ما إن أسفرت الجولة الثانية من الانتخابات التركية عن فوز الرئيس رجب طيب أردوغان حتى تغيرت نبرة الحديث عن اللاجئين. فبعد أشهر طويلة من محاولة جذب جزء كبير من الشارع التركي الرافض لوجود اللاجئين، ومجاراة زعيم المعارضة كمال كليتشدار أوغلو، تشير تصريحات قياديي حزب العدالة والتنمية إلى أن الحزب في طريق العودة إلى خطته التقليدية لإنهاء ملف اللاجئين. لكن هذه المرة مع معطى جديد: حلب.
عودة اللاجئين
كثر الحديث قبل الانتخابات التركية عن لقاء محتمل بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظيره السوري بشار الأسد لتطبيع العلاقات وحل الملفات العالقة بين البلدين، وفي مقدمتها ملف اللاجئين. لكن يبدو أن تتويج أردوغان بولاية رئاسية جديدة أعطى لمسؤولي حزب العدالة والتنمية حرية الحديث عن خطط الحكومة بشأن اللاجئين دون مراعاة لمزاج الناخبين.
في هذا الإطار، صرح إبراهيم قالن رئيس المخابرات في الحكومة الجديدة، لإحدى المحطات المحلية، قائلا إن "عودة اللاجئين يجب أن تكون آمنة وكريمة وعلى أساس طوعي وتوفير بيئة مناسبة لذلك". وأضاف أنه "لا توجد خطط للقاء الرئيسين التركي والسوري على المدى القريب"، مشددا على أن "إجبار مليون لاجئ سوري على العودة الى الحدود التركية السورية سيخلق أزمات جديدة ومأساة إنسانية أخرى".
تغيير اللهجة الرسمية التركية تجاه اللاجئين يعني العودة إلى الحلول التي دافع حزب العدالة والتنمية عن جدواها في السنوات السابقة والمتمثلة في إقامة حزام أمني على طول الحدود السورية التركية، وتشييد مدن ووحدات سكنية في الشمال السوري لاستيعاب العائدين، إضافة إلى معطى جديد رشحت مؤشراته عقب الإعلان عن فوز أردوغان لولاية جديدة وهو "استعادة مدينة حلب".
في مايو من العام الماضي، كشف الرئيس التركي عن خطة إعادة مليون لاجئ إلى سوريا بدعم من منظمات محلية ودولية. وستقام مشاريع سكنية في 13 منطقة، أهمها جرابلس وأعزاز ورأس العين والباب بالتعاون مع المجالس المحلية. ووعدت تركيا ببناء 100 ألف منزل من الطوب في محافظة إدلب قبل نهاية العام ستسلم إلى عشرات الآلاف من اللاجئين العائدين من تركيا.
وفي 24 من ماي الماضي وضع وزير الداخلية التركي سليمان صويلو في جرابلس حجر الأساس لمشروع الوحدات السكنية التي تعتزم تركيا تشييدها في الشمال السوري بدعم من صندوق قطر للتنمية. الوحدات السكنية في جرابلس هي جزء من مشروع يروم بناء حوالي 240 ألف شقة لإيواء مليون لاجئ سوري يعيشون في تركيا.
لكن كل هذه الوحدات السكنية في الشمال، ومنازل الطوب في إدلب، لن تكفي لاستيعاب كل اللاجئين السوريين في تركيا المقدرين بنحو 3.6 مليون لاجئ، عاد منهم فقط حوالي 500 ألف، لأن هناك نسبا كبيرة منهم تنحدر من المناطق التي يسيطر عليها النظام السوري، ولا توجد جهة يمكنها أن تمنحهم ضمانات تامة بعدم ملاحقتهم أو التضييق عليهم في حال عودتهم.
استعادة حلب
تظافرت مؤشرات كثيرة في الأيام الماضية تدفع باتجاه الاعتقاد أن مدينة حلب باتت جزءا من "الحل" الذي تقترحه تركيا لأزمة اللاجئين السوريين لديها. حتى زعيم تنظيم "جبهة تحرير الشام"، المصنفة إرهابيا، أبو محمد الجولاني، قال في لقاء مع وجهاء مدينة حلب أن "استعادة مدينة حلب مسألة وقت". وأردف أن يقوله يعتبر "معلومة" وليس خطابا لرفع المعنويات!
الجولاني، الذي يسيطر فصيلُه على محافظة إدلب ويشرف على "حكومة" موازية في شمال غرب سوريا، يقول إن تغييرا جذريا في الخريطة العسكرية سيشهده الشمال السوري قريبا، وإن التركيز سينصب على مدينة حلب.
على المستوى التركي، وفور الإعلان عن نتائج الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية التركية، غرد إسماعيل ياشا الكاتب التركي المقرب من حزب العدالة والتنمية قائلا إن "الدور على حلب". وأضاف في تغريدة منفصلة أن الطريق إليها سيكون عبر "توحيد الفصائل خلال أيام".
وقد رصد ناشطون في الشمال السوري ما اعتبروه انسحابا عسكريا روسيا من نقاط تمركزه في مدينة تل رفعت في ريف حلب الشمالي ومطحنة الفيصل في محيط قرية كشتعار التابعة لناحية عفرين شمالي حلب، وهو الخبر الذي أكدته منصات إخبارية تابعة لقوات سوريا الديمقراطية التي تتقاسم السيطرة على مدينة تل رفعت مع الجيش السوري.
وقد علق مهتمون بالشأن السوري أن ذلك يأتي في إطار تفاهمات بين تركيا وروسيا لفتح الطريق إلى حلب أمام الفصائل السورية المسلحة. لكن ناشطين آخرين رأوا أنه من السابق لأوانه تحديد أسباب التحركات العسكرية الروسية في المنطقة، وأن من الممكن أن تكون تغييرا روتينيا لأطقمها ومعداتها.
وقد أثار ياسين أقطاي، مستشار الرئيس التركي، هو الآخر الجدل في يناير الماضي عندما قال بأنه "يجب وضع حلب تحت السيطرة التركية" وأن ذلك "سيضمن عودة مليوني لاجئ إلى ديارهم".
هذه التصريحات، وإن اعتبرها أقطاي لاحقا مجرد تصورات خاصة لحل أزمة اللاجئين، إلا أن وسائل إعلام موالية للنظام السوري استبعدت أن يرتجل شخص بموقعه السياسي الكلام في قضية حساسة، مثل فرض السيطرة على مدينة كبيرة خارج حدود بلاده.
فهل ستكون عودة مليوني لاجئ إلى حلب ومليون لاجئ آخرين إلى الوحدات السكنية التي ستقام في الشمال، و500 ألف إلى منازل الطوب في إدلب، هي الصيغة النهائية لخطة تركيا لإعادة 3.6 مليون لاجئ سوري بلادهم؟
مخاطر الترحيل القسري
تبدي منظمات دولية تخوفها من أن بناء الوحدات السكنية في الشمال السوري لا يكفي لحل مشكلة اللاجئين السوريين في تركيا، وتصف ما يجري الترويج له كعودة طوعية للاجئين بشكل من أشكال الترحيل القسري.
ورصد تقرير لمنظمة هيومن رايتس ووتش حالات كثيرة تم فيها تخيير اللاجئين بين توقيع استمارة العودة إلى سوريا أو البقاء في مراكز الاحتجاز لمدة عام "ولا يزال العديد منهم في مراكز الترحيل بانتظار حل لقضيتهم، دون أن يعرفوا سبب احتجازهم".
ولم تفلح عقود العمل وبطاقات الحماية المؤقتة في حماية الكثير من السوريين من أن يجدوا أنفسهم في مراكز الاحتجاز أو حافلات الترحيل باتجاه الحدود. ونقلت تقارير صحفية عن محتجزين في هذه المراكز أن وثائق الترحيل التي يوقعون عليها لا يعرفون مضمونها وأن "عناصر المركز أوهموا وخدعوا اللاجئين بقولهم إنها ليست أوراق ترحيل أو عودة إلى سوريا، لكنها كانت كذلك، وجرى نقلهم إلى معبر باب السلامة، ودخلوا الأراضي السورية".
ودعا ناشطون سوريون إلى زيارة مراكز الاحتجاز هذه للاطلاع على الأوضاع المأساوية للمحتجزين، كما طالبت منظمة هيومن رايتس ووتش بمراقبة إجراءات التوقيع على استمارات العودة الطوعية.
إصرار تركيا على إقامة حزام أمني على طول حدودها الجنوبية، وحديث الجولاني عن معركة باتجاه مدينة حلب قد يعني الدخول في جولة جديدة من الصراع من الصعب التنبؤ بتداعياتها الإنسانية وقد تتسبب بموجات لجوء جديدة.
وتمثل حالة الانفلات الأمني، وصراعات النفوذ في مناطق "الجيش الوطني" المشكل من فصائل مقربة من تركيا، وغياب مقومات الحياة والاستقرار في الشمال السوري تحديا كبيرا أمام اللاجئين العائدين إلى ديارهم.
وسجل المركز السوري لحقوق الإنسان حالات عديدة للاجئين مرحلين من تركيا وجدوا منازلهم في الشمال في عهدة شخصيات نافذة في "الجيش الوطني"، واضطر بعضهم إلى العيش في العراء بعد فشله في استعادة منزله، في مؤشر واضح على انتشار الفوضى وسلطة الأمر الواقع.
