ينشغل العالم هذه الأيام بمتابعة أخبار الغوّاصة "تيتان" التي حملت خمسة مغامرين أثرياء انطلقوا في رحلة لمشاهدة حطام سفينة تيتانيك التي غرقت في أبريل من العام 1912 بعد أن اصطدمت بجبل جليدي بعد أيام قليلة من إبحارها من لندن باتجاه نيويورك.
كان على متن الباخرة يومها حوالي 2224 راكباً، غرق منهم أكثر من 1500 ونجا ما يقارب 700 راكب.
وانتقد معلقون على مواقع التواصل الاجتماعي ما وصفوه بـ"ازدواجية المعايير" في التعامل مع قضية المغامرين الخمسة، مقابل تباطؤ الكثير من الدول في إنقاذ المهاجرين الذين يغرقون في البحر خلال محاولاتهم العبور إلى أوروبا.
واستعاد بعض المعلقين العرب قضية الركاب العرب الذين غرقوا في حادثة تايتنك، وظلت قصصهم مجهولة لعقود. وكان معظمهم من ركاب الدرجة الثالثة في الطبقة السفلى من السفينة، ولم تكن لهم الأولوية في الصعود إلى مراكب النجاة.
في كتابها "الحلم فالكابوس- السوريون الذين ركبوا متن التايتنك" (صدر بالإنجليزية سنة 2011)، تقتفي الباحثة ليلى سلّوم الياس آثار الناجين السوريين واللبنانيين من كارثة غرق التايتنك بعد أن راجعت في مكتبة الكونغريس صحفاً عربية كانت تصدر بنيويورك عام الكارثة. وتقول في كتابها أن "عدداً لا بأس به من العرب سافروا على متن التايتنك وقد فارق معظمهم الحياة، ولكن نظراً لعدم وجود قصة تتعلق بهم لن يكون لهؤلاء المسافرين الناطقين بالعربية، إلا القليل من الأهمية".
استطاعت الباحثة عبر سنوات من العمل والبحث والتقصي العثور على قصص الكثير من هؤلاء العرب الذين ركبوا على متن التايتنك.
حمل معظم ركّاب السفينة من العرب حلم الهجرة والبحث عن حياة أفضل. و"بالنسبة إلى الناجين وعائلات الضحايا، شكّلت الكارثة انهياراً لحقيقة الحلم، وفجأة حلّ كابوس لا ينسى محلّ التصورات المستقبلية التي أصابتها غشاوة مباغتة".
ومع ذلك، تقول سلوّم إنها لم تستطع الوصول إلا إلى عدد قليل من حكايات هؤلاء العرب، وأن قصصاً كثيرة بقيت طيّ الكتمان، وأن ما قامت بتوثيقه يميط اللثام عن هويات "بعض المجهولين من الركاب السوريين الذين لم يهتم أحد بمصائرهم قبلاً، باعتبارهم من ركّاب الدرجة الثالثة".
ويحل العرب في المركز الخامس ضمن 28 جنسية من ركاب السفينة، بـ 122 عربياً معظمهم من سوريا ولبنان (كانوا يحملون وثائق عثمانية)، بالإضافة إلى مواطن مصري يعمل مترجماً تمكّن من النجاة وكان برفقة رجل أعمال أميركي وزوجته في الدرجة الأولى.
وتقول سعاد (27 عاماً)، وهي تحضن رضيعها لوكالة الصحافة الفرنسية بينما تغالبها دموعها "أنتظر جثة زوجي
وتشير الباحثة الأميركية من أصل سوري إلى أن ناجين رووا ما حدث لذويهم، واتهموا حرس السفينة بإطلاق الرصاص على عدد من الركاب السوريين واللبنانيين، لعدم انصياعهم إلى الأوامر، حيث كانت الأولوية بالوصول إلى قوارب النجاة لركاب الدرجة الأولى وأن ذلك خلق "صراعاً يائساً تمت التفرقة فيه بين الطبقات الراقية والبسطاء".
وفي فيلم "تايتنك" الشهير الذي صدر في العام 1997 للمخرج جيمس كاميرون، من بطولة ليوناردو دي كابريو وكايت وينسليت، يحضر العرب في لقطة لم تدم سوى 6 ثوان، وفيها تقول سيدة على متن السفينة بلهجة لبنانية واضحة "يلا يلا" وهي تستعجل ابنتها للفرار من السفينة أثناء غرقها، ويردّ زوجها محاولاً تهدئتها: "بس بس خليني شفلك"، مقلّباً بارتباك في صفحات كتّيب إرشادات لمحاولة إيجاد مخرج من الدرجة الثالثة. وبعد هذا المشهد تغيب تماماً أي إشارة إلى الركاب العرب في الفيلم.
ولا تزال قضية السفينة العملاقة التي كان يفترض أنها كانت مصممة لتكون عصية على الغرق، تثير الجدل والاهتمام بعد أكثر من 111 عاماً على غرقها، فيما يرسو حطامها، مع الكثير من الحكايا والأسرار، في قاع المحيط الأطلسي.
