تتحدث تقارير غير رسمية عن مقتل 11 سورياً في معارك السودان.
تتحدث تقارير غير رسمية عن مقتل 11 سورياً في معارك السودان-

في عام 2017، وصل الشاب السوري ماهر إلى العاصمة السودانية الخرطوم، هارباً من الصراع الذي تعيشه بلاده، ليجد نفسه بعد ست سنوات عالقاً وسط صراع جديد، ورحلة جديدة للنجاة.

يقول لـ"ارفع صوتك" أثناء محاولته الانتقال من ولاية الجزيرة (جنوب الخرطوم) إلى مدينة بورتسودان على الساحل الغربي للبحر الأحمر شمال شرق السودان "هذا قدرنا، نهرب من الحرب إلى الحرب".

People gather at the station to flee from Khartoum
مئات القتلى وعمليات نهب وعنف جنسي.. ماذا يحدث في السودان؟
استيقظ السودانيون صباح السبت 15 أبريل 2023، على أصوات معارك بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو، لتغرق البلاد التي تعاني أزمات مركبة أساساً، في موجة جديدة من العنف، وسط مخاوف أن تؤدي لتعطل جهود الانتقال إلى حكم مدني.

يرافق ماهر في الرحلة التي تستغرق 17 ساعة بالحافلة، خمسة سوريين يأملون في العثور على مكان آمن يجنبهم المعارك الدائرة بين قوات الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع التي يقودها محمد حمدان دقلو، وأدت إلى مقتل المئات من السودانيين وإصابة الآلاف.

نيران المعارك طالت السوريين أيضاً، حيث تشير تقارير غير رسمية إلى مقتل 11 سورياً نتيجة للصراع الذي دخل أسبوع الثاني، علاوة على المفقودين الذين يجري الإعلان عنهم عبر مجموعات السوريين المقيمين في السودان على مواقع التواصل الاجتماعي.

ماهر كان شاهداً على حادثة مقتل سوري نتيجة سقطوط قذيفة على محل كان يعمل فيه بشارع الستين بالخرطوم، يخبرنا: " المحل يملكه لاجئ سوري، ويعمل فيه شاب سوري وآخر سوداني، في اليوم الثالث للمعارك تعرض المحل لسقوط قذيفة، شاهدته مدمراً، وعندما اتصلت بصاحب المحل عَرفت أن العاملين السوري والسوداني قد قتلا".

بعد الحادثة غادر ماهر شارع الستين باتجاه ولاية الجزيرة، حيث أصبح الشارع منطقة اشتباكات بين المتصارعين، يقول "كنّا نسمع أصوات الطائرات، والانفجارات، ونشاهد سيارات الدعم السريع"، قبل مغادرته.

ماهر الذي يسعى للوصول إلى مدينة بورتسودان، واحد من نحو 90 ألف لاجئ سوري في السودان، وفقاً لأرقام الأمم المتحدة لعام 2021.

ويقول المرصد السوري لحقوق الإنسان، إن "المصير المجهول يلاحق السوريين، وسط تقاعس النظام السوري عن التدخل لنقلهم".

 

لماذا بورتسودان؟

أصبحت مدينة بورتسودان منطقة عمليات لإجلاء الدول رعاياها من السودان. بهذه المناسبة نشر أحد العاملين في السفارة السورية في الخرطوم - من حسابه الخاص- إعلاناً على مجموعة خاصة بالجالية السورية في السودان عن تواجد كادر السفارة في المدينة لـ" تنسيق عمليات إجلاء أبناء الجالية والإشراف عليها".

وجاء الإعلان بعد أيام من بيان صادر عن وزارة الخارجية والمغتربين التابعة لحكومة النظام السوري يوجه فيه السفارة إلى "تسجيل أسماء الجالية السورية الراغبين بالإجلاء وفق الإمكانيات المتاحة، في إطار الحفاظ على حياة السوريين بعيداً عن الأخطار المحتملة".

ورغم أن الإعلان أثار موجة من السخرية بين المعلقين، إلا أن العديد من السوريين باشروا الانتقال إلى بورتسودان، يوضح ماهر: "العديد من أبناء الجالية ليس لديهم أرواق رسمية، بعضهم فقد وثائقه، وهناك من كانت جوازات سفرهم موجودة في دائرة الأجانب عندما بدأت المعارك ولا يستطيعون استرجاعها، وآخرون كانت جوازتهم في السفارة السورية لأغراض التجديد، هؤلاء يحتاجون للحصول على أرواق وإثباتات".

 

الإجلاء إلى أين؟

إلى جانب تواجد كادر السفارة السوري في بورتسودان، ينظر السوريون إلى المدينة على أنها جسر يسهل مغادرة السودان.

وفيما لا يمانع بعض اللاجئين إعادتهم إلى سوريا، يرفض ماهر ومن يرافقه مجرد التفكير بالعودة إلى هناك، يؤكد" أفضل البقاء في السودان على العودة إلى سوريا، لقد هربنا من النظام ولا يمكننا العودة إليه مجدداً".

ويعلّق المرصد السوري على إعلان النظام إجلاء السوريين من السودان، بالقول: " النظام السوري قتل شعبه داخل وطنهم فكيف يحميهم خارج أسواره"، مشيراً إلى أن الطلبات الأمنية التي تلاحق السوريين من قبل النظام تجعلهم لا يفكرون في العودة.

بدوره، حثّ الائتلاف السوري المعارض كلّا من السعودية ومصر على المساعدة في إجلاء العائلات السورية من السودان،  إلى أماكن آمنة.

وقال في رسالتين منفصلتين إلى وزير خارجية المملكة العربية السعودية، الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله آل سعود، ووزير خارجية جمهورية مصر العربية، سامح شكري، إن "الاقتتال الداخلي الحاصل في السودان وانعكاساته على الأوضاع الأمنية والإنسانية، تسببت بمحاصرة العديد من العوائل السورية هناك، وباتوا تحت خطر النيران الطائشة".

مواضيع ذات صلة:

صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية
صورة أرشيفية من أحد أسواق إدلب- تعبيرية

بعد أكثر من تسع سنوات على خروج محافظة إدلب من سيطرة النظام السوري، لا تزال المنطقة الواقعة شمال غرب البلاد، تكافح للحصول على نوع من الاستقرار، في ظل هدوء جبهات المعارك الرئيسة منذ شتاء عام 2020.

ولا تحوي إدلب -كما في مناطق الشرق السوري- ثروات طبيعية تؤهّلها لحالة اكتفاء اقتصادي ذاتي، لذا تُعد تركيا المنفذ الاقتصادي الوحيد، مع اعتماد السكان بشكل واسع على المساعدات الإغاثية القادمة من وراء الحدود.

وتطبّق "هيئة تحرير الشام" التي تسيطر كلياً على محافظة إدلب، ما يسمّيها السكان "سياسة احتكار اقتصادية"، بحيث تسيطر على واردات المعابر الداخلية، وتتحكّم بمعبر "باب الهوى" الحدودي مع تركيا.

وبرزت خلال العامين الماضيين مظاهر ترف وبذخ في محافظة يعيش نحو مليون شخص فيها داخل مخيمات النزوح، في ظل فقر مُدقع وأوضاع إنسانية صعبة.

فجوة طبقية

يلاحظ المتجوّل اليوم في مدينة إدلب وريفها انتشار "المولات" التجارية الفخمة، ومتاجر تظهر مقاطع الفيديو أنها تضاهي مثيلاتِها في تركيا المجاورة، حتى أن مجموعة من التجار افتتحوا في مطلع 2024 سوقاً خاصاً ببيع الذهب والمجوهرات.

على الضفة المقابلة في إدلب نفسها تظهر تناقضات الحرب بشكل صارخ، حيث تنتشر المخيمات على طول امتداد الحدود السورية مع تركيا، ورغم محاولات إنشاء مجمعات سكنية خلال السنوات الثلاثة الأخيرة، إلا أن مئات الآلاف لا يزالون يعيشون في خيام لا تقيهم حرّ الصيف أو برد الشتاء، ويتعمدون في معيشتهم كلياً على جهود المنظمات المحلية والدولية.

لا يتعلّق الأمر بسوء الحال لدى سكان المخيمات فقط، كما يقول الناشط الإعلامي غياث السيد، إذ "يعاني غالبية السكان في مدينة إدلب وريفها من ارتفاع باهظ في تكاليف المعيشة، بينما لا تصل الأجرة الشهرية للعامل في أحسن الأحوال إلى 100 دولار شهرياً".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن "المولات الفاخرة والمتاجر والمتنزّهات الخاصة، لا تعكس بطبيعة الحال الأوضاع الحقيقية في إدلب، التي يعيش أكثر من 90% من سكانها تحت خط الفقر".

ويعتقد السيد أن مظاهر التفاوت الطبقي "طبيعية وواقعية في ظروف الحرب المتواصلة منذ 13 سنة، غير أنها تَظهر في إدلب بشكل صارخ"، على حدّ تعبيره.

يتابع: "التفاوت المعيشي موجود في مناطق النظام السوري أيضاً، غير أن إدلب باتت تحوي رجال أعمال يتحدثون بملايين الدولارات، وينشئون مشاريع كبيرة جداً، بينما غالبيّة الناس يفكّرون فقط بتأمين الوجبة التالية من الطعام".

ظاهرة "طارئة"

يقول أكرم سرميني  (46 عاماً) من سكان مدينة إدلب، إن ظاهرة التفاوت المعيشي الواسع في إدلب "طارئة"، خصوصاً أن معظم السكّان يعيشون "بمستوى اقتصادي متقارب، حتى منذ ما قبل الحرب".

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن بعض المؤثّرين في وسائل التواصل "يحاولون تصوير إدلب للعالم الخارجي على أنها باتت مُكتفية اقتصادياً، مع إظهار مشاهد الترف والبذخ في بعض المقاهي والمطاعم والمتاجر الفاخرة، لكن الواقع مختلف".

ويوضح سرميني، الذي يعمل مدرّساً، أن هذه المنشآت "تجتذب زبائن لا تنطبق عليهم أوضاع أهالي مدينة إدلب"، مردفاً "بعض هؤلاء الميسورين يعملون في المنظمات ذات الرواتب المرتفعة، أو يرتبطون بسلطات الأمر الواقع صاحبة الكتلة المالية الأكبر، وقليل منهم يعتمدون على الحوالات الخارجية، عدا عن أن جزءاً منهم  أثرياء أصلاً".

من جهته، يقول الصحافي أحمد المحمّد، إن هناك "سوراً كبيراً ومرتفعاً في إدلب بين طبقة مسحوقة بالكاد تؤمّن قوت يومها، وطبقة أخرى تعيش كأنها في بلد مستقرّ وغنيّ".

ولا يتعدى الأمر سوى كونه "أحد انعكاسات الحرب الاقتصادية" في سوريا، وفق وصف المحمد.

يبيّن لـ"ارفع صوتك": "نظرة سريعة في العاصمة دمشق على سبيل المثال، تُظهر تفاوتاً طبقياً كبيراً بين فئة تصل وارداتها الشهرية عشرات الملايين من الليرات السورية، بينما غالبية العوائل تجاوزت خطوط الفقر، وباتت تعيش تحت خط الحياة".

ويعتبر أن الوضع في إدلب "لا يزال رغم كل شيء أفضل من الأحوال الاقتصادية في مناطق النظام السوري، بحكم أنها (إدلب) لا تزال مفتوحة على المساعدات" متهماً النظام السوري بـ"سرقة المساعدات التي تصل إليه".

المشاريع "فرص عمل"

في السياق نفسه، يقول عبد العظيم المغربل، وهو مساعد باحث اقتصادي في مركز "جسور" للدراسات، إن إدلب "لا تزال بعيدة عن الاستقرار الأمني بمعناه العام، إلا أنّ الاستثمارات الضخمة فيها لم تتعرض لمشاكل أمنية أو تأثرت بالقوانين المحلية المعمول بها".

ويوضح لـ"ارفع صوتك": "هذه الاستثمارات لا تعكس فقط مظاهر الترف، إنما تنعكس بالإفادة على المجتمع المحلي، وتؤمّن فرص عمل مهما كانت محدودة، فهي مهمة بسبب وجود نسبة بطالة مرتفعة، الأمر الذي يساعد على تحريك عجلة التنمية الاقتصادية للمنطقة".

ويرى المغربل أن سبب التفاوت المعيشي والطبقي في إدلب، يعود إلى كون هذه الظاهرة "تنشط أكثر وتتضح في الظروف الخاصة مثل ظرف الحرب".

"ومع وجود الفقر المدقع الذي يعاني منه أغلب السكان بالتزامن مع انخفاض الدعم المقدم للمنطقة تتوضح هذه الظاهرة بشكل أكبر، ويُسلّط عليها الضوء من قبل الفئة الأكثر عدداً والأصعب وضعاً"، يكمل المغربل.