تدعم تركيا فصائل الجيش الوطني المعارض الذي ينتشر شمال غرب سوريا، كما تحتفظ بقواتها ضمن نقاط عسكرية في محافظتي حلب وإدلب ومناطق في شمال سوريا ما بين منطقتي تل أبيض ورأس العين، وتحتضن أيضا الائتلاف الوطني السوري على أراضيها حاليا.
وخضعت السياسة التركية الخارجية منذ 2011 لتغييرات جوهرية في آلية التعامل مع الأزمة السورية، من الاحتواء ومحاولة لملمة التطورات، إلى القيادة من الخلف عبر دعمها للمعارضة السورية وتسهيل تحركها، وصولا إلى التدخل المباشر ضد داعش وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) أو ما تعتبره جناح حزب العمال الكردستاني في سوريا، بموازاة دعمها مفاوضات أستانا مع روسيا وإيران، التي كان من مخرجاتها بروز مصطلح "الدول الضامنة" فباتت دولة ضامنة للمعارضة العسكرية في ما يخص خفض التصعيد.
وعلى الرغم من هذه التحولات إلا أن أنقرة لم تعلن حتى الآن موقفا آخر لحل الأزمة لا يتماشى مع القرار الأممي رقم "2254"، كما أنها تقدم تدخلها في سوريا تحت إطار أمني فقط يتعلق بمحاربة التنظيمات التي تصنفها "إرهابية" وتشكل "خطرا بالغا" على حدودها، كما تؤكد أن استقلال سوريا ووحدة أراضيها هدفها الأساسي.
ووسط المناخ الحالي المترقب لنتائج الانتخابات، التي ستجرى الأحد المقبل، تبدو الأمور ضبابية في مناطق المعارضة السورية التي شهدت احتجاجات خلال الأشهر الأخيرة ضد "محاولات التقارب التركي مع النظام السوري"، ودفعت بعض المسؤولين الأتراك لتقديم رسائل تطمئن السوريين المناوئين لرئيس النظام بشار الأسد، بأن ما يجري لن يشكل ضررا عليهم داخل تركيا وفي مناطق الشمال السوري، حيث طمأن وزير الدفاع التركي خلوصي آكار أنه "لا داعي للقلق على الإطلاق، فليس من الوارد بتاتا أن نتخذ إجراءا أو نتعهد بالتزام من شأنه أن يضعهم في مأزق" بحسب قوله.
يؤكد الباحث في مركز "تحليل السياسات" محمود علوش، لـ"ارفع صوتك"، أن مرحلة ما بعد الانتخابات ستكون لها تداعيات كبيرة على الملف السوري، خصوصا إذا ما كان هناك تحول سياسي أدى إلى فوز المعارضة التركية.
ويقول: "حتى مع استمرار الرئيس رجب طيب أردوغان في السلطة، فإن المرحلة الحالية تشهد تحولا في طبيعة الموقف التركي بعد الدخول في حوار مع دمشق، وهذا التحول يفرض بعض التغيرات على طبيعة تعامل أنقرة مع حلفائها في سوريا".
"ومن غير المستبعد أن يكون هناك تخلٍ تركي عن المعارضة السورية بالكامل في عهد أردوغان، لكن ستكون لتركيا مقاربة مختلفة في ما يتعلق بمسألة وجودها في سوريا ترتبط بشكل أساسي بطريقة التحولات التي يمكن أن تطرأ على العلاقة"، يضيف علوش.
وفي ما يتعلق باحتماليات الانسحاب العسكري التركي من سوريا، يرى علوش أن "الانسحاب الفوري غير مرجح في حال وصلت المعارضة إلى السلطة، لأن الوجود العسكري مرتبط بقضايا معقدة مرتبطة بالأمن القومي التركي، وقد تتبنى المعارضة سياسات منفتحة بشكل أكبر مع النظام السوري، لكن بطبيعة الحال لن يحصل تسريع في عمليات الحوار على حساب التواجد العسكري التركي شمال سوريا على الأقل في المستقبل المنظور".
ويتابع: "هناك عمليات حوار معقدة جارية حالياً بين الطرفين، يتوقع تقدمها بعد الانتخابات، سواء ببقاء أردوغان أو رحيله عن السلطة. وتسعى تركيا للتوصل إلى اتفاق مع النظام السوري يتعلق بتحقيق ثلاث أهداف أساسية، أولها مسألة مواجهة المخاطر الأمنية التي تهدد تركيا في حدودها الجنوبية، وثانيها المساعدة في إعادة طوعية للاجئين السوريين، وثالثها الدفع بعملية التسوية السياسية".
"بالتالي يمكن أن تفضي العلاقات الجديدة المحتملة والنتائج المتقدمة إلى بعض التحولات على الأرض كتسليم مناطق يريدها النظام أو السماح بانتشار عسكري له في بعض المناطق الحدودية مع الجانب التركي"، بحسب علوش.
من جهته، يرى الخبير في الشؤون العسكرية والإستراتيجية والطيران، إسماعيل إيوب، أن "فصائل الجيش الوطني المعارض شمال سوريا لم يكن لديها خيارات قبل الانتخابات حتى تملك خيارات ما بعد الانتخابات".
ويقول لـ"ارفع صوتك": "لدي ضباط زملاء انشقوا عن النظام هناك لكن فصائل الجيش الوطني ليس فصائل وطنية بالمفهوم العام، هي فصائل تتبع للأجندة التركية وتتعامل مع الأمور حسب هذه الأجندة وما يقتضيه الموقف التركي، وهذا واضح منذ عدة سنوات حتى هيئة تحرير الشام تنفذ بشكل أو بآخر أجندة مماثلة حتى لو كانت لا تُقاد من أنقرة".
وبحسب إيوب "لا نستطيع أن نحكم على الشعارات الانتخابية لكلا الطرفين في تركيا، لكن حتى مع وصول المعارضة إلى السلطة فإنها ستتبنى نفس السياسة المتبعة، والتغييرات التي تحصل في شمال سوريا لا تنبع من الإرادة للدولة التركية بل تنبع من إيحاءات غربية عما يمكن أن يتم في هذه المنطقة".
ويعتبر أن أعضاء الائتلاف عبارة عن "موظفين يتقاضون رواتب ولا يمتلكون خيارات أو خطة بديلة من الأساس، لأن لا قرار سياسي أو عسكري لديهم، كما ليس لهم وزن في المعادلة السياسية".
في تالسياق نفسه، يقول الخبير العسكري والسياسي السوري رشيد حوراني، إن هيئة تحرير الشام وما تمتلكه من إمكانيات وفي ظل قراءة خطاب زعيمها المتكررة خلال الفترة الأخيرة، تعتبر منطقة شمال سوريا من "مكتسبات الثورة" وأنها قادرة على حمايتها.
ويضيف لـ"ارفع صوتك"، أن "الهيئة بسبب هيكلتها الجديدة المؤلفة من عشرة ألوية مقاتلة قادرة على فرض حالة معينة تجبر القوى المحلية والخارجية على التعامل معها".
ويؤكد "أن هناك مخاوف لدى المعارضة السورية بخسارة داعم رئيس في حال خسر أردوغان الانتخابات، حتى إن كانت هناك ملاحظات حيال سياسات أنقرة، إلا أن النظام الحاكم الحالي فتح نافذة للقوى السورية المعارضة إلى العالم الخارجي".
