"لا يمكن أن يُفسر سبب بقاء السوري على قيد الحياة إلا الحوالات المالية التي تصل البلاد مطلع كل شهر"، هذه العبارة يرددها بعض من حاورهم موقع "ارفع صوتك"، ولا تنفيها حتى وسائل الإعلام المحسوبة على النظام السوري، إذ قدّرت صحيفة "الوطن" الموالية، أن ثلث سكان مدينة حلب يحصلون على حوالات مالية، حوالي ثلث عدد سكان المدينة.
كما رجحت وسائل إعلامية سورية أخرى، أنه من مجمل سكان سوريا، يعتمد ما نسبته 70% على الحوالات، علماً بأنه من الصعب تحديد النسبة بدقة، نظراً لكون وصول الكثير من الحوالات عن طريق شركات صرافة غير مرخصة (السوق السوداء).
أما المعبر الرئيس لهذه الحوالات، فهو المصرف المركزي، الذي أصدر قبل أسابيع قليلة نشرة أسعار جديدة رفع بموجبها سعر صرف دولار الحوالات إلى 7200 ليرة مقابل الدولار الواحد، وسعر صرف اليورو بـ 7750 ليرة سورية.
يؤكد صرّاف سوري رفض الكشف عن اسمه، أن "الحوالات تزيد في شهر رمضان من كل عام بسبب زكاة الفطر، التي يفضل السوري دفعها لذويه في الداخل لاعتبارات اجتماعية وللأزمة العميقة التي تعيشها البلاد".
وأوردت صحيفة "الوطن"، إن الحوالات الخارجية الواردة إلى الأسواق مؤخراً "أنعشت الحركة مع اقتراب عيد الفطر بعد فترة ركود من جراء ارتفاع الأسعار ونسب التضخم وتراجع القدرة الشرائية لأغلبية السكان".
اعتماد أساسي على الحوالة
تخرج محمد غانم من الجامعة، ويعيش مع زوجتيه وطفلين إضافة لأمه وأبيه، ورغم عمله في محل للمواد الغذائية في مدينة حلب، إلا أن شقيقه المغترب هو المعيل الأساسي لهم جميعاً.
يقول لـ"ارفع صوتك": "متوسط الكفاف لأي عائلة في سوريا يجب ألا يقل عن 300 دولار أميركي، لكن راتب الموظف أو العامل لا يتجاوز 200 ألف ليرة أي ما يعادل 30 دولارا. لذلك لا يوجد أحد يعيش من دون حوالات، إلا المتسولين والمشردين، أو أثرياء الأزمة".
ومطلع كل شهر، تتسلم عائلة أبو سليم في دمشق حوالة بقيمة 100 دولار (750 ألف ليرة سورية)، من ابنها المقيم في الخارج. وتعتمد العائلة المكونة من أربعة أفراد، على راتب تقاعدي لا يتجاوز 80 ألف ليرة.
أفراد العائلة تحفّظوا على ذكر أسمائهم. تقول امرأة منهم، إن الحوالة يمكنها تأمين احتياجات بسيطة جداً لكن غيابها يعني الدخول في مأزق أقرب للموت أو التسوّل، رغم أن منزلهم مُلك.
بالنسبة للمغتربين، نلتقي مع أحمد رشاد (35 عاما)، الذي يعمل خياطاً في ورشة بمدينة إسطنبول التركية، الذي يؤكد التزامه بإرسال 50 دولار شهرياً لعائلته في سوريا.
يقول أحمد "أرسل دائماً حتى لو امتنعت وعائلتي هنا عن الأكل"، رغم أن راتبه الشهري لا يتجاوز 400 دولار، وهو أقل من أن يكفي أسرة للعيش وسط غلاء إسطنبول.
في نفس السياق، يقول الصحافي والخبير الاقتصادي الاستقصائي مختار الإبراهيم، لـ"ارفع صوتك": "من الصعب إعطاء رقم دقيق لحجم الحوالات المالية التي تصل سوريا، لكن الرقم التقديري شهريا يصل 450 مليون دولار أميركي، في حال كانت تراوحت قيمتها بين 100 و200 دولار لكل عائلة شهريا، ومقارنة بعدد المواطنين المتبقين داخل سوريا الذي يقدر بنحو 15 مليون نسمة".
"وهذا يضاف إلى أن نسبة الذين يحتاجون المساعدات وهم تحت خط الفقر 90%، بحسب الأمم المتحدة، ما يعني أن سكان البلد يعتمدون بشكل أساسي على الحوالات الخارجية"، يضيف الإبراهيم.
ويتابع: "لا يمكن تخيل الكارثة التي ستحل بالسوريين في حال توقفت الحوالات الخارجية، لأن كيلو البن مثلا في سوريا يعادل سعره 50 ألف ليرة سورية وهو ثلث راتب الموظف، ويجب القياس على أن الوضع في سوريا حاليا كارثي مع وجود الحوالات فكيف إذا توقفت؟!".
وتعيش سوريا أزمات اقتصادية حادة ومتتالية مع استمرار انهيار قيمة الليرة السورية، والنقص في مشتقات النفط وعدم قدرة الحكومة على توفير الكهرباء إلا لساعات قليلة، ورغم صعوبات الحياة في مناطق المعارضة شمالي غربي سوريا وارتفاع نسب الفقر والبطالة، إلا أن المواطنين في تلك المناطق يتلقون خدمات أفضل نسبيا، باستثناء الوضع الأمني الهش في بعض المناطق التي تشهد قصفا واشتباكات متكررة.
