صورة تعبيرية لفطر الكمأة
صورة تعبيرية لفطر الكمأة

مع بداية الربيع، يبدأ الكثير من السوريين المقيمين شرقاً، بالبحث عن الكمأة، وهو أحد أنواع الفطر، يشبه البطاطا شكلاً، وينمو عادة في المناطق المفتوحة، مثل البادية السورية والمحافظات الشرقية.

ويصل وزن الحبة الواحدة من الكمأة 300 غرام، ويرتبط ظهورها من باطن الأرض بالأمطار والصواعق والعواصف الرعدية.

ويخرج الباحثون عنها بأعداد كبيرة على شكل فرق، تتألف الواحدة من 30و50 شخصاً، لكنها دائماً، رحلة محفوفة بالموت؛ فبعض مناطها مزروعة بالألغام، وخاصة التي تستقر فيها فلول تنظيم داعش الإرهابي.

عمليات جمع الكمأة تتم في البادية السورية - صورة تعبيرية. أرشيف
جمع "الكمأة" في سوريا.. "رهان على الروح" داخل الثقب الأسود لداعش
داخل منطقة البادية السورية مترامية الأطراف أو كما تعرف بـ"الثقب الأسود لتنظيم داعش" فَقد مئات المدنيين أرواحهم هناك بين شهري فبراير وأبريل الماضيين في أثناء بحثهم عن "فطر الكمأة"، وعلى الرغم من تسجيل العديد من هذه الحوادث من جانب جهات حقوقية، إلا أن كثير من الناس الفقراء ما يزالون يسلكون هذه المغامرة حتى الآن، مع علمهم بأنها قد تنتهي بالموت.

وفاقمت الأزمة الاقتصادية السورية في أعداد جامعي الكمأة، لذلك يخاطر الكثيرون بأرواحهم لجمعها، خصوصاً أن بيعها مربح، فهي متوفرة مجاناً في الأراضي الصحراوية، ويعمل على جمعها نساء ورجال وأطفال مع عائلاتهم.

يقول ماجد المحسن من ريف دير الزور، لـ"ارفع صوتك"، إنه يخاطر وعائلته سنوياً في جمع الكمأة. ورغم فقدانه عدداً من أقربائه عام 2022 خلال جمعها، إلا أنه "مضطر للاستمرار كي توفر له مردوداً يكفيه لعدة أشهر خلال العام".

ويوضح: "نحن في سوريا نقول عنها أنها أهم من اللحوم، لكثرة فوائدها، كما أن سعرها أعلى من سعر اللحم، لذلك يعتبرها البعض منتجاً مهماً جدا، وهناك من يطلق عليها اسم الذهب الأصفر".

"وأصبحت مهنة موسمية أعمل بها في كل عام، لكنها مغمّسة بالدم، فقد فقدت العام الماضي اثنين من أولاد أعمامي بانفجار لغم أرضي بهما، وفقد طفلهم قدمه نتيجة انفجار لغم آخر، ولكن الدخل المرتفع الذي تؤمنه لي ولعائلتي وللعديد من الناس خلال أول أربع أشهر من العام، يضطرنا للبحث عنها، على الرغم من مخاطرها"، يتابع ماجد.

ويرسل بضاعته لعدد من المدن السورية، ويجني من خلالها أرباحاً كبيرة بحسب جودة الثمار وحجمها. يقول: "هناك أنواع من الكمأة لونها أسود، وهي الأغلى ثمنا، ونادرا ما نستطيع الوصول إليها، إلا أن ثمن الكيلو الواحد يمكن أن يصل لـ 22 دولارا، وفي حال وجدناها سنجني أرباحاً وفيرة، أما الأنواع الأخرى فيتراوح ثمن الكيلو بين 5 و15 دولارا للكيلو الواحد، بحسب حجمها ولونها وجودتها".

في مخيم الركبان أيضاً

رئيس المجلس المحلي لمخيم الركبان، درباس الخالدي، يؤكد لـ"ارفع صوتك"، أن "أعداداً كبيرة من قاطني المخيم تذهب خارج المخيم كل عام للبحث عن الكمأة، نتيجة توافرها بشكل كبير في المناطق المحيطة عند الحدود السورية الأردنية.                                                                                                                                                    

ويستدرك القول: "عملية البحث هذه محفوفة بالمخاطر، ولها تكاليف أخرى تترتب عليها في الخروج من المخيم بالسيارات وصرف الوقود بغية الوصول لها".

"تخيل أن الكمأة التي بحجم بيضة الدجاجة سعرها بسعر ليتر المازوت، أما الكمأة الأكبر سعرها بسعر ليتر البنزين، وهذه مشكلة فمعظم الناس تضع ما تخرجه في البنزين، وما يزيد يكفي لمصروفه اليومي كعائلة"، يتابع الخالدي.

ويرى أن المشكلة التي تواجه الناس هي التسويق وتصريف المنتج ومصاريف السيارات، مبيناً "الوقود سعره مرتفع جدا، ولا يوجد سوق جيد للتصريف فنحن مقيمون في مخيم، وعندما نرغب بالتصدير لمناطق النظام يقوم التجار باستغلالنا بالأسعار. هناك تكلفة كبيرة إذا أراد التاجر إرسالها لمناطق النظام، وفي حين نحن نبيع الكيلو للتاجر بدولارين، يبيعه التاجر بأسعار مضاعفة في السوق".

ويقول "أما القاطنون في مناطق أخرى فيها سوق جيد، يستطيعون بيعها بحسب نوعها لأسعار قد تصل أحيانا لـ 15 دولار للكيلو الواحد، وفي حال التصدير لخارج سوريا يرتفع السعر أكثر".

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية
صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية

بعد أكثر من تسع سنوات على خروج محافظة إدلب من سيطرة النظام السوري، لا تزال المنطقة الواقعة شمال غرب البلاد، تكافح للحصول على نوع من الاستقرار، في ظل هدوء جبهات المعارك الرئيسة منذ شتاء عام 2020.

ولا تحوي إدلب -كما في مناطق الشرق السوري- ثروات طبيعية تؤهّلها لحالة اكتفاء اقتصادي ذاتي، لذا تُعد تركيا المنفذ الاقتصادي الوحيد، مع اعتماد السكان بشكل واسع على المساعدات الإغاثية القادمة من وراء الحدود.

وتطبّق "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر كلياً على محافظة إدلب، ما يسمّيها السكان "سياسة احتكار اقتصادية"، بحيث تسيطر على واردات المعابر الداخلية، وتتحكّم بمعبر "باب الهوى" الحدودي مع تركيا.

وبرزت خلال العامين الماضيين مظاهر ترف وبذخ في محافظة يعيش نحو مليون شخص فيها داخل مخيمات النزوح، في ظل فقر مُدقع وأوضاع إنسانية صعبة.

فجوة طبقية

يلاحظ المتجوّل اليوم في مدينة إدلب وريفها انتشار "المولات" التجارية الفخمة، ومتاجر تظهر مقاطع الفيديو أنها تضاهي مثيلاتِها في تركيا المجاورة، حتى أن مجموعة من التجار افتتحوا في مطلع 2024 سوقاً خاصاً ببيع الذهب والمجوهرات.

على الضفة المقابلة في إدلب نفسها تظهر تناقضات الحرب بشكل صارخ، حيث تنتشر المخيمات على طول امتداد الحدود السورية مع تركيا، ورغم محاولات إنشاء مجمعات سكنية خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، إلا أن مئات الآلاف لا يزالون يعيشون في خيام لا تقيهم حرّ الصيف أو برد الشتاء، ويتعمدون في معيشتهم كلياً على جهود المنظمات المحلية والدولية.

لا يتعلّق الأمر بسوء الحال لدى سكان المخيمات فقط، كما يقول الناشط الإعلامي غياث السيد، إذ "يعاني غالبية السكان في مدينة إدلب وريفها من ارتفاع باهظ في تكاليف المعيشة، بينما لا تصل الأجرة الشهرية للعامل في أحسن الأحوال إلى 100 دولار شهرياً".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن "المولات الفاخرة والمتاجر والمتنزّهات الخاصة، لا تعكس بطبيعة الحال الأوضاع الحقيقية في إدلب، التي يعيش أكثر من 90% من سكانها تحت خط الفقر".

ويعتقد السيد أن مظاهر التفاوت الطبقي "طبيعية وواقعية في ظروف الحرب المتواصلة منذ 13 سنة، غير أنها تَظهر في إدلب بشكل صارخ"، على حدّ تعبيره.

يتابع: "التفاوت المعيشي موجود في مناطق النظام السوري أيضاً، غير أن إدلب باتت تحوي رجال أعمال يتحدثون بملايين الدولارات، وينشئون مشاريع كبيرة جداً، بينما غالبيّة الناس يفكّرون فقط بتأمين الوجبة التالية من الطعام".

ظاهرة "طارئة"

يقول أكرم سرميني  (46 عاماً) من سكان مدينة إدلب، إن ظاهرة التفاوت المعيشي الواسع في إدلب "طارئة"، خصوصاً أن معظم السكّان يعيشون "بمستوى اقتصادي متقارب، حتى منذ ما قبل الحرب".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن بعض المؤثّرين في وسائل التواصل "يحاولون تصوير إدلب للعالم الخارجي على أنها باتت مُكتفية اقتصادياً، مع إظهار مشاهد الترف والبذخ في بعض المقاهي والمطاعم والمتاجر الفاخرة، لكن الواقع مختلف".

ويوضح سرميني، الذي يعمل مدرّساً، أن هذه المنشآت "تجتذب زبائن لا تنطبق عليهم أوضاع أهالي مدينة إدلب"، مردفاً "بعض هؤلاء الميسورين يعملون في المنظمات ذات الرواتب المرتفعة، أو يرتبطون بسلطات الأمر الواقع صاحبة الكتلة المالية الأكبر، وقليل منهم يعتمدون على الحوالات الخارجية، عدا عن أن جزءاً منهم  أثرياء أصلاً".

من جهته، يقول الصحافي أحمد المحمّد، إن هناك "سوراً كبيراً ومرتفعاً في إدلب بين طبقة مسحوقة بالكاد تؤمّن قوت يومها، وطبقة أخرى تعيش كأنها في بلد مستقرّ وغنيّ".

ولا يتعدى الأمر سوى كونه "أحد انعكاسات الحرب الاقتصادية" في سوريا، وفق وصف المحمد.

يبيّن لـ"ارفع صوتك": "نظرة سريعة في العاصمة دمشق على سبيل المثال، تُظهر تفاوتاً طبقياً كبيراً بين فئة تصل وارداتها الشهرية عشرات الملايين من الليرات السورية، بينما غالبية العوائل تجاوزت خطوط الفقر، وباتت تعيش تحت خط الحياة".

ويعتبر أن الوضع في إدلب "لا يزال رغم كل شيء أفضل من الأحوال الاقتصادية في مناطق النظام السوري، بحكم أنها (إدلب) لا تزال مفتوحة على المساعدات" متهماً النظام السوري بـ"سرقة المساعدات التي تصل إليه".

المشاريع "فرص عمل"

في السياق نفسه، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن إدلب "لا تزال بعيدة عن الاستقرار الأمني بمعناه العام، إلا أنّ الاستثمارات الضخمة فيها لم تتعرض لمشاكل أمنية أو تأثرت بالقوانين المحلية المعمول بها".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "هذه الاستثمارات لا تعكس فقط مظاهر الترف، إنما تنعكس بالإفادة على المجتمع المحلي، وتؤمّن فرص عمل مهما كانت محدودة، فهي مهمة بسبب وجود نسبة بطالة مرتفعة، الأمر الذي يساعد على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية للمنطقة".

ويرى المغربل أن سبب التفاوت المعيشي والطبقي في إدلب، يعود إلى كون هذه الظاهرة "تنشط أكثر وتتضح في الظروف الخاصة مثل ظرف الحرب".

"ومع وجود الفقر المدقع الذي يعاني منه أغلب السكان بالتزامن مع انخفاض الدعم المقدم للمنطقة تتوضح هذه الظاهرة بشكل أكبر، ويُسلّط عليها الضوء من قبل الفئة الأكثر عدداً والأصعب وضعاً"، يكمل المغربل.