طفل يتمدد على حصيرة بلاستيكية مصنوعة من نفايات معاد تدويرها في إدلب- ا ف ب
طفل يتمدد على حصيرة بلاستيكية مصنوعة من نفايات معاد تدويرها في إدلب- ا ف ب

براتب بسيط يعمل السوري جابر أبو ربيع (37 عاما)، في مكب النفايات العملاق في محافظة إدلب شمال غربي سوريا. 

بدأ أبو ربيع الذي يقطن في مخيم سلقين في محافظة إدلب، عمله بجمع النفايات البلاستيكية وبيعها لمعامل إعادة التدوير، منذ أكثر من خمس سنوات، مقابل دخل يساعده في إعالة أسرته المكونة من زوجة وأربعة أطفال، يعاونه في العمل ابنه الأكبر ربيع (١٠ سنوات)، الذي ترك المدرسة منذ سنة، وفي الصيف يعاونه ابنه الأوسط مصطفى (8 سنوات) عند بدء العطلة المدرسية.

طفل يعمل في جمع النفايات البلاستيكية- ارفع صوتك

بداية من المكب

يقول أبو ربيع في حديثه مع "ارفع صوتك"، إن "جمع مخلفات النفايات يؤمن دخلا جيدا للعائلات النازحة في المخيمات، خاصة من خلال بيع ما يتم جمعه إلى معامل التدوير"، مضيفاً أنه يحقق حوالي 30-40 دولاراً في الأسبوع.

"وحين أعمل وحدي يتراوح مدخولي الأسبوعي ما بين 20 و25 دولارا، إذ يساعدني أبنائي في زيادة الدخل"، يتابع أبو ربيع، مستدركاً أنه "يخاف أن يُصاب ولداه بأمراض جلدية بسبب هذا العمل، أو أن تلدغهم الحشرات المنتشرة بكثرة بين النفايات، أو أن يتعرضوا للإصابة بأجسام صلبة وقطع الزجاج المكسور، إذ سبق لولده أن تعرض لجرح بليغ من جسم حاد أثناء التقاط البلاستيك، ما تطلب علاجاً في المشفى بالإضافة إلى العديد من غرز التقطيب".

ورغم خوفه، يعتبر أن مساعدة أبنائه "ضرورية"، لأنهم معاً يحققون "دخلاً جيداً" وهذا "مصدر رزقه الوحيد".

ويقصد أبو ربيع المكب الواقع على الحدود مع الأراضي التركية يومياً، لجمع ما يمكن جمعه من مخلفات النفايات، يقول، "نقوم بجمع مخلفات النفايات المصنوعة من البلاستيك حصرا في أكياس كبيرة، ونلتف بأوشحة تقينا لهيب الشمس ولدغات الحشرات، وتخفف من رائحة أكوام النفايات الكريهة".

"قُبيل الغروب تأتي سيارة لتشتري منا ما جمعناه طوال النهار، ويتم البيع بالكيلو غرام، وأحيانا نأخذ ما جمعناه من مخلفات البلاستيك إلى معامل التدوير في المدينة بأنفسنا لنكسب مبلغا إضافيا من المال، وفي تلك المعامل يعيدون تدويره ليحولوه إلى سجاد وبسط متعدد الألوان والأشكال، بالإضافة إلى أوان منزلية ودلاء وأنابيب وحاويات وسواها"، يبيّن أبو ربيع.

من عملية التصنيع- فرانس برس

ثم إلى معمل التدوير

يشرح مصطفى بكور، العامل في معمل تدوير النفايات في إدلب المراحل التي تمر بها صناعة البسط من البلاستيك وصولاً للمنازل.

يقول لـ"ارفع صوتك": "يأتي النباشون بشكل مستمر إلى معملنا لبيع ما جمعوه من مخلفات بلاستيكية وجدوها في مكبات النفايات المنتشرة بشكل كبير في المدينة، ونحن نقوم بفرزها وغسلها وصهرها وتحويلها إلى حبال تُصنع منها حصر ملونة جذابة للمشترين".

ويؤكد: "نقوم بعملية فرز دقيقة لمخلفات البلاستيك حسب كل نوع، بعدها نقوم بتنقيتها من الشوائب والعناصر العالقة بها، وإزالة الأوراق عن قارورات البلاستيك، ثم نقوم بغسل البلاستيك في أحواض تحتوي على مواد كاوية وصابون مُركّز لتنظيفها من الدهون والزيوت والأجسام الغريبة، وبعد ذلك تُنقل مخلفات البلاستيك إلى مكان آخر ليتم تجفيفها من الماء تماما".

"بعدها نكسر قطع البلاستيك وتُطحن إلى حبيبات وتتحول إلى أجزاء من البلاستيك الخام، ثم تتم إعادة تدويرها لمنتجات بلاستيكية جديدة، ويتم تشكيلها حسب الرغبة بالمنتج المراد صنعه، أما في حال الحُصر تتحول إلى خيوط طويلة تلون بألوان متعددة جذابة تلقى رواجا عند البيع"، يتابع بكور.

من معامل التدوير- فرانس برس

بعدها إلى المشتري

تقول رويدة حمزة وهي ربة منزل ستينية تقيم في إدلب، إنها تحب اقتناء الأواني المعاد تدويرها خاصة البسط والسجاد.

واشترت مؤخراً حصائر وبسطاً لاستعمالها لجلسة خارجية، وأعجبتها جدا، وتنوي شراء المزيد، فنوعيتها "جيدة وشكلها جميل، وسعرها لا يتجاوز ال 10 دولارات"، بحسب ما تقول لـ"ارفع صوتك".

وتضيف رويدة أن هناك "إقبالا جيدا على شراء هذه البسط والسجاد من الكثير من المواطنين، لأن سعرها مناسب جدا لذوي الدخل المحدود، ومن الممكن فرشها داخل المنازل في الصيف أيضا، وتأتي بألوان متعددة تناسب جميع الأذواق".

"أما في الشتاء فهي رقيقة ولا تدفئ، ولكن ربما يستعملها البعض ممن لا تسمح إمكانياته بشراء سجادة بسعر مرتفع، إذ يبدأ سعر السجاد ذي النوعية المتوسطة من 50 دولارا حتى 200 دولار وأكثر، وهي خارج إمكانات الكثيرين"، تتابع رويدة.

طفل يتمدد على حصيرة بلاستيكية مصنوعة من نفايات معاد تدويرها في إدلب- فرانس برس

مواضيع ذات صلة:

صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب
صورة تعبيرية من أحد شوارع العاصمة السورية دمشق- ا ف ب

للمرة الثانية خلال أقلّ من عام، أعلنت حكومة النظام السوري رفع أجور نقل الركاب بين المحافظات الخاضعة لسيطرته من جهة، وبينها والتابعة لقوى أخرى في بقية أرجاء سوريا.

ونقل موقع إعلامي محلّي، عن مصدر في وزارة التجارة الداخلية وحماية المستهلك التابعة للنظام أن القرار "صدر بناءً على ارتفاع تكاليف التشغيل للبولمانات، بما في ذلك الزيوت المعدنية، وأجور الصيانة والإصلاح، وقطع الغيار، والرواتب، وغيرها من التكاليف التي طلبت شركات النقل تغطيتها".

القرار الذي صدر في أغسطس الفائت، لم يكن الأول من نوعه، فقبل عام وفي نفس الشهر، تم رفع أجور النقل بنسب قياسية لما هو معتاد للمواطنين، وذلك بعد أيام من رفع الدعم الحكومي عن المحروقات الرئيسية وغلاء أثمانها ثلاثة أضعاف.

آنذاك، بلغ سعر الليتر الواحد من البنزين في السوق السوداء نحو 20 ألف ليرة سورية، بينما وصل سعر ليتر الديزل (المازوت) إلى 15 ليرة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع حادّ في أسعار البضائع والمواد الاستهلاكية وأجور النقل.

يقول سوريون استطلع موقع "ارفع صوتك" آراءهم، إن شركات النقل المرخّصة من قبل حكومة النظام "لا تلتزم أصلاً بالتسعيرة الرسمية رغم ارتفاع أجورها بشكل باهظ"، بينما أفادت مواقع إعلامية محلية أن زيادة أجور النقل تتراوح بين 7 آلاف و10 آلاف ليرة عما كان سائداً في السابق، خصوصاً شركات النقل الكبرى المعروفة.

أجور النقل بين المحافظات السورية

Posted by Q Business on Saturday, August 3, 2024

هذه الزيادة في أسعار أجور النقل أثّرت بشكل خاص على الحركة بين المحافظات، حيث أصبح من الصعب على الكثيرين السفر لإنجاز معاملات أو التداوي أو للزيارة العائلية بسبب التكلفة المرتفعة، حتى بات السفر بين محافظة وأخرى "من الرفاهيات" كما يقول عماد حاجي (56 عاماً)، وهو من سكّان مدينة حلب.

يضيف لـ"ارفع صوتك" أن ابنته الوحيدة تسكن في ريف دمشق، ويُضطرّ بين الحين والآخر لزيارتها، بسبب سفر زوجها للعمل في لبنان. 

ويرى عماد أن تكلفة النقل بين المحافظتين "تفوق الواقع بمراحل"، مردفاً "أقلّ تذكرة لا يمكن الحصول عليها إلا بدفع مبلغ 65 ألف ليرة سورية، بينما في آب (أغسطس) سنة 2023 كانت نفس الرحلة تكلفني 20 ألف ليرة تقريباً".

 

من هم الأكثر تضرراً؟

عبر وسائل التواصل والمواقع المحلية، رفع سوريون مطالبهم لحكومة النظام بإعادة النظر في الأجور الجديدة.

وقال أمين سر جمعية حماية المستهلك عبد الرزاق حيزة إن الموظف بات ينفق راتبه الشهري على أجور النقل، لافتاً إلى أن تكاليف نقل الأفراد بين دمشق وريفها، أصبحت عبئاً على الموظفين وطلبة الجامعات.

واقترح تسيير حافلات حكومية على غرار حافلات النقل الداخلي وتزويدها بالمحروقات، أو إنشاء شركات نقل مشترك بين القطاعين الخاص والعام.

كما حذر حيزة من تضرّر عدد كبير من الشرائح الاجتماعية، بينهم المرضى الذين يقصدون المشافي في المحافظات، والمسافرون باتجاه المطارات والمحافظات الشمالية. 

وتبدو شريحة المرضى الذين يقصدون خدمات المشافي العامة أو الاستطباب الخاص، هي الأكثر تضرّراً من هذا القرار في ظل التكلفة المرتفعة أصلاً للمعاينات الطبية والأدوية.

وداد ملحم (59 عاماً)، من سكان مدينة دير الزور شرق سوريا، تقول إنها تحتاج للسفر بشكل شهري تقريباً إلى مدينة دمشق، لمراجعة قسم القلبية في مشفى "المواساة" نتيجة لإصابتها بمرض "نقص التروية".

تبين لـ"ارفع صوتك" أن الخدمات الطبية -لا سيّما القلبية- في مدينتها "متهالكة تماماً"، ولذلك تسافر لدمشق منذ ثلاث سنوات للحصول على الرعاية اللازمة.

وتؤكد وداد أن تذكرة السفر بين دير الزور ودمشق (يبعدان عن بعضهما نحو 450 كيلومترا) وفق الأسعار الجديدة صارت نحو 80 ألف ليرة سورية، هذا عدا عن دفع أجور الاستشفاء والأدوية التي قد تحتاج شراءها.

هذه التكاليف التي ترهق كاهل وداد، تدفعها لمطالبة سلطات النظام بوضع "اعتبارات خاصة لبعض الفئات كالمرضى والطلاب، ومنحهم بطاقات تخفيض تراعي حاجتهم للسفر المتكرر".

أزمة وقود سوريا
الحكومة السورية ترفع سعر الخبز والمازوت رغم تفاقم الأزمة
بدأت الحكومة السورية الأحد العمل بسعر جديد لمادتي الخبز والمازوت بعد رفع ثمنهما مرة جديدة وتزامناً مع قرار رئاسي برفع الحد الأدنى للأجور وزيادة رواتب العاملين في الدولة بنسبة 50 في المئة، وسط أزمة اقتصادية خانقة متسارعة تثقل كاهل مواطنين في بلد يشهد نزاعاً دامياً منذ أكثر من عشر سنوات.
وهذه ليست المرة الأولى التي ترفع فيها

"إتاوات" الحواجز الأمنية          

لا تتوقف معضلة السفر بين المحافظات السورية على أجور النقل المرتفعة، إنما تدخل في التكاليف ما يسمّيها السوريون "إتاوات التشليح"، التي يدفعونها عند  الحواجز العسكرية التابعة لجيش النظام، خصوصا "الفرقة الرابعة" المسؤولة عن معظم الحواجز بين المحافظات.

يقول مرهف الراعي، من سكان مدينة الرقة، إن هذه الحواجز "تتقاضى مبالغ مُتباينة من أجل السماح بمرور الحافلات دون تفتيش، وفي حال عدم الدفع يضطر ركاب الحافلة للبقاء ساعات بذريعة الإجراءات الأمنية".

يدرس مرهف في كلية الآداب بجامعة الفرات (مقرّها الرئيسي مدينة دير الزور)، ولأن مدينته واقعة تحت سلطة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) فإنه يُضطر للسفر كل ثلاثة أشهر لتقديم الامتحانات.

يبين لـ"ارفع صوتك" أن حواجز "الفرقة الرابعة" المنتشرة بين المحافظتين "تزيد صعوبة وتكاليف السفر، وتشكل سرقة موصوفة لجيوب المسافرين" على حد تعبيره.

ويشير إلى أن الحافلة بين الرقة ودير الزور تقابلها حواجز "الرابعة" بتدقيق خاص، بسبب اختلاف جهات السيطرة بين المنطقتين، مردفاً  "يقولونها بشكل علني (ادفعوا كي تمرّوا أو انتظروا ساعات لنقوم بالتدقيق الأمني والتفتيش)".

"لذلك، فإن غلاء الأسعار ليس الشبح الوحيد الذي يطاردنا في سوريا، فبقاء مظاهر الحرب والحواجز العسكرية تعطي للسلطات في كل المناطق ذرائع مبرّرة لتزيد  الطين بلّة"، يتابع مرهف.