خطط السكك الحديدية يفترض أن يمتد من غرب إيران إلى المتوسط في سوريا
خطط السكك الحديدية يفترض أن يمتد من غرب إيران إلى المتوسط في سوريا

على مدى سنوات لم ينقطع ذكر مشروع الربط السككي بين إيران والعراق وسوريا على لسان المسؤولين في طهران، ورغم الدفع الكبير باتجاه البدء بمحطاته من جانب الإيرانيين، إلا أن هذا "الحلم" كما يراه مراقبون ما يزال "منشودا على الورق ورهن التخطيط"، فيما تسود الكثير من التكهنات عن إمكانية تنفيذه على أرض الواقع، والأهداف التي تقف وراءه.

وقبل أيام زار وفدٌ إيراني كبير برئاسة وزير الطرق والبناء الإيراني، مهرداد بازارباش العاصمة دمشق، وأعلن في ختام لقاءات مكوكية انضم إليها رئيس النظام السوري، بشار الأسد عن ضرورة تفعيل خطوات هذا المشروع، بالإضافة إلى عناوين لاتفاقيات كثيرة، حاول الإيرانيون خلال السنوات الماضية المضي بعملية تنفيذها، لأنها بقيت "على الورق" أيضا.

وكان الوفد الإيراني هو الأكبر من نوعه قياسا بالوفود الأخرى، حسب ما ذكرت وسائل إعلام إيرانية، الخميس، وجاء وصوله إلى العاصمة السورية في توقيت لافت، أعقب تسليم الأسد أوراق اعتماد حسين أكبري سفيرا مفوضا وفوق العادة لإيران في سوريا، وفي وقت تعمل دول عربية على فتح أبوابها أمام النظام السوري، والموصدة منذ أكثر من عقد.

ولإيران نفوذ كبير في العراق وكذلك الأمر في سوريا، ورغم أن بوابته الأولى كان ذات نفس عسكري وميليشياوي، إلا أنه سرعان ما تطور إلى الشق السياسي والاقتصادي، بينما باتت طهران تعول على الأخير خلال الفترة الماضية، وهو ما أكدته زيارات مسؤوليها إلى كلا الدولتين، لذات الغرض.

وتحدث مراقبون مختصون بالشأن الإيراني والعراقي والسوري لموقع "الحرة" أن مشروع الربط السككي وإعادة طرحه من جانب طهران ليس بجديد، بل يعود إلى سنوات طويلة مضت، ومع ذلك أوضحوا أن الأهداف التي تقف وراءه "تسير باتجاه واحد"، بمعنى أنه يعود بالفائدة على نحو أكبر للجانب الإيراني.

وفي حين تتماهى الرواية السورية مع ما تطالب به طهران بخصوص هذا المشروع والبدء بتنفيذه على أرض الواقع، لطالما أثير الحديث عن الكثير من الحواجز التي تعترضه في الساحة العراقية، لاعتبارات تتعلق بنتائجه السلبية على البلد مستقبلا، وأسباب أخرى ترتبط باللاعبين الآخرين هناك ومواقفهم، على رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.

"مساران وهدف وحيد"

ويصل خط السكك الحديدية بين خطوط مدينة الشلامجة الإيرانية في محافظة خوزستان وخطوط السكك الحديدية العراقية في مدنية البصرة بطول 32 كيلومترا، حسب ما يشرح الباحث في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمود البازي.

ومن ثم هناك مساران لهذه الخطوط إما عبر الحدود السورية منطقة التنف أو عبر الحدود السورية من خلال مدينة البوكمال.

ويوضح البازي لموقع "الحرة": "إذا تم اختيار التنف، فالمسار سيذهب نحو دمشق، وإذا تم اختيار البوكمال فالمسار سوف يذهب باتجاه حمص ومن ثم ميناء طرطوس".

وتفضّل إيران مسار البوكمال، لأن "الهدف الأصلي هو الوصول إلى البحر المتوسط، وتفادي مسير التنف الذي تتواجد فيه القواعد الأميركية".

ويقول الباحث إن "الخطوط الحديدية هي محلية وموجودة بالفعل، مع وجود استثناء واحد فقط هو الربط بين الشلامجة والبصرة والذي بقي على الورق لأكثر من 20 عاما".

وبمعنى آخر يعتبر المشروع السككي أقدم مما تتناقله التقارير الإعلامية بأنه يعود إلى عام 2016، بل يمتد لأكثر من 20 عاما، وفق البازي.

وقبل وزير الطرق والبناء الإيراني الحالي، بازارباش كثيرا ما حاول سلفه الذي توفي قبل أشهر رستم قاسمي التأكيد على ضرورة تنفيذه المشروع السككي، سواء في زياراته إلى العراق أو سوريا، حيث كان يلتقي بشار الأسد.

علاوة على ذلك، ورغم أن طهران تولي أهمية كبيرة لمشاريعها الاقتصادية في سوريا والبلد المجاور، إلا أن مسار الطرق وإعادة بناء المدن يحظى بخاصية استثنائية، وهو ما تترجم مؤخرا من زيارات الوفود التي كان يرأسها ويقودها في الأساس وزير الطرق والبناء. 

وعلى هامش لقاءاته قبل يومين وبعد لقائه الأسد أوضح الوزير الإيراني بازار باش أن "الأولوية القادمة ستكون في مجال ممرات النقل وتطوير خطوط السكك الحديدية".

وأضاف: "في مجال السياحة (الحج والسياحة) سيتم إعداد 3 إلى 4 رحلات أسبوعيا بطاقة 50 ألف مسافر سنويا".

وأشار بازارباش إلى أنه تقرر إعادة إنشاء ممر سكة حديد الركاب بين الدول الثلاث إيران والعراق وسوريا والذي أقيم في الماضي، كما أن سكة حديد الشلامجة - البصرة على جدول الأعمال مع الجانب العراقي.

ويرى الباحث السوري في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، محمد العبد الله أن مشروع الربط السككي "يخضع لعلاقة إيران بالفاعلين الإقليميين والدوليين ومدى منحهم الضوء الأخضر لتنفيذه".

ويقول العبد الله لموقع "الحرة" إن إعادة طرحه على الطاولة الآن "ربما يرتبط بما شهدته الفترة الأخيرة من تقارب سعودي – إيراني"، وربما "وجدت طهران نفسها قادرة على دفع بعض تنفيذ الاتفاقيات مع النظام وتجسديها على أرض الواقع".

بالإضافة إلى ذلك "ربما هناك أيضا توافق أميركي روسي للسماح بهذه الخطوة، إذ ينظر لها كمتنفس اقتصادي للنظام السوري من خلال تنشيط الحركة الاقتصادية عبر الخط"، حسب الباحث السوري.

ويضيف: "في السابق كانت هناك اتهامات من النظام السوري بأن التنف معطلة لتنفيذ الخط على مدى الأعوام الماضية. الآن ربما تغيرت بعض المعطيات، وبالتالي وجدت إيران قدرة على الدفع ولو بشكل أولي لتنفيذ المشروع".

ماذا عن العراق؟

وفي مطلع أبريل الحالي أعلن وزير النقل العراقي، رزاق محيبس السعداوي، عن عقد اتفاق مع الجانب الإيراني على تنفيذ سكة الحديد، لنقل المسافرين بين الشلامجة والبصرة.  وذكر بيان للوزارة، حينها، أن السعداوي أجرى زيارة إلى العاصمة الإيرانية طهران، والتقى بنظيره بازارباش، وناقشها عدة مواضيع، على رأسها الاتفاق الخاص بالربط السككي، والذي يتضمن البدء بعمليات إزالة الالغام المزروعة منذ حرب الثمان سنوات بين البلدين، في المناطق الحدودية، وبعد شهر رمضان.

ويشتمل الاتفاق أيضا على مشروع إنشاء جسر متحرك على شط العرب، على أن يجري إنجازه خلال عام ونصف العام، بينما استعرضت اجتماعات الجانبين الدراسات والتصاميم الخاصة بتنفيذ الخط، كما جرى استعراض الاستثمارات اللازمة للمشروع.

ويرى الباحث محمود البازي أن "السبب في تعطل المشروع خلال السنوات الماضية هو تجاهل العراق له لمرات عديدة"، إذ كان هناك "مقترحات لتقاسم التكلفة بين بغداد وطهران، ولكن لا شيء تم على الأرض".

و"لا يعتبر إعادة ملف المشروع إلى الطاولة مرة أخرى شيئا جديدا"، كون "الحديث عنه تتم الإشارة إليه في كل عام".

وفي غضون ذلك، لا يعتقد البازي أن "البلدان الثلاثة قادرين على المضي قدما في تفعيل الخط على المدى المنظور بسبب الضغط الأمريكي على  العراق"، حيث يشير إلى أن "الولايات المتحدة الأميركية تدرك تماما بأنّ تفعيل هذا الخط يعني عائدات اقتصادية هائلة لإيران".

ويعود الباحث السياسي العراقي، هيثم الهيتي بالذاكرة إلى عام 2003، ويشرح أن أحد وزراء النقل العراقيين أخبره حينها عندما كان في المنصب أنه التقى بالسفير الإيراني وأن "الأخير نصحه بالتوقيع على اتفاق الربط السككي".

لكن الوزير العراقي "المعروف بنزاهته" ولم يذكر اسمه الهيتي كون المعلومات التي حصل عليها كانت خارج نطاق التصريح الصحفي رفض التوقيع على الاتفاق، ليحذره السفير الإيراني بأن "عدم التوقيع يعني خسارته لمنصبه في الحقيبة الوزارية القادمة".

وذلك ما حصل في ذلك الوقت، إذ أصر وزير النقل العراقي على الرفض، وفق ما يقول الهيتي لموقع "الحرة"، مضيفا: "لأن اتفاق الربط السككي ليس بمصلحة العراق الاستراتيجية".

ويوضح الباحث السياسي العراقي أن "الربط السككي هو مشروع اندماج سياسي واجتماعي وعسكري وأمني، وبالتالي لديه أبعاد أخرى غير النقل".

"إيران اليوم لديها إيديولوجيا مؤثرة ومعممة في سوريا والعراق، ولديها سلاح ونفوذ وامتداد عسكري، فيما تبدو عاجزة عن الاتصال بهذه الدول، والنقل ما يزال صعبا عليها".

ولذلك يضيف الهيتي أن "الربط السلككي يعتبر أرخص السبل وأسهلها وأكبرها حجما وأكثرها قدرة، ويوفر لطهران اتصال من جانب واحد".

ويعني ما سبق أن "طهران ستضح البضائع الرديئة من خلال المشروع في دول هامشية وضعيفة صناعيا، بسبب نخب سياسية سيئة وغير قادرة على إنجاح مشاريع في دولها، وهمشت المؤسسة العسكرية والصناعية والزراعية".

ماذا تريد إيران؟

وسبق وأن أوضح المدير العام لشركة السكك الحديد الإيرانية، سعيد رسولي أن مشروع السكك سيربط الجانب الإيراني من الخليج بميناء اللاذقية السوري عبر خطوط حديدية في البصرة العراقية، واصفا إياه بأنه مشروع استراتيجي و"الأهم من بقية خطوط النقل البرية".

وحول مشروع خطوط "الشلامجة - البصرة"، قال رسولي في يوليو 2019 إن بلاده والعراق وقعا على مذكرة تفاهم لإنشاء خطوط حديدية خلال الأشهر المقبلة بطول 32 كيلومترا بتمويل من مؤسسة "مستضعفان" الإيرانية. 

ويرى الباحث السياسي العراقي الهيتي أن "إيران ستستفيد من الربط السككي من خلال ضخ ملايين البضائع لهذه الدول. بمعنى جانب اقتصادي لحديقة خلفية تشمل سوريا والعراق".

كما أنه "مشروع اقتصادي لإيران، من خلال وصل ميناء الخميني باللاذقية، وبالتالي ستكون مطلة على المتوسط وأوروبا".

ويضيف الهيتي: "الخط أيضا يعزز موقع إيران الجغرافي في مشروع طريق الحرير الصيني، وبالتالي ستكون طهران اللاعب الأساسي في الشرق الأوسط، فيما ستتمكن من تهميش الدور السوري والعراقي وتبتلعه من خلال السكك".

ويوضح الباحث السوري العبد الله أن "مشروع السكك مهم جدا لإيران، كونه سيكون بوابتها على المتوسط".

ومع ذلك هناك أهداف أخرى عسكرية، إذ يقول الباحث إنه "وفي حال تمكنت إيران من إنجازه سيغدو داعما رئيسيا لميليشياتها في سوريا، ولاستخدامه في عمليات التهريب وتمويه عمليات تصنيع ونقل الأسلحة. أي تعزيز بنيتها العسكرية هناك".

في المقابل وعلى مدى السنوات الماضية كانت هناك معضلة كبيرة لنقل البضائع الإيرانية إلى سوريأ، سواء جوا أو عبر البحر، ولذلك سيمّكن مشروع الربط السككي طهران في عملية "نقل سلعها لكي تغزو الأسواق السورية".

"هذا الغزو السلعي ربما يتكئ على نفوذ الميليشيات في المدن الكبرى في دمشق وحلب ودير الزور"، فيما يضيف العبد الله أن "الربط سيخفض أيضا تكاليف نقل البضائع والسلع من طهران للمتوسط، وربما سيستخدم لزيادة الصادرات الإيرانية وتعزيز النفوذ الاقتصادي الإيراني في الأسواق السورية".

من جانبه يرى الباحث في الشؤون الإيرانية محمود البازي أن "أهم أهداف المشروع السككي هو ربط إيران بموانئ سوريا على البحر المتوسط ومن ثم العمل على الوصول إلى أوربا عبر هذه الموانئ".

كما تهدف إيران إلى "نقل الزوار الإيرانين عبر السكك الحديدية إلى العراق، مع وصل هذا المسار بالدول العربية الأخرى كالأردن ولبنان، وتعزيز التجارة ونقل البضائع بين إيران والعراق وسوريا واعتماده لنقل البضائع".

ويتختلف البازي من زاوية عسكرية، إذ يرى أن "طهران لن تخاطر في الخط السككي لنقل الأسلحة، لأن إسرائيل سوف تستهدفه بشكل مباشر".

ويقول إن "إيران لديها وسائلها وطرقها الخاصة لنقل الأسلحة ولن تغامر بهذا الطريق الحيوي أبدا".
من سيمول الربط؟

وحتى الآن ورغم التأكيد الإيراني على مشروع الربط السككي مع العراق وسوريا، إلا أن طريقة التمويل تبدو غامضة، وما إذا كانت تكلفته ستكون من جيب طهران فقط أن ستتقاسمها مع بغداد ودمشق.

ويوضح الباحث البازي أن "التمويل ليس بالمبلغ الكبير، لأن المسار المعطل والمهم حاليا هو الشلامجة-البصرة وتبلغ تكلفة بنائه أقل من 250 مليون دولار".

وتحاول إيران في الوقت الحالي "تنفيذ الجزء الخاص بالأراضي العراقية أولا ثم الانتقال إلى تنفيذه داخل سوريا".

ويقول الباحث السوري العبد الله من زاوية تقنية إن "إيران تمتلك الشركات للشروع بمثل هذه المشاريع، لكن يبق المعوق الأساسي هو كيفية التمويل".

وهناك بعض الطروحات الإيرانية السابقة التي تشير إلى "إمكانية طرح سندات مالية ومشاركة الناس والعامة به". ومع ذلك يعتقد الباحث السوري أن "الأمر أكبر من ذلك، لأن الناس سيحجمون عن ذلك في دول ما تزال غير آمنة ومستقرة، وبالتالي لن يقبلوا على شراء السندات".

وهناك طروحات أخرى بأن "تقوم الشركات مثل البنيان المستضعفين التابعة للحرس الثوري الإيراني بالقيام بالتنفيذ بشكل كامل وتمويله". ويعتقد العبد الله أن "هذا الخيار كبير وهو المتاح"، كون الشركة لها نفوذ أمني وميليشيات على طول الخط.

علاوة على ذلك توجد خيارات إضافية مثل أن "يرتبط تنفيذ الخط في سوريا بخط ائتماني جديد للنظام السوري، كما جرت العادة في السنوات الماضية".

ويعتقد العبد الله أن "نظام الأسد لن يمانع لمثل هذه الخطوة، كون المشروع سيخدمه اقتصاديا ويدعمه كترويج إعلامي بين مناصريه، بأن الربط السككي سيخدم الناس والوضع الاقتصادي، من خلال التبادل التجاري والسلعي".

من جانب آخر يرى الباحث السياسي العراقي مشروع الربط بـأنه "استباقي لإمكانية بناء مشروع الشام الجديد أو الهلال الخصيب بين العراق وسوريا".

"هناك آمال للشعوب في المنطقة بأن تنتج مشروعا، كون سوريا والعراق امتداد لبلاد الرافدين وهناك تقارب اجتماعي وثقافي والبعض يحتاج للآخر رغم وجود الإشكالات"، بينما تريد إيران أن "تستبق الفرصة لكي تسيطر على المنطقة".

"إيران تفكر بمستقبل 100 عام من الآن، وبالتالي تريد تهميش وابتلاع الدولتين، والنقل سيكون الوسيلة الأساسية لقمع أي قوة قادرة على التأثير في المستقبل".

ويضيف الهيتي: "ستستخدم الشعار الديني في إرسال ما يسمى بالزائرين والحجاج لكنها في الحقيقة ستضخ كميات من البشر للمناطق السورية والعراقية، وتجعلهم أمام عبء أمني واقتصادي وديمغرافي ومستقبلي ووجودي".

واعتبر الباحث العراقي أن "أميركا تلكأت كثيرا في سياستها لمواجهة إيران، وعليها أن تنتبه على هذه المشاريع وأن العسكرة لن تكون قادرة على إيقافها"، ولذلك "يجب دعم قوى سياسية على الأرض، كأفضل الطرق لوقف المد الذي وصل إلى مرحلة متنامية جدا".

 من جانبه يوضح الباحث السوري العبد الله أن "الوجود الإيراني في سوريا الآن بدأ يرتبط ربما بالمزاج الدولي، وخاصة من ناحية تثبيت مناطق النفوذ التي قد تمتد لسنوات".

وما سبق "سيشجع إيران على تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، ومن ضمنها خط السكك الحديدية، من أجل دعم نفوذها مستقبلا"، وفق ذات المتحدث.

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري
تعبيرية لإحدى اللافتات في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام السوري

الحرة- ضياء عودة- منذ تاريخ انعقادها الأول في القاهرة، في أغسطس 2023، تسلطت الأضواء كثيرا على لجنة الاتصال العربية الخاصة بسوريا وعلى الدور المناط وأعمالها، وما إذا كانت ستنجح في إحداث خرق عام على المشهد الداخلي البلاد، ولاسيما السياسي منه.

ومع اجتماع أطرافها الستة للمرة الثانية في العاصمة المصرية، الثلاثاء، تثور تساؤلات عما قدمه النظام السوري للدول المعنية بالتواصل معه، سواء على صعيد عملية "خطوة مقابل خطوة"، أو فيما يتعلق بالملفات التي ارتبطت به داخليا، وكان لها ارتدادات واسعة في الخارج

اجتماع اللجنة جاء على هامش جلسة القمة العربية لبحث التطورات المتعلقة بغزة، شارك فيه وزير خارجية النظام، فيصل المقداد ونظرائه في العراق والأردن والسعودية ولبنان ومصر، وبحضور الأمين العام للجامعة العربية، أحمد أبو الغيط.

وقال بيان نشرته الأمانة العامة لجامعة الدول العربية إن "لجنة الاتصال قررت تشكيل فريق من الخبراء لدراسة الموضوعات التي تتابعها مع سوريا"، وأضاف أيضا أنه "تم التوافق أيضا على أن يكون الاجتماع المقبل في بغداد"، دون تحديد موعد محدد.

وكان من المقرر أن يعقد الاجتماع الثاني للجنة الاتصال في وقت لاحق من العام الحالي، لكن فشل النظام في الرد على الأسئلة المتعلقة بتهريب حبوب "الكبتاغون" وقضايا أخرى دفع أطرافها إلى تأجيل موعد الانعقاد، كما ورد في تقرير تحليلي نشره "معهد واشنطن"، شهر مايو الماضي.

وأوضح تقرير المعهد الأميركي، قبل 4 أشهر، أن عملية التأجيل لم تكن لمرة واحدة فقط خلال الأشهر الماضية، بل تم اتخاذ قرارها لأكثر من مرة (آخرها في مايو الماضي)، ورغم ذلك "فشل النظام في تقديم رد مكتوب على الأسئلة الموجهة له".

ويعتقد الكاتب والمحلل السياسي السوري، عمر كوش، أن اجتماع الثلاثاء يعتبر "روتينيا" كونه انعقد على هامش الجلسة المخصصة لبحث التطورات في غزة، ويرى أنه "لم يسفر عن شيء.. وربما عقد لكي يقال إن اللجنة مازالت حيّة".

ويعتبر كوش في حديثه لموقع "الحرة" أن "لجنة الاتصال دفنت منذ الاجتماع الأول، عندما تبين أن النظام لم يقدم أي شيء على المستوى السياسي أو بخصوص مشكلة اللاجئين وتهريب حبوب الكبتاغون إلى الدول العربية، وفي مقدمتها الأردن".

ويضيف أن "اجتماع اللجنة السابق كان مقررا في بغداد لكنه ألغي"، وأن "الاجتماع الثاني لا يدخل في أي مسار لعمل لجنة الاتصال بحد ذاتها".

لكن، ومن جهته، يقول المحلل الجيوسياسي الأردني، الدكتور عامر السبايلة إنه "مازالت هناك قناعة واضحة حول رغبة الدول العربية بإعادة دمشق إلى المعسكر العربي".

وبالتالي يضيف السبايلة لموقع "الحرة" أن "كل ما يجري الآن (بما فيها اجتماع لجنة الاتصال) هو عبارة عن استمرار لهذه العملية".

وحتى لو كان المسار العربي مع دمشق بطيئا يشير في المقابل إلى أن "القناعات العربية لم تتبدل ولم تتحول إلى حالات عداء ولم تتحول لقطع علاقات أو تصعيد"، وفق الخبير الأردني.

"خطوة دون خطوات"

وكانت المبادرة التي أدت لعودة النظام السوري "للحضن العربي" تضمنت خمس أولويات أساسية يتعين إنجازها من خلال لجنة الاتصال الخاصة بمواصلة الحوار مع النظام السوري.

وتشمل النقاط الخمس زيادة وتوسيع نطاق تسليم المساعدات الإنسانية في سوريا، وتهيئة الظروف اللازمة لعودة اللاجئين على نطاق واسع، وإنهاء إنتاج وتصدير المخدرات غير المشروعة من سوريا.

ويضاف إليها ضرورة استئناف عمل اللجنة الدستورية والتوصل لحل سياسي بما يتماشى مع قرارات مجلس الأمن الدولي، فضلا عن إنشاء هيئة أمنية دولية لتنسيق الجهود لمكافحة الإرهاب في سوريا.

ولم يقدم النظام أي بادرة حتى الآن على صعيد عودة اللاجئين وتهيئة الظروف في البلاد لاستقبالهم بصورة آمنة. ورغم أن وتيرة عمليات تهريب "الكبتاغون" انخفضت نسبيا لا يزال الجيش الأردني يعترض شحنات من الجو والأرض.

وعلى الصعيد السياسي كان النظام اتجه مؤخرا لتنظيم "انتخابات برلمانية"، متجاهلا أصوات ملايين السوريين النازحين في البلاد، واللاجئين في الخارج.

وفي غضون ذلك لم يبد منذ تاريخ اجتماع اللجنة الأول، وحتى الآن، أي موقف إيجابي على صعيد استئناف أعمال اللجنة الدستورية، فيما يصر على ضرورة انعقادها خارج جنيف، بزعم أنها "غير حيادية"، مؤيدا بذلك نظرة موسكو.

ويعتقد الكاتب والصحفي، المقيم في دمشق، عبد الحميد توفيق، أن "الجانب السوري لم يقدم حتى الآن استجابة لما يعلن من متطلبات أو شروط عربية، على كل الصعد".

ويوضح لموقع "الحرة" أن سبب ذلك "ذاتي"، ويتمثل بأن "السلطة السورية لا ترى أنها ملزمة في تقديم مثل هذه القضايا ولا تعتبر أنها الوحيدة المطلوب منها".

كما لا يريد النظام السوري أن يوحي بناء على واقع الحال في سوريا بأنه "ضعيف"، وفق توفيق.

ويشير الكاتب، من جانب آخر، إلى أن "ما يتحدث به بشار الأسد في كثير من الأحيان يؤكد على أن علاقات دمشق الأنجح والأفضل مع الدول العربية يجب أن تكون ذات طابع ثنائي وليس علاقات على مستوى جامعة الدول العربية".

ويبدو أن النظام يدرك هذا الأمر، ووفقا لتوفيق "يريد الأسد أن يحاكي مصالح كل دولة عربية على حدى وبما ترغب به".

"عامل عدم استقرار"

وقبل الاجتماع الثاني للجنة الاتصال العربية أعادت المملكة العربية السعودية فتح سفارتها في المقر الرئيسي بالعاصمة السورية دمشق.

لكن، وفي مقابل ذلك، لم يكن الزخم السعودي منسحبا على بقية الأطراف العربية التي يتولى وزرائها تنفيذ مهمة الحوار الخاصة باللجنة، كالأردن ومصر.

وفي حين أن ذلك يشي بتباين مواقف كل دولة على حدى مع النظام السوري وكما يؤكده الكاتب السوري توفيق سابقا يعتقد الخبير الأردني السبايلة أن المشهد يذهب باتجاه مغاير.

ويقول السبايلة إن "السعودية هي البلد الأهم في السياسة العربية والأثقل والأكبر، والقادرة على توجيه البوصلة"، وإن مشهد افتتاح سفارتها قبل أيام يشير إلى أن "فكرة ضم سوريا للمعسكر العربي ما تزال قائمة".

ومع ذلك يوضح أن "إحداث تغيير حقيقي عربي في العلاقة مع سوريا يظل صعبا اليوم، ولاسيما في ظل المناخ الموجود ومرحلة الحرب التي تعتبر البلاد أحد جبهاتها".

ومن الواضح، حتى الآن، أن النظام السوري وفي الجانب غير المعلن "استطاع إبقاء خطوط التواصل مع الجميع، وأن يقدم شيئا غير منظور، مما يعزز الإيمان لدى البعض من الدول العربية، في موضوع إخراج سوريا من عزلتها"، وفق السبايلة.

لكن الخبير الأردني يضيف أن "المسار سيكون تدريجيا، نظرا لظروف الحرب القائمة في المنطقة".

وتختلف وجهة نظر الكاتب والمحلل السياسي كوش عما أشار إليه السبايلة.

ويعتبر الكاتب أن "النظام يحاول أن يستثمر ويفتح بازار وهمّه الدائم البحث عن منقذ لإخراجه من الأزمة الاقتصادية الخانقة في مناطق سيطرته".

وفي ذات الوقت فإن النظام "ليس مستعدا لأن ينخرط بأي حل، باعتبار أن تهريب الكبتاغون يؤمن له ولأزلامه ورموزه وحاشيته مبالغ خيالية"، بحسب كوش.

ويتابع: "بمعنى آخر.. النظام عامل عدم استقرار في المنطقة، ولا يمكن أن يكون غير ذلك لأنه سينتهي وبالتالي هو لا يريد إنهاء نفسه بنفسه".

3 عوامل تُحكم مسار الاتصال

وكان رئيس النظام السوري، بشار الأسد، حضر القمة العربية التي نظمت بشكل استثنائي في الرياض في نوفمبر الماضي، وألقى كلمة حينها أمام الزعماء العرب، أكد فيها أن الانتقال "من حضن لآخر" لا يعني تغيير "انتماء" الإنسان.

وبعدما شكك بفعالية جامعة الدول العربية، آنذاك، شدد على ضرورة تطوير آلية عماها ومراجعة ميثاقها ونظامها الداخلي، وتطوير آلياتها "تماشيا مع العصر"، على حد تعبيره.

ورغم حضوره مجددا في المنامة، مايو الماضي، لم يخصص له وقت لإلقاء الكلمة أمام الزعماء العرب.

ويرى الكاتب والمحلل السياسي توفيق أن الواقع يشير إلى أن مجريات العلاقة السورية العربية محكومة بـ3 عوامل.

ويوضح أن الأول "سوري ذاتي داخلي مرتبط بالسلطة السورية والدولة والقيادة".

ويتمثل الثاني، وهو "موضوعي"، بعدم قدرة أي طرف عربي على اتخاذ موقف مشترك، باستثناء الذي تم التعبير عنه شكليا عندما عادت دمشق لمقعدها في الجامعة العربية.

ويتابع توفيق، من نقطة ثالثة، أنه يوجد "عامل آخر حقيقي وواقعي ويحرك كل ما سبق، ويرتبط بالولايات المتحدة  وصراعها القائم مع روسيا في كل ساحات العالم".

وفيما يتعلق بخطوة فتح السفارة السعودية، يعتقد توفيق، المقيم في دمشق، أنه دليل على أن "العلاقات السياسية تنمو وتطرد".

لكنه في المقابل يقول إن الخطوة أمام "سؤال كبير.. ماذا بعد؟ وهل يمكن للسعودية أن تقدم احتياجات تراها سوريا مهمة".

وبالإضافة إلى ما سبق، يبرز سؤال أكبر بحسب تعبير الكاتب السوري هو: هل تستطيع الرياض أن تقدم لدمشق أو تتبنى مواقف قادرة على محاكاة الأميركيين وتليين موقف واشنطن؟

ولا يرى المتحدث "آفاقا كبيرة وواعدة في الاتجاه المذكور، باستثناء احتمال وجود علاقات ثنائية لن تصل لمراحل متقدمة يتمناها الشعب السوري ويبنى عليها أو أن تكون نقطة تحول على الساحة السورية".

"تكتيك"

ومن جهته يوضح الخبير الأردني السبايلة أن ما يفعله النظام عبارة عن "تكتيك".

ويقول إن (الأسد) "يعلم أن إيران لا تستطيع أن تقدمه للمجتمع الدولي وترفع عنه العقوبات، بل تعمّق أزمته".

وبالتالي فإن النظام السوري "بحاجة لنوع من التوازن، لأن الدول العربية وعودته للجامعة جعلت له مساحة لفكرة الانتقال للحديث مع المجتمع الدولي وإزالة العقوبات".

ويضيف السبايلة: "النظام يعلم أن مصلحته الحقيقة في فك العزلة مع الدول العربية وليس مع إيران غير القادرة على مساعدته، ويمارس أيضا ذات السياسة مع تركيا لكن وفقا لشروطه ومصالحه".

والموقف السوري المتعلق بإيران سواء قبل 2011 وما بعد هذا العام ما يزال على حاله، وفق حديث الكاتب توفيق.

ويوضح الكاتب أن "دمشق الآن ما زالت على ثوابتها، ولا تبد أي مرونة في التوجه العربي بالابتعاد عن إيران، لأنها تعتبر ذلك جزءا أساسيا من قرارها السيادي والسياسي".