People walk past an election banner of Kemal Kilicdaroglu in Istanbul
من مظاهر الدعاية الانتخابية في تركيا- تعبيرية

تدعم تركيا فصائل الجيش الوطني المعارض الذي ينتشر شمال غرب سوريا، كما تحتفظ بقواتها ضمن نقاط عسكرية في محافظتي حلب وإدلب ومناطق في شمال سوريا ما بين منطقتي تل أبيض ورأس العين، وتحتضن أيضا الائتلاف الوطني السوري على أراضيها حاليا.

وخضعت السياسة التركية الخارجية منذ 2011 لتغييرات جوهرية في آلية التعامل مع الأزمة السورية، من الاحتواء ومحاولة لملمة التطورات، إلى القيادة من الخلف عبر دعمها للمعارضة السورية وتسهيل تحركها، وصولا إلى التدخل المباشر ضد داعش وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو ما تعتبره جناح حزب العمال الكردستاني في سوريا، بموازاة دعمها مفاوضات أستانا مع روسيا وإيران، التي كان من مخرجاتها بروز مصطلح "الدول الضامنة" فباتت دولة ضامنة للمعارضة العسكرية في ما يخص خفض التصعيد.

وعلى الرغم من هذه التحولات إلا أن أنقرة لم تعلن حتى الآن موقفا آخر لحل الأزمة لا يتماشى مع  القرار الأممي رقم "2254"، كما أنها تقدم تدخلها في سوريا تحت إطار أمني فقط يتعلق بمحاربة التنظيمات التي تصنفها "إرهابية" وتشكل "خطرا بالغا" على حدودها، كما تؤكد أن استقلال سوريا ووحدة أراضيها هدفها الأساسي. 

Election campaigns ahead of the May 14 Turkish elections
ناشط سوري: خوف بعض السوريين الأتراك من الانتخاب "غير مبرر"
ورغم ضآلة نسبة القادرين منهم على التصوي، التي لا تتجاوز 0.2% من نسبة المقترعين في عموم البلاد، وعدم إمكانية أن يحدث صوتهم فرقا يُذكر، إلا أن العديد منهم مصرّون على ممارسة حقهم بالانتخاب بحرية وديمقراطية كأتراك، خلافا لما اعتادوا عليه سابقا في سورياً.
أنصار إدوغان يلوحون بالأعلام التركية وأعلام حزب العدالة والتنمية بإسطنبول في 9 مايو 2023
السوريون الأتراك.. مصوتون "استثنائيون" في انتخابات الرئاسة والبرلمان
من بين أكثر من 64 مليون ناخب سيدلي أكثر من مئة ألف مواطن من "السوريين الأتراك" بأصواتهم في انتخابات الرئاسة والبرلمان في تركيا يوم 14 مايو، ورغم أن هذا الرقم يبدو صغيرا بالنظر إلى الإجمالي إلا أن أصحابه يرون أنفسهم "فئة استثنائية"، وأنهم "حاضرون وغائبون" في آن واحد.

ووسط المناخ الحالي المترقب لنتائج الانتخابات، التي ستجرى الأحد المقبل، تبدو الأمور ضبابية في مناطق المعارضة السورية التي شهدت احتجاجات خلال الأشهر الأخيرة ضد "محاولات التقارب التركي مع النظام السوري"، ودفعت بعض المسؤولين الأتراك لتقديم رسائل تطمئن السوريين المناوئين لرئيس النظام بشار الأسد، بأن ما يجري لن يشكل ضررا عليهم داخل تركيا وفي مناطق الشمال السوري، حيث طمأن وزير الدفاع التركي خلوصي آكار أنه "لا داعي للقلق على الإطلاق، فليس من الوارد بتاتا أن نتخذ إجراءا أو نتعهد بالتزام من شأنه أن يضعهم في مأزق" بحسب قوله.

يؤكد الباحث في مركز "تحليل السياسات" محمود علوش، لـ"ارفع صوتك"، أن مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون لها تداعيات كبيرة على الملف السوري، خصوصا إذا ما كان هناك تحول سياسي أدى إلى فوز المعارضة التركية.

ويقول: "حتى مع استمرار الرئيس رجب طيب أردوغان في السلطة، فإن المرحلة الحالية تشهد تحولا في طبيعة الموقف التركي بعد الدخول في حوار مع دمشق، وهذا التحول يفرض بعض التغيرات على طبيعة تعامل أنقرة مع حلفائها في سوريا".

"ومن غير المستبعد أن يكون هناك تخلٍ تركي عن المعارضة السورية بالكامل في عهد أردوغان، لكن ستكون لتركيا مقاربة مختلفة في ما يتعلق بمسألة وجودها في سوريا ترتبط بشكل أساسي بطريقة التحولات التي يمكن أن تطرأ على العلاقة"، يضيف علوش.

وفي ما يتعلق باحتماليات الانسحاب العسكري التركي من سوريا، يرى علوش أن "الانسحاب الفوري غير مرجح في حال وصلت المعارضة إلى السلطة، لأن الوجود العسكري مرتبط بقضايا معقدة مرتبطة بالأمن القومي التركي، وقد تتبنى المعارضة سياسات منفتحة بشكل أكبر مع النظام السوري، لكن بطبيعة الحال لن يحصل تسريع في عمليات الحوار على حساب التواجد العسكري التركي شمال سوريا على الأقل في المستقبل المنظور".

ويتابع: "هناك عمليات حوار معقدة جارية حالياً بين الطرفين، يتوقع تقدمها بعد الانتخابات، سواء ببقاء أردوغان أو رحيله عن السلطة. وتسعى تركيا للتوصل إلى اتفاق مع النظام السوري يتعلق بتحقيق ثلاث أهداف أساسية، أولها مسألة مواجهة المخاطر الأمنية التي تهدد تركيا في حدودها الجنوبية، وثانيها المساعدة في إعادة طوعية للاجئين السوريين، وثالثها الدفع بعملية التسوية السياسية".

"بالتالي يمكن أن تفضي العلاقات الجديدة المحتملة والنتائج المتقدمة إلى بعض التحولات على الأرض كتسليم مناطق يريدها النظام أو السماح بانتشار عسكري له في بعض المناطق الحدودية مع الجانب التركي"، بحسب علوش.

من جهته، يرى الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية والطيران، إسماعيل إيوب، أن "فصائل الجيش الوطني المعارض شمال سوريا لم يكن لديها خيارات قبل الانتخابات حتى تملك خيارات ما بعد الانتخابات".

ويقول لـ"ارفع صوتك": "لدي ضباط زملاء انشقوا عن النظام هناك لكن فصائل الجيش الوطني ليس فصائل وطنية بالمفهوم العام، هي فصائل تتبع للأجندة التركية وتتعامل مع الأمور حسب هذه الأجندة وما يقتضيه الموقف التركي، وهذا واضح منذ عدة سنوات حتى هيئة تحرير الشام تنفذ بشكل أو بآخر أجندة مماثلة حتى لو كانت لا تُقاد من أنقرة".

وبحسب إيوب "لا نستطيع أن نحكم على الشعارات الانتخابية لكلا الطرفين في تركيا، لكن حتى مع وصول المعارضة إلى السلطة فإنها ستتبنى نفس السياسة المتبعة، والتغييرات التي تحصل في شمال سوريا لا تنبع من الإرادة للدولة التركية بل تنبع من إيحاءات غربية عما يمكن أن يتم في هذه المنطقة".

ويعتبر أن أعضاء الائتلاف عبارة عن "موظفين يتقاضون رواتب ولا يمتلكون خيارات أو خطة بديلة من الأساس، لأن لا قرار سياسي أو عسكري لديهم، كما ليس لهم وزن في المعادلة السياسية".

في تالسياق نفسه، يقول الخبير العسكري والسياسي السوري رشيد حوراني، إن هيئة تحرير الشام وما تمتلكه من إمكانيات وفي ظل قراءة خطاب زعيمها المتكررة خلال الفترة الأخيرة، تعتبر منطقة شمال سوريا من "مكتسبات الثورة" وأنها قادرة على حمايتها.

ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن "الهيئة بسبب هيكلتها الجديدة المؤلفة من عشرة ألوية مقاتلة قادرة على فرض حالة معينة تجبر القوى المحلية والخارجية على التعامل معها".

ويؤكد "أن هناك مخاوف لدى المعارضة السورية بخسارة داعم رئيس في حال خسر أردوغان الانتخابات، حتى إن كانت هناك ملاحظات حيال سياسات أنقرة، إلا أن النظام الحاكم الحالي فتح نافذة للقوى السورية المعارضة إلى العالم الخارجي".

مواضيع ذات صلة:

مستشفى في العاصمة السورية دمشق
صورة تعبيرية من داخل إحدى مستشفيات دمشق

تعود أخبار الأخطاء الطبية إلى واجهة التداول في سوريا مع كل حادثة جديدة يفقد فيها المريض حياته، فيما تبقى الأسباب والمعالجات خارج نطاق الاهتمام، في بلد تعاني المنظومة الصحية فيه كغيرها من القطاعات، انهياراً غير مسبوق.

وخلال الأيام الماضية ضجّت صفحات سورية على مواقع التواصل بخبر وفاة شاب يدرس في كلية الطب بجامعة دمشق اسمه أحمد رعد المصري بسبب خطأ طبّي في أحد مشافي العاصمة.

ونقلت مواقع محلية عن عمّ الشاب مؤيد المصري، أن ابن أخيه تعرض لإصابة في الكبد بسبب فيروس انتقل إليه أثناء تجربة كان يجريها في مختبر الجامعة، فتم نقله إلى "المستشفى السوري التخصصي"، وهناك لم يقم الكادر الطبي بإجراء تحاليل أو استشارة قلبية، وبعد بقائه 12 يوماً أُجريت له عملية تنظير في البطن، فتوفّي على أثرها.

ورغم مناشدات مؤيد لاتخاذ الإجراءات العقابية الخاصة بالمسشفى، إلا أن الجهات التابعة لحكومة النظام السوري لم تعلن حتى الآن اتخاذ أيّ إجراء.

في 21 مارس الماضي تُوفيت الشابّة لانا فيض الله رجب، من مدينة قدسيّا، إثر وقوع خطأ طبي أثناء خضوعها لعملية جراحية في إحدى المشافي بالعاصمة دمشق، وقبلها في منتصف فبراير الفائت تُوفيت امرأة من مخيم جرمانا للاجئين الفلسطينيين، بعد تعرضها لخطأ طبي في مستشفى "المجتهد" الحكومي في دمشق أيضاً.

"استهتار بحياة الناس"

لا تُقدّم وزارة الصحّة في مناطق النظام إحصائيّات دقيقة لهذه الحوادث، غير أن رئيس فرع نقابة الأطباء في دمشق عماد سعادة تحدّث أواخر عام 2023، عن معالجة 100 شكوى وردت إلى النقابة بحق أطباء واتخاذ قرار نهائي فيها، إما بوجود خطأ طبي أو اختلاط.

وبيّن لصحيفة "الوطن" الموالية للنظام، أنه بموجب بعض تلك الشكاوى "تم اتخاذ قرار نهائي بإحالة بعض الأطباء إلى المجلس المسلكي وهناك أطباء تم إيقافهم عن العمل لفترة محددة إضافة إلى إيقاف أحد الأطباء عن العمل لمدّة ثلاث سنوات".

"ارفع صوتك" التقى بطبيب مختص يعمل في مشفى "المواساة" بدمشق، فضّل عدم ذكر اسمه لأسباب أمنية. يقول الطبيب إن "الأرقام أو الحوادث التي يتم الإعلان عنها في مواقع التواصل لا تعبّر عن حقيقة الوضع في مشافي الحكومة السورية التي باتت كأنها مسالخ بشرية".

يروي: "خلال جائحة فيروس كورونا عاينتُ ما لا يمكن وصفه من الاستهتار الطبي بحياة الناس، الذين قضى كثير منهم نحبه في المشفى لأسباب يمكن تخطّيها مع القليل من الاهتمام والمعرفة. دخل إلى المشفى آنذاك أشخاص يحملون فيروسات الكريب (الرشح) الموسمية الطبيعية، غير أن التخبّط وفقدان النُّظم الطبّية المعروفة، أخرجتهم من المشفى جثثاً هامدة".

ويشير الطبيب إلى أن "الكثير من أهالي الضحايا لا يصرّحون بما يحصل معهم، إما خوفاً من المُساءلة، أو يتمّ إقناعهم بأنها حوادث قضاء وقدر اعتيادية" وفق تعبيره.

في السياق ذاته، يقول الطبيب مازن عبودي، اختصاصي أمراض القلب، الذي يقيم حالياً في إسطنبول التركية، إن الأمر سيّان بالنسبة للأخطاء الطبية بين المشافي العامة والخاصّة، موضحاً
"يلجأ الكثير من السوريين إلى المشافي الخاصة رغم أجورها الباهظة خوفاً من الدخول للمشفى الحكومي، غير أن النتائج لا تختلف كثيراً في ظل سوء البنية التحتية والتجهيزات اللازمة للمستشفيات، ونقص الكوادر الطبية المؤهّلة، والأهم هو غياب الرقابة والمحاسبة".

وكان الطبيب السوري غادر دمشق قبل نحو عامين، بعد عمله لسنوات في مستشفيات عمومية وخاصّة، بحكم قلّة عدد الأطباء والاختصاصيين في مناطق النظام نتيجة الهجرة المستمرة منذ سنوات إلى خارج سوريا.

يضيف عبودي لـ"ارفع صوتك" أن "الطبيب المشرف وحده لا يستطيع ضبط كل مفاصل العلاج للمريض، مع وجود كوادر غير مؤهّلة، أو مع غلبة النزعة التجارية في المشافي الخاصة". 

"فالكثير من الأخطاء الطبية المهدّدة للحياة تحصل عادةً في غرف العمليات بسبب ندرة أطباء التخدير في مناطق الحكومة السورية من جهة، والتعاطي التجاري البحت مع المريض من جهة ثانية، حيث تختار بعض المشافي الخاصة منتجات دوائية أو جراحية من الدرجة الثالثة أو الرابعة، لكي يبقى بمقدور ذوي المريض تأمين فاتورة العلاج"، يوضح عبودي.

وقريباً من حديثه، كانت رئيسة رابطة أطباء التخدير وتدبير الألم في نقابة الأطباء السوريين زبيدة شموط، قالت في تصريح صحافي، إن "معظم الأخطاء الطبية تكون بسبب عدد من المشافي الخاصة باعتبار أنها تعتمد في كثير من الأحيان على فنيي التخدير وليس أطباء تخدير".

وطالبت وزارة الصحة في حكومة النظام أن تعزز دورها الرقابي في المستشفيات الخاصة، مضيفةً "من الملاحَظ أن جمعية المشافي الخاصة هي التي تدير الوضع في هذه المشافي والوضع لم يعُد طبيعياً".