بإمكانيات بسيطة، يعمل عازف العود محمد حمدلس (33 عاما) في مشغله في مدينة الرقة شمال سوريا بتصنيع آلات عود متميزة، في مهنة طورها بنفسه واكتسب فيها المعرفة والخبرة، دون أي خلفية سابقة عن هذه الآلة التي تعلم العزف عليها من دون معلم، وكان أول من أدخل العود إلى محافظة الرقة.
إلى جانب صناعة العود، يقوم محمد بتعليم أطفال الرقة مجانا على العزف، وشكل فرقة تعزف على مختلف الآلات، كما أسهم بنشر ثقافة الموسيقى في المدينة المنكوبة التي كانت تحت سيطرة تنظيم داعش.
يقول محمد في حديثه لـ"ارفع صوتك": "بدأت بصناعة العود منذ سنة تقريبا، وهي مهنة تعلمتها لوحدي في منزلي القديم، لم أكن حينها أملك ثمن الخشب ولا ثمن أي معدات لذلك، فساعدتني زوجتي ببيع حلقها (قرطي الأذنين) وكان الشيء الوحيد الذي نملكه حينها، فأحضرت بثمنه قليلا من الخشب، وبدأت بتصنيع أول عود على سبيل التجربة، والحمد لله نجحت في هذا الامتحان".
ويبين أنه اختار هذه المهنة لأنها غير موجودة في محافظة الرقة، ولا يوجد لدى الناس في المحافظة أي خلفية ثقافية عن الآلات الموسيقية، خاصة بعد تحريرها من تنظيم داعش.
وعن بداياته يقول: "تعلمت الموسيقى لوحدي منذ الصغر، وشد انتباهي ما كنت أسمعه من أصدقاء إخوتي الكبار عن الموسيقى والمقامات عندما كنت طفلا، فكنت أستمع وأحفظ ما يقولونه، وفي عمر الحادية عشرة، صنعت خشبة على شكل عود بوتر واحد، وطبقت عليها أبعاد المقامات بشكل سري عن طريق السمع فقط، وبعدها سافرت إلى مدينة حمص عام 2010، وهناك رأيت آلة العود لدى أحد الأصدقاء وسحرني منظرها، ولم أجد نفسي إلا ممسكا بالعود واحتضنته، وبدأت العزف عليه تلقائيا، ولاحقا بدأت بتطوير نفسي أكاديميا في الموسيقى".
تعليم مجاني
يوضح محمد أنه كان بحاجة إلى عمل يعتاش منه في محافظة مدمرة تحررت للتو من سيطرة داعش، وكونه يحب العود قرر العمل على صناعته، مردفاً "شاء القدر أن أكون أول شخص يُدخِل هذه المهنة إلى محافظتي، من دون دعم وبإمكانيات شبه معدومة، فبدأت بنفسي أصنع بطريقة بدائية جداً إلى أن وصلت إلى نوعية الصوت التي شعرت أنني راض عنها".
ويتابع: "المميز في أعوادي أنها فراتية، وأصبح الآن هناك عود فراتي صوته يشبه صوت مياه نهر الفرات. أصنع الآلات من أخشاب منطقتي الفراتية، والعود الفراتي له نكهة خاصة به من حيث الشكل والتصميم والصوت".
يقوم محمد بتعليم الموسيقى لأبناء محافظته مجانا، حتى أصبح هناك انتشار واسع للعود في المحافظة. يقول: "استطعت تعليم عدد كبير، وشكّلت فرقة من طلاب يعزفون على مختلف الآلات، والآن بعد سنة من بداياتي، أصبح هناك انتشار واسع للعود في المحافظة، وأسمع الجميع يقولون إن محافظة الرقة أكثر محافظة مليئة بالأعواد، لأني أبيع بسعر يناسب الجميع حتى الفقراء، وأحيانا أقدم أعواداً مجانية للأطفال، محاولا أن أكون سببا في تغيير مسار حياتهم تجاه الموسيقى".
وعن العوائق التي يواجهها، يشرح محمد: "أنا موجود في محافظة منكوبة بعد القصف وسيطرة داعش والزلزال، والناس هنا يبحثون عن لقمة العيش، لذلك مهمتي صعبة في نشر الموسيقى، لكنني أسير على هذا الطريق الذي نذرت حياتي لأجله، ونجحت رغم الصعاب وأصبح عدد طلابي ما أكثر من مئة، وكلهم عازفون جيدون، ولكن يبقى العائق الأساسي الوضع المادي ونقص الدعم من الجهات المسؤولة، إذ أحتاج لأنواع من الأخشاب وأحتاج إلى آلات تساعد في تطوير عملي، ليكون لي اسم في عالم الأعواد الاحترافية، فأنا على استعداد لجعل عود الرقة العود الأول في العالم عند توفر الدعم المناسب".
يتذكر صانع العود أصعب اللحظات وأجملها في حياته: " حين باعت زوجتي حلقها من أجل أن أحضر خشبا لأصنع أول عود، وحين نجح أول عود رقاوي لي، إذ بعته وأحضرت بثمنه الحلق ذاته الذي باعته زوجتي، وأحضرت خشبا وصنعت عودا آخر في منزلي القديم".
كما دفعه الشغف بالعود إلى السعي لافتتاح ورشة، ولكن لم يكن لديه ما يكفي من المال، فباع منزله واستأجر منزلاً ومحلاً، واشترى آلات بسيطة تساعده في هذه الصناعة.
"بدأت رحلتي في صناعة العود منذ سنة تقريبا وتوصلت إلى تصنيع آلة بصوت مميز وقالب معين يخصني، وبما أنني لم أتعلم من أحد، صنعت شخصية مميزة للعود الفراتي لا تشبه أي أعواد أخرى، وأنا الآن أحاول في كل عود أصنعه أن أجعله يحمل شيئا جديدا ومختلفا عن العود الذي قبله"، يضيف محمد.
ويرى أن "الموسيقى رسالة وليست تجارة، وهي وعلم ليس حكرا على أحد"، لهذا يقوم بنشر الموسيقى وتعليمها مجانا".
يختم محمد حديثه بالقول: "منذ عام فقط لم يكن في محافظة الرقة سوى عازفين أو ثلاثة واليوم هناك أكثر من مئة شخص يعزفون، وجميعهم طلابي وطلاب طلابي، فأنا حين أعلم أحدهم لا أطلب مقابلا، بل أطلب منه تعليم خمسة أشخاص آخرين، فكما علمته عليه أن يعلم غيره، وهكذا أجعل من تعلم هذا الفن سلسلة لا متناهية، وهي أسرع وأفضل طريقة لنشر الموسيقى".
