عقب قرار وزار الخارجية العرب في أكتوبر 2011، تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية، بدت دمشق في عزلة عربية خانقة، لاسيما أن العديد من الدول اختارت قطع العلاقات، أو تخفيض مستوى التمثيل الدبلوماسي.
شكلت الخطوة العربية -حينها- ضغطاً على النظام في دمشق، ومهدت الطريق لخطوات مماثلة من دول أجنبية، كما فتحت الباب لتقديم المعارضة بديلاً عن النظام، فاعترفت بعض الدول بالائتلاف السوري المعارض ممثلاً للشعب السوري، إضافة إلى فتح مكاتب له في العديد من العواصم العربية والأجنبية.
لكن مع طول أمد الصراع في سوريا، وتعذر الوصول إلى تسوية سياسية، والتقدم العسكري الذي أحرزه النظام على حساب فصائل المعارضة المسلحة، خفّ بشكل تدريجي موقف الدول العربية تجاه دمشق.
الخليج.. اتفاق على القطيعة وخلاف على العودة
في فيراير 2012، قرّرت دول مجلس التعاون الخليجي بشكل جماعي قطع العلاقات الدبلوماسية مع دمشق، فطلبت من سفراء "النظام السوري" مغادرة أراضيها بشكل فوري، وسحبت جميع سفرائها، تعبيراً عن رفضها لـ"المجزرة الجماعية ضد الشعب الأعزل"، حسب بيان صادر حينها.
الموقف الجماعي الذي ظل صامداً في السنوات الأولى، تراجع بشكل تدريجي، حين بدأت الدول تتواصل مع النظام بشكل فردي على مستويات منخفضه، وصولاً إلى إعادة العلاقات الدبلوماسية، وتبادل الزيارات على مستويات رفيعة.
في ديسمبر 2018، أعادت الإمارات العربية المتحدة، والبحرين، فتح سفارتيهما في دمشق، وتعيين قائمين بالأعمال على طريق رفع التمثيل الدبلوماسي مستقبلاً.
أما التطور الكبير على صعيد العلاقات فحدث في نوفمبر 2021، عندما زار وزير الخارجية الإماراتي، عبد الله بن زايد آل نهيان، دمشق، بشكل مفاجئ، والتقى رئيس النظام السوري بشار الأسد، الذي زار بدوره في مارس 2022، أبوظبي، في أول زيارة لدولة عربية منذ 2011.
#الأسد في #سلطنة_عمان #سوريا_نحنا_حدّك pic.twitter.com/MvPl50PYEc
— د. سماهر عبدو الخطيب Samaher Abdou Alkhatib (@KhatibSamaher) February 20, 2023
في أكتوبر 2020، عيّنت سلطة عُمان سفيراً لها في دمشق، لتكون بذلك أول دولة خليجية تعيد سفيرها منذ قرار مجلس التعاون الخليجي، ما رافقه تأكيد على أن العلاقات بين البلدين لم تنقطع، وكانت عُمان الدولة العربية الثاني التي يزورها الأسد، وذلك في فبراير الماضي.
في 12 أبريل الجاري، استأنفت السعودية علاقاتها مع دمشق، بزيارة من وزير الخارجية السوري، فيصل المقداد، تلاها زيارة وزير الخارجية السعودية فيصل بن فرحان، إلى دمشق، في أرفع تبادل للزيارات بين البلدين منذ 2011.
وسبق أن زار وزير السياحة السوري السعودية في مايو 2021، كأول زيارة لمسؤول سوري منذ القطيعة.
انتهت عزلة بشار الأسد عربياً بزيارة وزير الخارجية السعودي. تصريحات الأسد إيجابية مبتهجة بالعودة. بدأت السعودية في فتح خط اتصال مع دمشق منذ ٢٠١٥، ثم مرة أخرى ٢٠١٨. لكن الرغبة الإيرانية في الهيمنة حالت دون توافق. اليوم تنتهي العزلة وتعود سوريا لجامعة الدول العربية. للحديث بقية. pic.twitter.com/63LHBwFgZv
— عضوان الأحمري (@Adhwan) April 18, 2023
أما قطر، التي سحبت سفيرها بعد قرار مجلس التعاون الخليجي، فتُواصل التمسك بقطع العلاقات وتستضيف مكتباً للائتلاف السوري المعارض على أراضيها، وكذلك الكويت، التي تربط عودة سفيرها إلى دمشق بقرار صادر من الجامعة العربية ينهي تعليق عضوية سوريا، غير أنها سمحت عام 2014، بافتتاح قنصلية سورية لرعاية مصالح المقيمين.
مصر.. تصعيد عابر
رغم إعلان الرئيس المصري الراحل، محمد مرسي، في 15 يونيو 2013، قطع جميع العلاقات الدبلوماسية مع النظام السوري، وإغلاق السفارة السورية في القاهرة، وغلق المجال الجوي أمام الطيران السوري، إلا أن مصر أبقت خلال سنوات الصراع على سفارتها في دمشق، مخفضّة من مستوى التمثيل الدبلوماسي.
ولم تصدر عن مصر، بخلاف تصريحات مرسي، مواقف عدائية واضحة تجاه النظام السوري، مع الاستمرار بالدعوة إلى حل سياسي ينهي الأزمة، دون تبادل معلن للزيارات.
وأخذت العلاقة منحى جديداً في سبتمبر 2021، عندما التقى وزير الخارجية المصري سامح شكري، بنظير السوري فيصل المقداد، على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، كما شكل الزلزال الذي ضرب تركيا وسوريا مطلع فبراير الماضي، مناسبة لأول اتصال بين الرئيس المصري والسوري.
الأردن.. علاقات وتوتر
حافظ الأردن على علاقاته الدبلوماسية مع النظام السوري طوال سنوات الصراع، لكن العلاقة بين البلدين شهدت العديد من محطات التوتر، أبرزها توجيه رئيس النظام السوري بشار الأسد في العام 2015، اتهامات للأردن بالتأمر على سوريا.
وادرجت وزارتا الخزانة والخارجية الأميركيتان على قائمتهما السوداء 19 فردا وكيانا أبرزهم شركتا الصناعة النفطية "ارفدا بتروليوم برايفت جوينت ستوك كومباني" و"ساليزار شيبينغ" اللتان مقرهما في لبنان وسوريا إضافة إلى المسؤولين
قبل ذلك بعام، قام الأردن بطرد السفير السوري من عمّان بسبب مخالفته للأعراف الدبلوماسية، وهي الخطوة التي ردت عليها دمشق بالمثل، لكن العلاقات شهدت تطوراً ملحوظاً توّج في أكتوبر 2021، باتصال هاتقي بين الأسد والملك الأردني عبدالله الثاني، تكرر بعد الزلزال، وتبعته زيارة وزير الخارجية الأردني إلى دمشق.
تونس.. عودة تدريجية
في فبراير 2012، أعلنت تونس قطع علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق، رغم بعض الأصوات التونسية التي بقيت تعارض القرار، وتسيّر رحلات إلى دمشق للتعبير عن تأييد النظام.
لكن المقاطعة استمرت حتى قرر الرئيس التونسي الراحل، الباجي قائد السبسي، في يوليو 2014، افتتاح مكتب قنصلي في دمشق.
وفي أبريل الجاري، جاء قرار الرئيس قيس سعيد بتعيين سفير في دمشق.
علاقات لم تتأثر
لم تتوقف بعض الدول العربية عند الاحتفاظ بالعلاقات الدبلوماسية مع سوريا، بل قاومت قرار تعلّيق عضويتها في الجامعة العربية.
العراق مثلا، امتنع عن التصويت على قرار تعليق عضوية سوريا، وحافظ خلال سنوات الصراع على سفارته في دمشق. كذلك الجزائر التي واصلت علاقاتها الدبلوماسية مع دمشق ودعت في أكثر من مناسبة إلى ضرورة عودة سوريا إلى الجامعة العربية.
وحاول لبنان الذي حافظ على العلاقة مع دمشق النأي بالنفس عن تبعات الصراع وتداعياته خاصة بعد مشاركة أطراف لبنانية في القتال السوري، أما السلطة الوطنية الفلسطينية فأبقت على علاقاتها مع النظام السوري رغم القطيعة التي وقعت بين بعض الفصائل الفلسطينية ودمشق.
