خطط السكك الحديدية يفترض أن يمتد من غرب إيران إلى المتوسط في سوريا
خطط السكك الحديدية يفترض أن يمتد من غرب إيران إلى المتوسط في سوريا

على مدى سنوات لم ينقطع ذكر مشروع الربط السككي بين إيران والعراق وسوريا على لسان المسؤولين في طهران، ورغم الدفع الكبير باتجاه البدء بمحطاته من جانب الإيرانيين، إلا أن هذا "الحلم" كما يراه مراقبون ما يزال "منشودا على الورق ورهن التخطيط"، فيما تسود الكثير من التكهنات عن إمكانية تنفيذه على أرض الواقع، والأهداف التي تقف وراءه.

وقبل أيام زار وفدٌ إيراني كبير برئاسة وزير الطرق والبناء الإيراني، مهرداد بازارباش العاصمة دمشق، وأعلن في ختام لقاءات مكوكية انضم إليها رئيس النظام السوري، بشار الأسد عن ضرورة تفعيل خطوات هذا المشروع، بالإضافة إلى عناوين لاتفاقيات كثيرة، حاول الإيرانيون خلال السنوات الماضية المضي بعملية تنفيذها، لأنها بقيت "على الورق" أيضا.

وكان الوفد الإيراني هو الأكبر من نوعه قياسا بالوفود الأخرى، حسب ما ذكرت وسائل إعلام إيرانية، الخميس، وجاء وصوله إلى العاصمة السورية في توقيت لافت، أعقب تسليم الأسد أوراق اعتماد حسين أكبري سفيرا مفوضا وفوق العادة لإيران في سوريا، وفي وقت تعمل دول عربية على فتح أبوابها أمام النظام السوري، والموصدة منذ أكثر من عقد.

ولإيران نفوذ كبير في العراق وكذلك الأمر في سوريا، ورغم أن بوابته الأولى كان ذات نفس عسكري وميليشياوي، إلا أنه سرعان ما تطور إلى الشق السياسي والاقتصادي، بينما باتت طهران تعول على الأخير خلال الفترة الماضية، وهو ما أكدته زيارات مسؤوليها إلى كلا الدولتين، لذات الغرض.

وتحدث مراقبون مختصون بالشأن الإيراني والعراقي والسوري لموقع "الحرة" أن مشروع الربط السككي وإعادة طرحه من جانب طهران ليس بجديد، بل يعود إلى سنوات طويلة مضت، ومع ذلك أوضحوا أن الأهداف التي تقف وراءه "تسير باتجاه واحد"، بمعنى أنه يعود بالفائدة على نحو أكبر للجانب الإيراني.

وفي حين تتماهى الرواية السورية مع ما تطالب به طهران بخصوص هذا المشروع والبدء بتنفيذه على أرض الواقع، لطالما أثير الحديث عن الكثير من الحواجز التي تعترضه في الساحة العراقية، لاعتبارات تتعلق بنتائجه السلبية على البلد مستقبلا، وأسباب أخرى ترتبط باللاعبين الآخرين هناك ومواقفهم، على رأسهم الولايات المتحدة الأميركية.

"مساران وهدف وحيد"

ويصل خط السكك الحديدية بين خطوط مدينة الشلامجة الإيرانية في محافظة خوزستان وخطوط السكك الحديدية العراقية في مدنية البصرة بطول 32 كيلومترا، حسب ما يشرح الباحث في الشؤون الإيرانية، الدكتور محمود البازي.

ومن ثم هناك مساران لهذه الخطوط إما عبر الحدود السورية منطقة التنف أو عبر الحدود السورية من خلال مدينة البوكمال.

ويوضح البازي لموقع "الحرة": "إذا تم اختيار التنف، فالمسار سيذهب نحو دمشق، وإذا تم اختيار البوكمال فالمسار سوف يذهب باتجاه حمص ومن ثم ميناء طرطوس".

وتفضّل إيران مسار البوكمال، لأن "الهدف الأصلي هو الوصول إلى البحر المتوسط، وتفادي مسير التنف الذي تتواجد فيه القواعد الأميركية".

ويقول الباحث إن "الخطوط الحديدية هي محلية وموجودة بالفعل، مع وجود استثناء واحد فقط هو الربط بين الشلامجة والبصرة والذي بقي على الورق لأكثر من 20 عاما".

وبمعنى آخر يعتبر المشروع السككي أقدم مما تتناقله التقارير الإعلامية بأنه يعود إلى عام 2016، بل يمتد لأكثر من 20 عاما، وفق البازي.

وقبل وزير الطرق والبناء الإيراني الحالي، بازارباش كثيرا ما حاول سلفه الذي توفي قبل أشهر رستم قاسمي التأكيد على ضرورة تنفيذه المشروع السككي، سواء في زياراته إلى العراق أو سوريا، حيث كان يلتقي بشار الأسد.

علاوة على ذلك، ورغم أن طهران تولي أهمية كبيرة لمشاريعها الاقتصادية في سوريا والبلد المجاور، إلا أن مسار الطرق وإعادة بناء المدن يحظى بخاصية استثنائية، وهو ما تترجم مؤخرا من زيارات الوفود التي كان يرأسها ويقودها في الأساس وزير الطرق والبناء. 

وعلى هامش لقاءاته قبل يومين وبعد لقائه الأسد أوضح الوزير الإيراني بازار باش أن "الأولوية القادمة ستكون في مجال ممرات النقل وتطوير خطوط السكك الحديدية".

وأضاف: "في مجال السياحة (الحج والسياحة) سيتم إعداد 3 إلى 4 رحلات أسبوعيا بطاقة 50 ألف مسافر سنويا".

وأشار بازارباش إلى أنه تقرر إعادة إنشاء ممر سكة حديد الركاب بين الدول الثلاث إيران والعراق وسوريا والذي أقيم في الماضي، كما أن سكة حديد الشلامجة - البصرة على جدول الأعمال مع الجانب العراقي.

ويرى الباحث السوري في مركز "عمران للدراسات الاستراتيجية"، محمد العبد الله أن مشروع الربط السككي "يخضع لعلاقة إيران بالفاعلين الإقليميين والدوليين ومدى منحهم الضوء الأخضر لتنفيذه".

ويقول العبد الله لموقع "الحرة" إن إعادة طرحه على الطاولة الآن "ربما يرتبط بما شهدته الفترة الأخيرة من تقارب سعودي – إيراني"، وربما "وجدت طهران نفسها قادرة على دفع بعض تنفيذ الاتفاقيات مع النظام وتجسديها على أرض الواقع".

بالإضافة إلى ذلك "ربما هناك أيضا توافق أميركي روسي للسماح بهذه الخطوة، إذ ينظر لها كمتنفس اقتصادي للنظام السوري من خلال تنشيط الحركة الاقتصادية عبر الخط"، حسب الباحث السوري.

ويضيف: "في السابق كانت هناك اتهامات من النظام السوري بأن التنف معطلة لتنفيذ الخط على مدى الأعوام الماضية. الآن ربما تغيرت بعض المعطيات، وبالتالي وجدت إيران قدرة على الدفع ولو بشكل أولي لتنفيذ المشروع".

ماذا عن العراق؟

وفي مطلع أبريل الحالي أعلن وزير النقل العراقي، رزاق محيبس السعداوي، عن عقد اتفاق مع الجانب الإيراني على تنفيذ سكة الحديد، لنقل المسافرين بين الشلامجة والبصرة.  وذكر بيان للوزارة، حينها، أن السعداوي أجرى زيارة إلى العاصمة الإيرانية طهران، والتقى بنظيره بازارباش، وناقشها عدة مواضيع، على رأسها الاتفاق الخاص بالربط السككي، والذي يتضمن البدء بعمليات إزالة الالغام المزروعة منذ حرب الثمان سنوات بين البلدين، في المناطق الحدودية، وبعد شهر رمضان.

ويشتمل الاتفاق أيضا على مشروع إنشاء جسر متحرك على شط العرب، على أن يجري إنجازه خلال عام ونصف العام، بينما استعرضت اجتماعات الجانبين الدراسات والتصاميم الخاصة بتنفيذ الخط، كما جرى استعراض الاستثمارات اللازمة للمشروع.

ويرى الباحث محمود البازي أن "السبب في تعطل المشروع خلال السنوات الماضية هو تجاهل العراق له لمرات عديدة"، إذ كان هناك "مقترحات لتقاسم التكلفة بين بغداد وطهران، ولكن لا شيء تم على الأرض".

و"لا يعتبر إعادة ملف المشروع إلى الطاولة مرة أخرى شيئا جديدا"، كون "الحديث عنه تتم الإشارة إليه في كل عام".

وفي غضون ذلك، لا يعتقد البازي أن "البلدان الثلاثة قادرين على المضي قدما في تفعيل الخط على المدى المنظور بسبب الضغط الأمريكي على  العراق"، حيث يشير إلى أن "الولايات المتحدة الأميركية تدرك تماما بأنّ تفعيل هذا الخط يعني عائدات اقتصادية هائلة لإيران".

ويعود الباحث السياسي العراقي، هيثم الهيتي بالذاكرة إلى عام 2003، ويشرح أن أحد وزراء النقل العراقيين أخبره حينها عندما كان في المنصب أنه التقى بالسفير الإيراني وأن "الأخير نصحه بالتوقيع على اتفاق الربط السككي".

لكن الوزير العراقي "المعروف بنزاهته" ولم يذكر اسمه الهيتي كون المعلومات التي حصل عليها كانت خارج نطاق التصريح الصحفي رفض التوقيع على الاتفاق، ليحذره السفير الإيراني بأن "عدم التوقيع يعني خسارته لمنصبه في الحقيبة الوزارية القادمة".

وذلك ما حصل في ذلك الوقت، إذ أصر وزير النقل العراقي على الرفض، وفق ما يقول الهيتي لموقع "الحرة"، مضيفا: "لأن اتفاق الربط السككي ليس بمصلحة العراق الاستراتيجية".

ويوضح الباحث السياسي العراقي أن "الربط السككي هو مشروع اندماج سياسي واجتماعي وعسكري وأمني، وبالتالي لديه أبعاد أخرى غير النقل".

"إيران اليوم لديها إيديولوجيا مؤثرة ومعممة في سوريا والعراق، ولديها سلاح ونفوذ وامتداد عسكري، فيما تبدو عاجزة عن الاتصال بهذه الدول، والنقل ما يزال صعبا عليها".

ولذلك يضيف الهيتي أن "الربط السلككي يعتبر أرخص السبل وأسهلها وأكبرها حجما وأكثرها قدرة، ويوفر لطهران اتصال من جانب واحد".

ويعني ما سبق أن "طهران ستضح البضائع الرديئة من خلال المشروع في دول هامشية وضعيفة صناعيا، بسبب نخب سياسية سيئة وغير قادرة على إنجاح مشاريع في دولها، وهمشت المؤسسة العسكرية والصناعية والزراعية".

ماذا تريد إيران؟

وسبق وأن أوضح المدير العام لشركة السكك الحديد الإيرانية، سعيد رسولي أن مشروع السكك سيربط الجانب الإيراني من الخليج بميناء اللاذقية السوري عبر خطوط حديدية في البصرة العراقية، واصفا إياه بأنه مشروع استراتيجي و"الأهم من بقية خطوط النقل البرية".

وحول مشروع خطوط "الشلامجة - البصرة"، قال رسولي في يوليو 2019 إن بلاده والعراق وقعا على مذكرة تفاهم لإنشاء خطوط حديدية خلال الأشهر المقبلة بطول 32 كيلومترا بتمويل من مؤسسة "مستضعفان" الإيرانية. 

ويرى الباحث السياسي العراقي الهيتي أن "إيران ستستفيد من الربط السككي من خلال ضخ ملايين البضائع لهذه الدول. بمعنى جانب اقتصادي لحديقة خلفية تشمل سوريا والعراق".

كما أنه "مشروع اقتصادي لإيران، من خلال وصل ميناء الخميني باللاذقية، وبالتالي ستكون مطلة على المتوسط وأوروبا".

ويضيف الهيتي: "الخط أيضا يعزز موقع إيران الجغرافي في مشروع طريق الحرير الصيني، وبالتالي ستكون طهران اللاعب الأساسي في الشرق الأوسط، فيما ستتمكن من تهميش الدور السوري والعراقي وتبتلعه من خلال السكك".

ويوضح الباحث السوري العبد الله أن "مشروع السكك مهم جدا لإيران، كونه سيكون بوابتها على المتوسط".

ومع ذلك هناك أهداف أخرى عسكرية، إذ يقول الباحث إنه "وفي حال تمكنت إيران من إنجازه سيغدو داعما رئيسيا لميليشياتها في سوريا، ولاستخدامه في عمليات التهريب وتمويه عمليات تصنيع ونقل الأسلحة. أي تعزيز بنيتها العسكرية هناك".

في المقابل وعلى مدى السنوات الماضية كانت هناك معضلة كبيرة لنقل البضائع الإيرانية إلى سوريأ، سواء جوا أو عبر البحر، ولذلك سيمّكن مشروع الربط السككي طهران في عملية "نقل سلعها لكي تغزو الأسواق السورية".

"هذا الغزو السلعي ربما يتكئ على نفوذ الميليشيات في المدن الكبرى في دمشق وحلب ودير الزور"، فيما يضيف العبد الله أن "الربط سيخفض أيضا تكاليف نقل البضائع والسلع من طهران للمتوسط، وربما سيستخدم لزيادة الصادرات الإيرانية وتعزيز النفوذ الاقتصادي الإيراني في الأسواق السورية".

من جانبه يرى الباحث في الشؤون الإيرانية محمود البازي أن "أهم أهداف المشروع السككي هو ربط إيران بموانئ سوريا على البحر المتوسط ومن ثم العمل على الوصول إلى أوربا عبر هذه الموانئ".

كما تهدف إيران إلى "نقل الزوار الإيرانين عبر السكك الحديدية إلى العراق، مع وصل هذا المسار بالدول العربية الأخرى كالأردن ولبنان، وتعزيز التجارة ونقل البضائع بين إيران والعراق وسوريا واعتماده لنقل البضائع".

ويتختلف البازي من زاوية عسكرية، إذ يرى أن "طهران لن تخاطر في الخط السككي لنقل الأسلحة، لأن إسرائيل سوف تستهدفه بشكل مباشر".

ويقول إن "إيران لديها وسائلها وطرقها الخاصة لنقل الأسلحة ولن تغامر بهذا الطريق الحيوي أبدا".
من سيمول الربط؟

وحتى الآن ورغم التأكيد الإيراني على مشروع الربط السككي مع العراق وسوريا، إلا أن طريقة التمويل تبدو غامضة، وما إذا كانت تكلفته ستكون من جيب طهران فقط أن ستتقاسمها مع بغداد ودمشق.

ويوضح الباحث البازي أن "التمويل ليس بالمبلغ الكبير، لأن المسار المعطل والمهم حاليا هو الشلامجة-البصرة وتبلغ تكلفة بنائه أقل من 250 مليون دولار".

وتحاول إيران في الوقت الحالي "تنفيذ الجزء الخاص بالأراضي العراقية أولا ثم الانتقال إلى تنفيذه داخل سوريا".

ويقول الباحث السوري العبد الله من زاوية تقنية إن "إيران تمتلك الشركات للشروع بمثل هذه المشاريع، لكن يبق المعوق الأساسي هو كيفية التمويل".

وهناك بعض الطروحات الإيرانية السابقة التي تشير إلى "إمكانية طرح سندات مالية ومشاركة الناس والعامة به". ومع ذلك يعتقد الباحث السوري أن "الأمر أكبر من ذلك، لأن الناس سيحجمون عن ذلك في دول ما تزال غير آمنة ومستقرة، وبالتالي لن يقبلوا على شراء السندات".

وهناك طروحات أخرى بأن "تقوم الشركات مثل البنيان المستضعفين التابعة للحرس الثوري الإيراني بالقيام بالتنفيذ بشكل كامل وتمويله". ويعتقد العبد الله أن "هذا الخيار كبير وهو المتاح"، كون الشركة لها نفوذ أمني وميليشيات على طول الخط.

علاوة على ذلك توجد خيارات إضافية مثل أن "يرتبط تنفيذ الخط في سوريا بخط ائتماني جديد للنظام السوري، كما جرت العادة في السنوات الماضية".

ويعتقد العبد الله أن "نظام الأسد لن يمانع لمثل هذه الخطوة، كون المشروع سيخدمه اقتصاديا ويدعمه كترويج إعلامي بين مناصريه، بأن الربط السككي سيخدم الناس والوضع الاقتصادي، من خلال التبادل التجاري والسلعي".

من جانب آخر يرى الباحث السياسي العراقي مشروع الربط بـأنه "استباقي لإمكانية بناء مشروع الشام الجديد أو الهلال الخصيب بين العراق وسوريا".

"هناك آمال للشعوب في المنطقة بأن تنتج مشروعا، كون سوريا والعراق امتداد لبلاد الرافدين وهناك تقارب اجتماعي وثقافي والبعض يحتاج للآخر رغم وجود الإشكالات"، بينما تريد إيران أن "تستبق الفرصة لكي تسيطر على المنطقة".

"إيران تفكر بمستقبل 100 عام من الآن، وبالتالي تريد تهميش وابتلاع الدولتين، والنقل سيكون الوسيلة الأساسية لقمع أي قوة قادرة على التأثير في المستقبل".

ويضيف الهيتي: "ستستخدم الشعار الديني في إرسال ما يسمى بالزائرين والحجاج لكنها في الحقيقة ستضخ كميات من البشر للمناطق السورية والعراقية، وتجعلهم أمام عبء أمني واقتصادي وديمغرافي ومستقبلي ووجودي".

واعتبر الباحث العراقي أن "أميركا تلكأت كثيرا في سياستها لمواجهة إيران، وعليها أن تنتبه على هذه المشاريع وأن العسكرة لن تكون قادرة على إيقافها"، ولذلك "يجب دعم قوى سياسية على الأرض، كأفضل الطرق لوقف المد الذي وصل إلى مرحلة متنامية جدا".

 من جانبه يوضح الباحث السوري العبد الله أن "الوجود الإيراني في سوريا الآن بدأ يرتبط ربما بالمزاج الدولي، وخاصة من ناحية تثبيت مناطق النفوذ التي قد تمتد لسنوات".

وما سبق "سيشجع إيران على تنفيذ المشاريع الاستراتيجية، ومن ضمنها خط السكك الحديدية، من أجل دعم نفوذها مستقبلا"، وفق ذات المتحدث.

مواضيع ذات صلة:

فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.
فقد تنظيم داعش مصدر تمويله الرئيسي، النفط، بعد خسارته لأراضيه في سوريا والعراق.

يبدو تنظيم داعش، عندما يتعلق الأمر بالتمويل والبحث عن مصادر دخل تنعش موارده المتدهورة، أشبه بكيان متمرس في عالم المافيا والجريمة المنظمة. الكثيرون، بمن فيهم أمراء كبار، انشقوا عنه حينما صدمتهم هذه الحقيقة. 

قيادة التنظيم نفسها تدرك جيدا أن تسليط الضوء على هذا الجانب من نشاطات التنظيم يقوض الصورة التي رسمها لنفسه أمام أتباعه وأنصاره. لذلك لم يتبنَّ يوما أي عملية قتل أو تخريب قام بها باسم جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية" رغم أن جزءا من جهوده، لا سيما في شرق سوريا، مكرس لهذا النشاط الشنيع.

 

الكلفة السلطانية

 

منذ خسارة التنظيم للمساحات الشاسعة التي كان يسيطر عليها في سوريا والعراق، وما نجم عن ذلك من فقدانه لما تدره عليه المعابر وحقول النفط من موارد مالية كبيرة، فَعّل التنظيم عددا من "الخطط الاقتصادية" البديلة كان من بينها جباية ما يسميها "الكلفة السلطانية".

تعد " الكلفة السلطانية" نشاطا مدرا للدخل إلى جانب نشاطات أخرى ضمن "اقتصاد الحرب" تضخ في خزينة التنظيم أموالا طائلة، مثل التهريب، والاختطاف، وتجارة الآثار، والسطو على البنوك ومحلات الصرافة، واستحواذه على احتياطات العملة الصعبة والذهب في المدن التي اجتاحها، ونهب ممتلكات الطوائف الأخرى وغيرها.

تزامنت ثورة مواقع التواصل الاجتماعي مع الصعود السريع لتنظيم داعش عام 2013.
"داعش".. خلافة رقمية يطوقها مارد الذكاء الاصطناعي
الشركات التكنولوجية الكبيرة شرعت منذ 2017 في الاعتماد كليا على خوارزميات الذكاء الاصطناعي لرصد وحذف المواد التي تروج للتطرف العنيف على منصاتها، بينما اقتصر دورها في السابق على تكميل جهود فرق بشرية يقع على عاتقها عبء هذه العملية برمتها.

لعدة سنوات ظل التنظيم يجمع " الكلفة السلطانية" لاسيما في مناطق الشرق السوري، حيث تنتشر حقول النفط، والمساحات الزراعية، وممرات التهريب، والمتاجر ومحلات الصرافة. لكنه لم يكن يتحدث عن ذلك لا في إعلامه الرسمي ولا الرديف، بل وتحاشى الاشارة إليها حتى في مراسلاته الداخلية، لأنه يدرك أن جدلا محموما سينتج عن ذلك، وسيحتاج إلى فتاوى دينية وجهود دعائية كبيرة لإقناع أتباعه بـ"وجاهة" أفعاله، وقد خرج أعضاء سابقون في التنظيم ونشروا على قنواتهم الرقمية "أن إرغام المسلمين غصبا وبحد السيف على إعطاء جزء من حلالِهم لثلة من المفسدين في الأرض هو عمل عدواني لا يقوم به إلا أهل البغي وقطاع الطرق".

 

ضريبة على رعايا الخليفة!

 

ينبغي التفريق هنا بين ما ينهبه التنظيم ممن يعتبرهم "كفارا ومرتدين" والذي يسميه ب"الفيء" و"الغنيمة" وبين ما يجبيه باسم "الكلفة السلطانية". فالكلفة السلطانية هي ضريبة يؤديها "المسلمون ورعايا الخليفة" بالقوة والإكراه، أي أن المستهدفين بها هم في عرف التنظيم من المسلمين الذين "لا تحل أموالهم ودماؤهم" ولا تدخل "الكلفة السلطانية" أيضا ضمن الزكاة الواجبة التي تتم جبايتها قسرا من المسلمين من طرف أمنيي التنظيم.

وبعد انكشاف أمر عمليات السطو والنهب هذه لم يجد التنظيم بدا من الحديث عنها في مراسلاته الداخلية، وانتداب أحد شرعييه لصياغة فتوى لتسويغها من الناحية الدينية.

صاغ أبو المعتصم القرشي، وهو أحد كوادر "المكتب الشرعي" لـ"ولاية الشام" فتوى مطولة في 12 صفحة، وحشد فيها مجموعة من النصوص الدينية والقواعد الأصولية التي اعتبرها "أدلة شرعية" على جواز نهب أموال المسلمين بالقوة والإكراه!.

عَرّف القرشي الكلفة السلطانية بأنها " الأموال التي يطلبها الإمام من الناس لأجل مصلحة شرعية". ولعجزه عن إيجاد نصوص قطعية من الكتاب والسنة لتبرير هذه "البدعة الداعشية"، فقد لجأ إلى القواعد الأصولية من قبيل" يُتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام" و" درء المفاسد مقدم على جلب المصالح"، و" تفويت أدنى المصلحتين لتحصيل أعلاهما"، و"ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب".

يعني هذا ببساطة أن مصلحة استمرار عمليات التنظيم والحفاظ على قوته ومقدراته مقدمة على مصالح الناس الأخرى، وأن تواصل عمليات التنظيم باعتبارها "جهادا مقدسا"  إذا لم يتم إلا بالسطو على أموال الناس فيجب السطو عليها.

أكد القرشي في نص فتواه جواز استخدام العنف والقوة لجباية الأموال، قائلا: "لا شك أن المال عصب الجهاد، والإعداد لا يكون إلا به، فتحصيله وتوفيره واجب على الإمام ولو بالقوة والإكراه"، ومن امتنع عن أداء "الكلف السلطانية جاز للإمام أو من ينوب عنه أن يعزره بشكل يكون رادعا له ولغيره حتى يؤدي ما عليه من الحقوق المالية في هذا الشأن".

أما الفئات الاجتماعية المستهدفة بهذه الضريبة، فقد قدم أبو المعتصم سردا طويلا بأصحاب المهن والمحلات التجارية والأطباء والصرافين والفلاحين والمدارس والكليات وتجار الدجاج والبيض وتجار المواشي والمستشفيات. ولم يترك أي نشاط مدر للدخل إلا وأشار إليه ضمن الذين فرض عليهم دفع "الكلف السلطانية"، ولم يستثن سوى أصحاب البسْطات على الأرصفة.

أخطر ما في الفتوى هو أن الممتنع عن أداء ما يطلبه التنظيم من أموال سيكون مصيره القتل والحكم عليه بالردة، و" طريقة استخدام القوة تتفاوت حسب المعاندة والممانعة بين التهديد، والإتلاف لبعض المال، أو التعزير، أو التغريم المالي وحتى الجسدي، ثم القتل إذا استعان الممتنع بشوكة الكفار والمرتدين على المجاهدين فعندها يُطبق عليه حكم الردة" حسب تعبير أبي المعتصم القرشي.

 

معاناة الناس في شرق سوريا

 

في شرق سوريا، يتم استخلاص هذه الضريبة بعد توجيه رسائل تهديد بأرقام دولية عبر تطبيق واتساب إلى المعنيين، وتخييرهم بين دفع "السلطانية" أو مواجهة خلايا الاغتيال، بعد تخريب ممتلكاتهم وتقويض مشاريعهم التجارية والاستثمارية.

وحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، فقد ارتفعت هذا العام نسبة تلك الضرائب إلى حد كبير جداً مقارنة بالسنوات الفائتة، حتى بلغت نحو 616 ألف دولار من تجار النفط والمستثمرين.

وحصل المرصد على إفادة من أحد العاملين في شركة مستثمرة في قطاع النفط في المنطقة الشرقية (دير الزور) تقول بأن الشركة رفضت دفع كامل المبلغ المطلوب منها تحت مسمى "الكلفة السلطانية"، والتي قدرها التنظيم بنصف مليون دولار أميركي، ودفعت بدلها 300 ألف دولار، لكن التنظيم هدد سائقي صهاريج المحروقات التي تعمل لصالح الشركة بالاستهداف إذا لم يتم دفع المبلغ كاملا في غضون أسابيع، ولم يعد لدى الشركة خيار آخر سوى تدبير ما تبقى من المبلغ.

مستثمر آخر في قطاع النفط توصل برسالة عبر تطبيق الواتساب من رقم دولي مفادها بأن عليه دفع "الكلفة السلطانية" البالغ قدرها 75 ألف دولار، وعدم إخبار أي جهة تابعة لقسد أو التحالف الدولي بذلك ووجهت له تهديدات في حال التبليغ أو عدم دفع المبلغ خلال أسبوع، وأن خلايا التنظيم ستقوم بزرع عبوة في سيارته أو حرق بئر النفط الذي يعود له.

ولفت المرصد إلى أن خلايا داعش في بادية ريف دير الزور الشرقي تفرض ضرائب تتراوح بين 1000 و3500 دولار، في مناطق ذيبان وحوايج ذيبان وجديد بكارة، على المستثمرين الذين يعملون على توريد المحروقات إلى "سادكوبى" التابعة للإدارة الذاتية في دير الزور.

يعمد التنظيم أيضا إلى حرق المحاصيل الزراعية التي تعود للفلاحين الذين رفضوا الرضوخ لابتزازه ودفع الأموال التي يطلبها منهم، ورمي القنابل اليدوية على منازل الأثرياء، وعيادات الأطباء، وقد هرب عدد من الأطباء من المنطقة الشرقية بعدما أثقل التنظيم كاهلهم بالضرائب و"المكوس"، ولا سيما وقد وضعهم في رأس قائمة أهدافه لأنهم -حسب اعتقاده- يجنون الأموال أكثر من غيرهم.