في عام 2017، وصل الشاب السوري ماهر إلى العاصمة السودانية الخرطوم، هارباً من الصراع الذي تعيشه بلاده، ليجد نفسه بعد ست سنوات عالقاً وسط صراع جديد، ورحلة جديدة للنجاة.
يقول لـ"ارفع صوتك" أثناء محاولته الانتقال من ولاية الجزيرة (جنوب الخرطوم) إلى مدينة بورتسودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر شمال شرق السودان "هذا قدرنا، نهرب من الحرب إلى الحرب".
يرافق ماهر في الرحلة التي تستغرق 17 ساعة بالحافلة، خمسة سوريين يأملون في العثور على مكان آمن يجنبهم المعارك الدائرة بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو، وأدت إلى مقتل المئات من السودانيين وإصابة الآلاف.
نيران المعارك طالت السوريين أيضاً، حيث تشير تقارير غير رسمية إلى مقتل 11 سورياً نتيجة للصراع الذي دخل أسبوع الثاني، علاوة على المفقودين الذين يجري الإعلان عنهم عبر مجموعات السوريين المقيمين في السودان على مواقع التواصل الاجتماعي.
ماهر كان شاهداً على حادثة مقتل سوري نتيجة سقطوط قذيفة على محل كان يعمل فيه بشارع الستين بالخرطوم، يخبرنا: " المحل يملكه لاجئ سوري، ويعمل فيه شاب سوري وآخر سوداني، في اليوم الثالث للمعارك تعرض المحل لسقوط قذيفة، شاهدته مدمراً، وعندما اتصلت بصاحب المحل عَرفت أن العاملين السوري والسوداني قد قتلا".
بعد الحادثة غادر ماهر شارع الستين باتجاه ولاية الجزيرة، حيث أصبح الشارع منطقة اشتباكات بين المتصارعين، يقول "كنّا نسمع أصوات الطائرات، والانفجارات، ونشاهد سيارات الدعم السريع"، قبل مغادرته.
90 ألف لاجئ سوري في السودان جلهم من المعارضة السورية ولا يملكون جوازات سفر، فروا للسودان منذ 2011م عقب مذابح النظام، اليوم لا يدرون أين يذهبون، الكل تركهم.
— عبدالرحمن الحضرمي (@hadramuot55) April 26, 2023
ماهر الذي يسعى للوصول إلى مدينة بورتسودان، واحد من نحو 90 ألف لاجئ سوري في السودان، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة لعام 2021.
ويقول المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن "المصير المجهول يلاحق السوريين، وسط تقاعس النظام السوري عن التدخل لنقلهم".
لماذا بورتسودان؟
أصبحت مدينة بورتسودان منطقة عمليات لإجلاء الدول رعاياها من السودان. بهذه المناسبة نشر أحد العاملين في السفارة السورية في الخرطوم - من حسابه الخاص- إعلاناً على مجموعة خاصة بالجالية السورية في السودان عن تواجد كادر السفارة في المدينة لـ" تنسيق عمليات إجلاء أبناء الجالية والإشراف عليها".
وجاء الإعلان بعد أيام من بيان صادر عن وزارة الخارجية والمغتربين التابعة لحكومة النظام السوري يوجه فيه السفارة إلى "تسجيل أسماء الجالية السورية الراغبين بالإجلاء وفق الإمكانيات المتاحة، في إطار الحفاظ على حياة السوريين بعيداً عن الأخطار المحتملة".
ورغم أن الإعلان أثار موجة من السخرية بين المعلقين، إلا أن العديد من السوريين باشروا الانتقال إلى بورتسودان، يوضح ماهر: "العديد من أبناء الجالية ليس لديهم أرواق رسمية، بعضهم فقد وثائقه، وهناك من كانت جوازات سفرهم موجودة في دائرة الأجانب عندما بدأت المعارك ولا يستطيعون استرجاعها، وآخرون كانت جوازتهم في السفارة السورية لأغراض التجديد، هؤلاء يحتاجون للحصول على أرواق وإثباتات".
الإجلاء إلى أين؟
إلى جانب تواجد كادر السفارة السوري في بورتسودان، ينظر السوريون إلى المدينة على أنها جسر يسهل مغادرة السودان.
وفيما لا يمانع بعض اللاجئين إعادتهم إلى سوريا، يرفض ماهر ومن يرافقه مجرد التفكير بالعودة إلى هناك، يؤكد" أفضل البقاء في السودان على العودة إلى سوريا، لقد هربنا من النظام ولا يمكننا العودة إليه مجدداً".
ويعلّق المرصد السوري على إعلان النظام إجلاء السوريين من السودان، بالقول: " النظام السوري قتل شعبه داخل وطنهم فكيف يحميهم خارج أسواره"، مشيراً إلى أن الطلبات الأمنية التي تلاحق السوريين من قبل النظام تجعلهم لا يفكرون في العودة.
بدوره، حثّ الائتلاف السوري المعارض كلّا من السعودية ومصر على المساعدة في إجلاء العائلات السورية من السودان، إلى أماكن آمنة.
وقال في رسالتين منفصلتين إلى وزير خارجية المملكة العربية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود، ووزير خارجية جمهورية مصر العربية، سامح شكري، إن "الاقتتال الداخلي الحاصل في السودان وانعكاساته على الأوضاع الأمنية والإنسانية، تسببت بمحاصرة العديد من العوائل السورية هناك، وباتوا تحت خطر النيران الطائشة".
