نموذج من المنتجات السورية في الأسواق- ارفع صوتك
نموذج من المنتجات السورية في الأسواق- ارفع صوتك

دفعت الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها السوريون في مناطق النظام بالمعامل والشركات إلى اللجوء لإستراتيجية جديدة، تعتمد طرح منتجاتها بأوزان صغيرة جدا، وتعبئتها بأظرف تتلاءم مع قدرات السوريين الشرائية.

وبعد ظرف الزيت وظرف المتة، طرحت في الأسواق مؤخرا ظروف القهوة بوزن بسيط يكفي لـ"غلوة" واحدة.

نموذج من المنتجات السورية في الأسواق- ارفع صوتك

ولجأت بعض الشركات إلى تقليص حجم ووزن المنتجات التي اعتاد الناس شراؤها بالكيلو والنصف كيلو، في إستراتيجية تهدف إلى الحد من التكاليف، وتوفير المزيد من الأرباح للشركات.

وبدأت تعبئة ظروف البن بوزن 35 غراما، بدلاً من نصف كيلو أو كيلو، وظروف المتة بكميات صغيرة، وكذلك ظروف تحتوي على كميات قليلة من الزيت بدلاً من العبوات التقليدية.

وتلقى هذه المنتجات رواجا كبيرا، لأن سعرها يتماشى مع مستوى دخل الشريحة الأكبر من السوريين، الذين تقلصت قدرتهم الشرائية بسبب الغلاء وتدني الرواتب، فسعر ظرف القهوة 2000 ليرة مقابل كيلو البن الذي يتراوح سعره ما بين 90 و110 آلاف بحسب الصنف والنوع وكمية الهال المضافة إليه.

"أفضل حل"

يقول عماد حمدون القاطن في مدينة دوما في ريف دمشق، لـ"ارفع صوتك"، إن "الشعب السوري يعيش ظروفًا اقتصادية صعبة بسبب الأزمة السياسية والاجتماعية والاقتصادية في البلاد، فالأسعار ارتفعت بشكل كبير، في حين بقيت الرواتب غير قادرة على مواكبة الزيادة".

"وأدى الاختلال في القوة الشرائية إلى صعوبة شراء المواد الأساسية، والمنتجات الضرورية للحياة اليومية بالشكل الذي اعتدنا عليه سابقا، فكان الاتجاه إما للحرمان الكامل من بعض الأصناف، أو شرائها بكميات بسيطة جدا، ومن هنا جاءت أظرف الزيت والمتة والقهوة لتحل هذه المشكلة، وما يميزها أن حجمها ووزنها صغير وسعرها قليل، لذا فهناك إمكانية لشرائها"، يضيف عماد.

ويرى أن هذه الأظرف "أفضل حل" والسبب أن "العائلات الفقيرة تستطيع شراها وتقديم القهوة والمتة لضيوفها دون أن تتكلف عناء شراء كميات كبيرة".

ويتابع عماد، أن تقليص حجم المنتجات "مفيد للطرفين، فمن جهة تستفيد الشركات من أرباح البيع وتوفر على المواطنين مبالغ غير قادر على تدبرها".

تقول سناء كلاس (43 عاما) المقيمة في منطقة النشابية في ريف دمشق، إنها أحبت فكرة المنتجات الجديدة "بشدة"، مبينة لـ"ارفع صوتك": "لم نكن نستطيع تقديم أي شيء للضيوف سوى الماء، فلا قدرة لنا على شراء كيلو البن الذي يزيد سعره عن قيمة راتب العديد من السوريين، فراتبي 200 ألف، وسعر كيلو البن 110 آلاف،  والأوقية بـ20 ألفا تقريبا، لهذا استغنينا عن القهوة لأشهر، وبعدها أصبحنا نشتري البن بربع أوقية وأحيانا بالملعقة،  والآن فكرة الأظرف جيدة تجعل العديد من المنتجات بمتناول الشريحة الفقيرة".

ومن حي التضامن الدمشقي، يقول أمين الحسن، وهو بائع مواد غذائية، إن هذه المنتجات "تلاقي  إقبالا كبيرا ، خصوصاً القهوة والمتة والزيت".

ويؤكد لـ"ارفع صوتك" أن الفكرة "لاقت استحسانا لدى المواطنين، وزادت المبيعات بشكل كبير"، مردفاً "المقتدر يشتري بالكيلو والفقير يشتري بالظرف".

نموذج من المنتجات السورية في الأسواق- ارفع صوتك

ليست جديدة 

يقول الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور فراس شعبو، لـ"ارفع صوتك"، إن هذه "الإستراتيجية معتمدة في عالم التسويق وزيادة الأرباح منذ زمن طويل، وتهدف إلى تحقيق الربحية من خلال تقليص حجم المنتج أو الكمية المقدمة وتخفيض السعر".

"وفي حال وجود منافسة شديدة في السوق ورغبة في زيادة الضغط على الأسعار، يمكن للشركات تخفيض الكمية المقدمة مقابل تخفيض السعر، ما يسمح لها بالحفاظ على هامش الربح"، يضيف شعبو.

ويبيّن: "في حالة سوريا، كما في أي بلد يعاني من التضخم وانخفاض قيمة العملة والقوة الشرائية، تلجأ الشركات إلى هذه الإستراتيجية كحل أساسي، فالمستهلك اليوم حساس جداً للسعر أكثر من الحجم، وإذا انخفضت الكمية بنسبة 5% قد لا يلاحظ ذلك، ولكن إذا ارتفع السعر بنسبة 5% فسيصبح حساسا وقد يتردد في شراء المنتج، وفي الدول مثل سوريا، هناك عملية إحلال، فإذا لم تكن السلعة ذات أولوية، يتم استبدال المنتجات غير الضرورية بسهولة إذا ارتفع سعرها بشكل ملحوظ".

ويفسر هذه الخطوة من الشركات المحلية، بأنها "لتجنب تأثير الزيادة في الأسعار على المستهلكين، والحفاظ على حجم المنتج ولكن بكميات أقل، وهذا ما حدث مع المواد المعلبة خاصة مأكولات الأطفال، حافظوا على الحجم كما هو، ولكن الكمية بداخله خُفضت إلى الثلث أو الربع".

ويوضح شعبو: "من الممكن اللعب على الكميات وعلى النوعية أيضا، فحين نتحدث عن مواطن يبلغ دخله 20 دولارا في الشهر، ومنهم من لا يتجاوز دخله 40 دولارا في أحسن الأحوال، فهذا الشخص لا يهمه النوعية، كما أنه يدرك تماما أن هذا المنتج ليس أصليا مئة بالمئة وهناك عمليات تلاعب في المادة، لكنه يبحث عن البديل كي يستطيع الاستمرار في العيش".

تعايش وتأقلم

يعتبر الخبير الاقتصادي أن إقدام المواطنين على عمليات شراء منتجات الشركات المطروحة بكميات صغيرة، نوع من أنواع التعايش والتأقلم مع الأزمة، من خلال القبول بهذا الأمر.

أما بالنسبة للشركات فهذا الأمر هو الخيار الوحيد المناسب لها، لأن أكثر ما يهمها هو استمرار عمليات الاستهلاك، فإما أن تلجأ لتخفيض التكاليف من خلال تخفيض الجودة، أو من خلال تخفيض الكمية بالتالي تخفيض التكاليف، والمحافظة على مستوى دخل يحقق لها الاستمرارية نوعا ما، كما يقول شعبو.

ويزيد، أنه من الممكن أيضا "ضغط الشركات لأرباحها بشكل كبير، ولكن ستصل بعدها إلى نقطة لن تتمكن من ضغط الأرباح أبدا، مما سيضطرها للدخول في إستراتيجية البيع المجزأ بكميات صغيرة جدا، وهي محببة للشركات والمستهلك بحيث لا يشعر بعبء ارتفاع السعر".

ماذا يخبئ المستقبل؟

هل يمكن أن تسوء الأحوال أكثر؟ يجيب شعبو: "لا يوجد اليوم حل في سوريا، فالشركات تحاول البقاء، والمواطن يحاول جاهداً البقاء والاستمرار، حتى لو اضطر للتضحية ببعض احتياجاته الأساسية شهرياً، كذلك فقيمة الدولار غير ثابتة، والأسعار ترتفع بشكل دوري، كما لا يوجد قيود وضوابط حكومية، والدعم الحكومي يُرفع شيئا فشيئا، بالإضافة إلى ذلك، لا تتوفر المحروقات ولا أي شيء يساهم في تكاليف الإنتاج، بالتالي، ستزداد تكاليف الإنتاج، حيث يعاني الدولار عالمياً، وهناك تضخم عالمي يؤثر على جميع البلدان بما في ذلك سوريا". 

ونتيجة لذلك، يتوقع الخبير الاقتصادي، أن ترتفع تكاليف الإنتاج والأسعار، مقابل انخفاض جديد لسعر الليرة السورية. مبيناً "سيكون الأثر مزدوجاً على المواطن وعلى الشركات، وهذا سيهدد قدرة الشركات على الاستمرار، لأن العامل الأساسي لاستمرارها هو الطلب الذي يحدده المواطن، فإذا انخفض الطلب نتيجة انخفاض القوة الشرائية سينعكس الأمر على الشركات التي تسعى دائماً لإيجاد إستراتيجيات تسويقية للحفاظ على استمراريتها وعودة الروح إلى الاقتصاد السوري".

مواضيع ذات صلة:

تعبيرية

يُعد مشروب المتّة الأرجنتينية جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية للكثير من السوريين، حيث لا تخلو الجلسات العائلية من هذا المشروب الذي صار تقليديا وشعبياً، تميزه طقوس وأساليب خاصة لتحضيره وتقديمه.

وانتشر هذا المشروب منذ عقود في سوريا، خاصة المحافظات الساحلية ومحافظة السويداء، حتى أصبح منافسًا قويًا للشاي والقهوة، ويتفوق عليهما في الكثير من الأحيان. 

ويَعتبر عشاق المتّة في سوريا أنها جزء من التراث والثقافة الاجتماعية، وترمز إلى الترحيب والكرم وتجمع الناس في الأوقات الجيدة والعصيبة.

وإن زرت في زيارة إلى أحد منازل مدن السويداء، أو طرطوس، أو بانياس، أو اللاذقية، ستجد أصحاب المنزل يقدمون لك  المتة تلقائياً. 

تقول منى مرعي (51 عاما) من السويداء، إن مشروب المتة "علامة على الترحيب بالضيف والسعادة باستقباله، والقيام بواجب تكريمه، والرغبة ببقائه لوقت أطول". 

تاريخها في سوريا

انتقلت المتة إلى سوريا من موطنها الأصلي في أميركا الجنوبية على يد المهاجرين السوريين الذين قصدوا تلك البلاد في القرن التاسع عشر بحثاً عن فرص حياة أفضل خلال الحرب العالمية الثانية وما تلاها من أزمات اقتصادية. 

وبمجرد استقرارهم هناك، بدأوا في التأقلم مع العادات والتقاليد المحلية، كان من بينها تناول من مشروب المتة، الذي صار جزءا من حياتهم اليومية. 

بعد سنوات الهجرة، عاد الكثير من السوريين إلى وطنهم الأم خلال ستينيات القرن الماضي، وحينها جلبوا معهم المتة، التي انتشرت رويداً رويداً ولاقت استحسانا كبيرا لدى السوريين، وأُعجب الناس بطعمها فكثر الطلب عليها. 

وبعد الأزمة السورية واللجوء، نقل السوريون هذا المشروب إلى بلدان أوروبا والعالم، حيث أصبحت المتة تُعرض على رفوف المتاجر، وتباع في أسواق أوروبا وتركيا وأمريكا وبعض الدول العربية. 

يقول المهندس ماجد عكاش من مدينة حماة، إنه وفور وصوله إلى ألمانيا افتقد المتة بشكل كبير وكان دائم البحث عنها في أولى سنوات اللجوء ولكن دون جدوى. اختلف الوضع الآن حيث صارت تُباع في الكثير من المتاجر.

يضيف لـ"ارفع صوتك": "أعتبر المتة جزءا من هويتي السورية، فهي تذكرني بالأوقات الجميلة مع الأصدقاء والعائلة، وتربطني بالوطن، وسعيد جدا لأن السوريين حملوها معهم إلى أوروبا، كما حملها أجدادنا من أميركا الجنوبية إلى سوريا". 

يُعتبر شراب المتة مفضلاً لدى شريحة كبيرة من السوريين، ويتم تحضيره بطريقة خاصة، إذ تُنقع أوراق المتة في الماء البارد لدقيقة أو اثنتين، ثم يُضاف إليها الماء الساخن. 

وتُشرب المتّة في قرعة مخصصة لذلك، والقرعة كأس خاصة مصنوعة من الخشب في الأساس، ولاحقا أصبحت تُصنع من الزجاج والبورسلان، و"البومبيجة" التي يتم الشرب فيها، وهي مصاصة معدنية. 

تتنوع طرق شرب المتة بحسب المناطق في سوريا، ففي  السويداء والقلمون يتم تداول قرعة المتة بعد تعقيمها بالماء الساخن والليمون بين مجموعة من الأشخاص، بينما في كطرطوس واللاذقية وحلب يشرب كل فرد بقرعة مخصصة له. 

يقول ماهر إسماعيل من السويداء، إن المتة من المشروبات الأشهر شعبياً، وفي محافظته "يمكن أن ترى المتة في كل بيت تقريبا، حتى أنها تدخل ضمن جهاز العروس". 

عن طريقة الشرب، يشرح ماهر لـ"ارفع صوتك": "الكثير يتناولونها دون أية إضافات، ولكن يمكن إضافة الهيل لها أو الزنجبيل أو العقدة الصفراء، والبعض يشربها بالحليب بدلا من الماء الساخن، والبعض يفضل إضافة السكر فقط مع الماء". 

هل لها طقس معين في السويداء؟ يقول ماهر "يجلس الحاضرون في حلقة، ويتم تداور جوزة أو قرعة المتة بين الحاضرين بالدور الذي يبدأ من الطرف الأيمن". 

من الأولويات 

خلال السنوات السابقة شهدت المتة ارتفاعا كبيرا في سعرها، كما فُقدت لفترات من الأسواق السورية، وعند عودتها اصطف الناس في طوابير للحصول عليها، واتجهوا لتخزينها بكميات كبيرة كي لا ينقطعوا عن شربها. 

وفي عام ٢٠٢٣ وضعت وزارة التجارة التابعة لحكومة النظام السوري، المتة، على البطاقة الذكية.  

تقول منى  عليان (29 عاما) من مدينة طرطوس: "المتة رفيقتنا في اجتماعاتنا، وهي  مشروب اجتماعي بامتياز، ولازَمَتنا في سوريا ولم نتخلّ عنها رغم الأزمات الاقتصادية المتلاحقة، لأننا نعتبرها من الأولويات التي لا يمكن الاستغناء عنها".

"وحين انتشرت إشاعات عن إمكانية انقطاعها، أصيب بعض الناس بالهلع، واصطفت عائلات بأكملها للحصول على حصتها من المتة"، تضيف منى لـ"ارفع صوتك".

سحر، عاملة في مؤسسة "مياه حلب"، تؤكد لنا "لا أستطيع بدء يومي دون كأس من المتّة، أعددت عدة خاصة للعمل وأخرى للمنزل. وهي تمدني بالنشاط والحيوية". 

من جانبه، يقول علي حيدر، وهو بائع لشركة توزيع المتة في اللاذقية، إن الإقبال على المتة كبير جدًا "فالناس يحبونها ويستهلكونها يوميا، ما يجعل الطلب عليها مستمرا على مدار العام، أما الأصناف الأكثر رواجاً فهي متة الخارطة وبيبوري التي تستورد من الأرجنتين وتُعبأ في معمل يبرود في ريف دمشق، ويفضلها الناس بسبب طعمها الثقيل وسعرها المناسب".  

ما فوائدها؟

يُستخلص مشروب المتة من أوراق نبات ليربا ماتي، وهو نبات مشهور في الأرجنتين والأوروغواي والبرازيل وباراغواي، ويمتاز بطعمه الفريد وخصائصه المنشطة.

يقول طبيب الأعشاب سامر كرامة إن المتّة "من مشروبات الطاقة والتنبيه، وتحتوي على مضادات الأكسدة والكافايين الطبيعي، وتساعد على تعزيز التركيز، كما تحتوي على الفيتامينات والمعادن المفيدة لصحة القلب والجهاز الهضمي". 

ويضيف لـ"ارفع صوتك" أن "مشروب المتّة يفيد في خسارة الوزن، وإذابة دهون البطن، وخفض نسبة السكر في الدم. كما أنه مدر للبول، ومليّن للمعدة والأمعاء، ويساهم في علاج عسر الهضم، والتخفيف من حدة الصداع". 

بسبب الشعبية الكبيرة لمشروب المتة، أصبحت سوريا واحدة من أكبر مستوردي المتة في العالم، حيث تستوردها بكميات كبيرة سنويًا من الأرجنتين لتلبية الطلب المحلي المتزايد.

ووفق بيانات  المعهد الوطني لليرباماتي (INYM) الأرجنتيني، فإن سوريا تعتبر من أكبر مستهلكي المتة في الشرق الأوسط. في عام 2018 حققت الصادرات  نسبة قياسية مع تصدير 43 مليون كيلوغرام من المتة. 

وقال المعهد إنه من المثير للدهشة أن أحد الأسباب الرئيسية لزيادة الصادرات الأرجنتينية هو سوريا، وهي أكبر مستورد أجنبي للمتّة في العالم. 

وأظهرت البيانات أن دول الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان تمثل في المجمل 75 بالمئة من صادرات ليربا ماتي الأرجنتينية، تليهما جمهورية التشيلي التي تعتبر ثاني أكبر وجهة تصدير.