارزين في "حراس الدين" الوحيدة التي شكّلت عامل ضعف كبير بالنسبة للتنظيم ككل، بل كان في مقابلها حملة واسعة على الأرض قادتها "تحرير الشام" منذ عام 2020.

وتصنف الولايات المتحدة "تحرير الشام" منظمة إرهابية، وتنضم إليها دول كثيرة.

وكانت قد عرضت لأكثر من مرة مكافآت مالية لتقديم معلومات عن قائدها "أبو محمد الجولاني" وقائد "الحراس"، أبو همام الشامي.

وعلى مدى السنوات الماضية اعتقلت "تحرير الشام" عددا كبيرا من قادة "حراس الدين"، وذهبت بجزء من الحملة التي أطلقتها باتجاه مداهمة المواقع التي يتحصنون فيها مع الأفراد والخلايا النائمة.

ولا يزال الكثير من القادة في السجون، ومن أبرزهم كما ذكرهم الباحثون في حديثهم لموقع "الحرة"، "أبو بصير الديري"، وخلاد الجوفي، و"أبو مصعب التركي"، و"أبو عبد الله السوري"، وهو ابن أبو فراس السوري أحد أبرز رجالات "القاعدة".

ومن ناحية أخرى يشير الباحث السوري، عرابي عرابي إلى أن القائد العام "أبو همام الشامي"، والرجل الثاني وهو الشرعي "سامي العريدي" لا يعرف أين مكانهم في الوقت الحالي.

ويرجح عرابي أن يكونا قد خرجا من سوريا إلى وجهة محتملة مثل "اليمن أو الصومال أو أفغانستان".

وعدا عن ذلك، لا يعتقد الباحث السوري أن لـ"حراس الدين" حضورا كبيرا في الوقت الحالي بسوريا، ويوضح أن التنظيم "يفتقد للمجموعات المهيكلة التي يمكن أن تنفذ عمليات كبيرة على الأرض".

وفي حين لا يستبعد الباحث أن يكون هناك العديد من "الأفراد المتعاطفين" مع "حراس الدين" يؤكد أنه نشاطهم المرتبط "بأمر من قيادات معينة وبخطط واضحة"، يبدو أنه بات غير موجودا.

"ظل لما كان عليه"

وفي غضون ذلك يشرح الباحث أبو هنية أن "حراس الدين" شهد حالة من الإضعاف الكبير بعد الإعلان عن تشكيله في 2018، وارتبط ذلك بسببين، الأول هو الضربات الأميركية من الجو، والثاني هو الحملة التي بدأتها "تحرير الشام" ضده.

ويوضح أنه، وبعد مقتل "المكّي"، يتبين أنه لم يعد هناك أي هيكل تنظيمي واضح للتنظيم المرتبط بـ"القاعدة".

ومع ذلك، يقول أبو هنية في المقابل إن "حراس الدين" "لم ينكفئ وما زال موجودا على الأرض، وتثار المخاوف من استغلاله للظروف الحاصلة الآن من أجل إعادة البناء".

وتحمل العملية التي نفذتها القيادة المركزية الأميركية قبل يومين "دلالات ومؤشرات" عن وجود خشية، وقد لا تنفصل أهدافها عن التحركات واسعة النطاق التي رأيناها على صعيد تنظيم "القاعدة"، كما يضيف أبو هنية.

ويشير الباحث إلى أنه، وفيما يتعلق بالفرع السوري، يمكن القول إن "حراس الدين" لا يزال له قيادات "مثل أبو همام الشامي وسامي العريدي"، لكنهم "في حالة كمون وكالظل لما كانوا عليه سابقا".

ويزعم التنظيم (حراس الدين) أنه شن حوالي 200 هجوم منذ إنشائه. ووقعت هذه الهجمات في مجموعة متنوعة من المناطق الريفية والبلدات الصغيرة، بما فيها محافظة حلب وحماة وإدلب واللاذقية، وذلك بحسب بيان سابق أصدره قبل 3 أعوام.

وفي الحادي عشر من سبتمبر 2021 نشر تنظيم "القاعدة" كلمة لزعيمه السابق أيمن الظواهري تحدث خلالها عن تطورات كثيرة "سياسية وعسكرية"، كان اللافت بينها تلك الخاصة بسوريا.

وأشاد الظواهري، الذي خَلفه سيف العدل، بهجوم استهدف موقعا للقوات الروسية في منطقة تل السمن بريف الرقة، مطلع 2021، وأضاف حينها أن "إنهاك العدو واجب المرحلة"، متحدثا عن "عمليات استنزاف خلف الخطوط".

"فقد ثلاثة أرباع قوته"

ويعتقد الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، ماهر فرغلي، أن "حراس الدين" بات ينتهج استراتيجية تقوم على "الحفاظ على بقية القيادات".

لكنه يواجه حملة مضادة من الجو وعلى الأرض، مما أسفر عن مقتل العديد من قادته، آخرهم أبو عبد الرحمن المكي.

ويقول فرغلي لموقع "الحرة": "التنظيم في أضعف حالاته لكنه موجود ولديه إصدارات وبيانات وقنوات إعلامية ويحاول أن يظل موجودا، لكن بعيدا عن الصدام المباشر".

ويضيف أن التقديرات تذهب باتجاه أن "حراس الدين" فقد ثلاثة أرباع قوته بشكل تقريبي، لكنه ما زال موجودا ولم ينته تماما.

ومن جانبه يلفت الباحث أبو هنية إلى "وجود مخاوف دائمة من إعادة بناء القاعدة، لاسيما أن نشاط التنظيم بات أمنيا بامتياز".

ويوضح أنه ومع الظروف الحالية التي تعيشها المنطقة "قد يجد مساحة استغلال"، وهو ما ينطبق مع التحذيرات الأخيرة التي أعرب عنها مسؤولون أميركيون بشأن الحالة التي بات عليها تنظيم "داعش" في سوريا.

ويؤكد أبو هنية أن "حلم تنظيم القاعدة، منذ تأسيسه على يد بن لادن، كان يذهب باتجاه تأسيس فرع لبلاد الشام".

ويعتقد أن "سيف العدل الموجود في إيران لا يزال يرى أولوية في ذلك"، معتبرا أن "القاعدة لن تتخلى عن وجود حراس الدين وقد يكون هناك نوع من محاولة إحياء التنظيم في مثل هذه الظروف".